أعاد تصديق مجلس النواب الليبي، في 20 أكتوبر 2026، على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة مع تركيا عام 2019، طرح العلاقة بين التحولات السياسية الداخلية والتنافس الإقليمي على الحدود البحرية وموارد الطاقة في شرق المتوسط. وتنبع خصوصية هذا التطور من صدوره عن مؤسسة سبق أن رفضت الاتفاق، وارتبطت بالقوى السياسية والعسكرية في شرق ليبيا التي عارضت الدور التركي، قبل أن تتجه علاقاتها بأنقرة نحو التقارب. وبذلك، يمثل التصديق تحولًا في حسابات الأطراف الليبية وشراكاتها الخارجية، يثير تساؤلات بشأن انعكاساته على مكانة تركيا الإقليمية، وعلاقات مصر بحلفائها الليبيين، ومستقبل التنافس البحري.
وتتمثل المشكلة البحثية في تحديد مدى قدرة التصديق البرلماني على تحويل الدعم المؤسسي الداخلي للاتفاق إلى تأثير قانوني وجيوسياسي فعلي، في ظل استمرار الاعتراضات الإقليمية على الترسيم وحقوق الدول الثالثة، وبقاء الانقسام السياسي الليبي. فتعزيز السند الداخلي للاتفاق لا يحسم بذاته مشروعية الحدود البحرية التي يتضمنها في مواجهة الدول المعترضة، كما أن التقارب السياسي لا يضمن انتقال التعاون في مجال الطاقة إلى التنفيذ. ومن ثم، تتمحور الدراسة حول سؤال رئيسي: إلى أي مدى يغير تصديق مجلس النواب الليبي على الاتفاق البحري مع تركيا الوضع القانوني والسياسي للاتفاق وتوازنات المصالح في شرق المتوسط؟
ويتفرع عن هذا السؤال عدد من التساؤلات: ما العوامل التي تفسر انتقال مجلس النواب من رفض الاتفاق إلى التصديق عليه؟ وما حدود الأثر القانوني للتصديق، خصوصًا فيما يتعلق بحقوق الدول الثالثة؟ وكيف ينعكس القرار على علاقات تركيا بالأطراف الليبية، وعلى خيارات مصر واليونان وقبرص؟ وما دور مصالح الطاقة في التقارب التركي الليبي، وما القيود التي تواجه تنفيذ المشروعات المرتبطة به؟ وأي السيناريوهات أقرب إلى التحقق: التصعيد، أم احتواء الخلاف وتقييد التنفيذ، أم التسوية التفاوضية؟
وتكتسب الدراسة أهميتها من تناولها حالة تكشف تفاعل الانقسام الداخلي مع إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية، وتتيح التمييز بين تعزيز القبول المؤسسي لاتفاق دولي داخل إحدى الدول الأطراف وتسوية آثاره تجاه الدول الأخرى. كما تساعد على تقدير الفرص والمخاطر التي يطرحها التصديق أمام التعاون في مجال الطاقة وإدارة النزاعات البحرية. ولهذا، تتتبع الدراسة خلفيات التحول في الموقف الليبي، وتحلل أبعاده القانونية والجيوسياسية والمواقف الإقليمية والدولية منه، وصولًا إلى استشراف مساراته المحتملة وشروط تحققها.
أولًا: خلفية الحدث وسياقه
- اتفاقية 2019: الترسيم البحري في قلب الخلاف
وُقّعت مذكرة التفاهم البحرية في 27 نوفمبر 2019 بإسطنبول، بين وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، ووزير الخارجية المفوض بحكومة الوفاق الوطني الليبية، محمد الطاهر سيالة. وسُجّلت لدى الأمم المتحدة في 11 ديسمبر من العام نفسه، وحدّدت المذكرة مناطق الصلاحية البحرية المتعلقة بالجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة بين البلدين، استنادًا إلى إحداثيات جغرافية وملاحق فنية. وتضمنت ترتيبات لتسوية النزاعات دبلوماسيًّا وإمكانية الاتفاق على الاستغلال المشترك لبعض الموارد الطبيعية.
ومنذ توقيعها، أثارت الاتفاقية اعتراضات إقليمية، خصوصًا من مصر واليونان وقبرص؛ بسبب اختلاف الأطراف حول أسس ترسيم الحدود البحرية ومدى الاعتداد بأثر الجزر اليونانية في تحديد المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري.
- من الرفض البرلماني إلى مراجعة الموقف من 2020 إلى 2025
رفض مجلس النواب الليبي عام 2020 المصادقة على مذكرتي التفاهم الموقعتين مع تركيا، وقرر قطع العلاقات السياسية مع أنقرة، واستند موقفه إلى اعتراضات تتعلق بالسيادة والإجراءات القانونية والرسمية التي أُبرمت بموجبها الاتفاقيتان. ولم يكن الرفض منفصلًا عن الانقسام السياسي والعسكري الليبي؛ فقد ارتبط مجلس النواب والمؤسسات العسكرية في الشرق بعلاقات وثيقة مع مصر، بينما قدمت تركيا دعمًا عسكريًّا لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس خلال مواجهتها قوات خليفة حفتر. وبذلك أصبح الاتفاق البحري جزءًا من الخلاف الداخلي الليبي، فضلًا عن ارتباطه بالتنافس الإقليمي في شرق المتوسط.
- التقارب بين أنقرة وشرق ليبيا من 2022 إلى 2026
بدأت ملامح التحول في موقف حكومة شرق ليبيا تتضح مع اتساع الاتصالات السياسية والأمنية مع تركيا، حيث استقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رئيس مجلس النواب السابق عقيلة صالح مرتين خلال عامي 2022 و2023، ما أتاح استئناف الحوار المباشر بعد مرحلة القطيعة. وفي أغسطس 2025، زار رئيس جهاز المخابرات التركي، إبراهيم قالن، مدينة بنغازي والتقى المشير خليفة حفتر، في مؤشر على تجاوز الاتصالات حدود العلاقة مع المؤسسات السياسية إلى القيادات العسكرية في الشرق.
وشكّل مجلس النواب لاحقًا لجنة فنية لدراسة الاتفاقية البحرية لعام 2019، بما أتاح إعادة النظر في موقفه السابق، واستمرت الاتصالات خلال عام 2026، وكان من أبرزها لقاء قالن بصدام حفتر في بنغازي خلال يونيو الماضي، حيث تناولت المباحثات توحيد المؤسسات الليبية وتوسيع التعاون الثنائي. وتكشف هذه التطورات عن تحول في المقاربة التركية للملف الليبي؛ إذ لم تعد أنقرة تحصر علاقاتها في مؤسسات طرابلس، بل اتجهت إلى بناء تفاهمات مع القوى المؤثرة في الشرق أيضًا، من دون التخلي عن شراكاتها القائمة في الغرب.
- التعاون في قطاع الطاقة
تزامن التقارب السياسي مع خطوات عملية في قطاع النفط والغاز؛ ففي يونيو 2025، وقعت شركة النفط التركية (TPAO) والمؤسسة الوطنية للنفط الليبية مذكرة تفاهم لإجراء دراسات جيولوجية وجيوفيزيائية في أربع مناطق بحرية، إلى جانب مناقشات بشأن تنفيذ مسح زلزالي ثنائي الأبعاد بطول 10 آلاف كيلومتر. وفي فبراير 2026، حصلت الشركة التركية على حصص في منطقتين استكشافيتين ضمن أول جولة لمنح تراخيص النفط والغاز في ليبيا منذ 17 عامًا، هما:
- المنطقة البريةC3 ، بالشراكة مع شركة ريبسول الإسبانية.
- المنطقة البحرية O7، بالشراكة مع شركتَيْ ريبسول الإسبانية ومول المجرية.
وتشير هذه الخطوات إلى أن المصالح الاقتصادية والمتعلقة بالطاقة أصبحت عنصرًا مؤثرًا في التقارب التركي الليبي، وأن الاتفاق البحري بات يرتبط بمشروعات استثمارية تتجاوز دلالته السياسية والقانونية.
ثانيًا: الأبعاد القانونية للتصديق
- الطبيعة القانونية لمذكرة التفاهم
تُعامل مذكرة التفاهم البحرية بوصفها اتفاقًا دوليًّا بين تركيا وليبيا، وقد سُجلت لدى الأمم المتحدة، غير أن التسجيل لا يحسم بذاته صحة الترسيم أو مدى توافقه مع قواعد القانون الدولي للبحار، وهو ما يفسر استمرار الخلاف حول مشروعيتها وآثارها القانونية.
- أثر التصديق البرلماني
يعالج قرار مجلس النواب أحد أبرز الاعتراضات الداخلية التي واجهت الاتفاقية منذ عام 2019، والمتمثلة في غياب المصادقة البرلمانية؛ فقد استُخدم هذا الغياب للطعن في مشروعية الاتفاق من داخل ليبيا وخارجها، ولاسيما من جانبَيْ مصر واليونان. ويضع التصديق حدًا لموقف الرفض الذي تبناه المجلس سابقًا، ويمنح الاتفاقية سندًا مؤسسيًّا داخليًّا إضافيًّا، لكن أثر القرار يبقى محدودًا بنطاق الاختصاصات والإجراءات الدستورية الليبية، ولا يعني تلقائيًّا تسوية جميع المسائل القانونية المرتبطة بالاتفاقية. كما أن الموافقة البرلمانية لا تكفي لإلزام الدول الأخرى بترسيم لا تقبله.
- حقوق الدول الثالثة: جوهر النزاع القانوني
تتمحور الإشكالية القانونية حول مدى قدرة اتفاق ثنائي على التأثير في الحقوق البحرية لدول لم تشارك في إبرامه. وبموجب مبدأ «pacta tertiis nec nocent nec prosunt»، لا تنشئ المعاهدات التزامات أو حقوقًا للدول الثالثة من دون موافقتها، وفق الشروط المعروفة في القانون الدولي. وعليه، لا يمكن للاتفاق التركي الليبي أن يفرض بذاته حدودًا بحرية ملزمة لمصر أو اليونان أو قبرص.
ومع ذلك، فإن شروع تركيا وليبيا في تنفيذ أنشطة استكشاف أو تنقيب في المناطق المتنازع عليها قد يجعل الخلاف أكثر تعقيدًا؛ بسبب تداخل المطالبات القانونية مع المصالح الاقتصادية والوجود العملياتي في البحر. وتبقى مسألة التمييز بين شرعية الاتفاق في العلاقة الثنائية بين طرفيه وبين قابليته للاحتجاج به في مواجهة الدول الأخرى أساسية لفهم النزاع.
ثالثًا: التأثيرات الجيوسياسية
- مكسب تركي يتجاوز الاتفاق البحري
يمثل التصديق مكسبًا سياسيًّا ودبلوماسيًّا لأنقرة، خصوصًا أنه صادر عن مؤسسة ليبية كانت من أبرز خصوم تدخلها العسكري والسياسي خلال السنوات الماضية. وتستفيد تركيا من القرار على مستويين:
- تعزيز موقفها في الخلاف البحري في شرق المتوسط؛
- توسيع علاقاتها داخل ليبيا لتشمل القوى التي كانت مرتبطة بالمحور المناوئ لها.
ولا يعني ذلك أن التصديق يمنح المطالبات البحرية التركية مشروعية دولية نهائية، لكنه يضعف الاعتراض القائم على غياب الموافقة البرلمانية الليبية، ويعزز قدرة أنقرة على الدفاع عن الاتفاق سياسيًّا.
كما يؤكد نجاح المقاربة التركية القائمة على الاحتفاظ بعلاقات وثيقة مع طرابلس، مع الانفتاح على بنغازي والمؤسسات العسكرية الشرقية. وتتيح هذه السياسة لأنقرة هامشًا أوسع للتأثير في المسار السياسي الليبي وفي الترتيبات الاقتصادية والأمنية المرتبطة بمستقبل البلاد.
- إعادة ترتيب العلاقات داخل المشهد الليبي
يعكس قرار مجلس النواب تحولًا في حسابات القوى السياسية والعسكرية في شرق ليبيا، بعدما كانت معارضة الاتفاق البحري جزءًا من موقفها تجاه تركيا. ورحّبت أطراف من الشرق والغرب بالتصديق؛ فقد وصف صدام حفتر القرار بأنه «تحرك نحو تجاوز خلافات الماضي»، وأشاد بدور تركيا باعتبارها قوة إقليمية مهمة، كما اعتبرت حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس القرار تطورًا إيجابيًّا في العلاقات الليبية التركية.
وتوحي هذه المواقف بإمكانية حدوث تقارب بين المؤسسات المتنافسة حول بعض ملفات السياسة الخارجية، وبخاصة التعاون مع تركيا، لكن التقارب بشأن الاتفاق البحري لا يعني انتهاء الانقسام السياسي والمؤسسي الليبي؛ فقد تتقاطع مصالح الأطراف المتنازعة في ملفات محددة، مع استمرار خلافاتها بشأن السلطة والشرعية وترتيبات المرحلة الانتقالية.
- مصر أمام معادلة أكثر تعقيدًا
يضع التصديق القاهرة أمام تحدٍّ سياسي ودبلوماسي واضح؛ فقد دعمت مصر لسنوات المؤسسات السياسية والعسكرية في شرق ليبيا، واعتبرت استقرار هذه المنطقة جزءًا من مصالحها الأمنية المباشرة، غير أن مصادقة مجلس النواب على اتفاق تعارضه القاهرة تكشف حدود قدرتها على توجيه خيارات حلفائها الليبيين، خاصة عندما تتعارض المصالح المصرية مع الحسابات السياسية والاقتصادية لتلك الأطراف. وقد يدفع هذا التطور مصر إلى مراجعة بعض أدوات تعاملها مع المؤسسات الشرقية، من دون أن يقتضي ذلك التخلي عن علاقاتها القائمة معها. وتبرز أمام القاهرة ثلاثة مسارات محتملة:
- تكثيف الاتصالات مع مجلس النواب وقيادات الشرق لاحتواء تداعيات القرار؛
- تعزيز التنسيق مع اليونان وقبرص للدفاع عن موقفها القانوني؛
- توظيف تحسّن علاقاتها مع تركيا لفتح قنوات تفاوضية بشأن الخلافات البحرية.
ويمنح التقارب المصري-التركي خلال السنوات الأخيرة فرصة لإدارة النزاع دبلوماسيًّا، وإن كانت تسوية الخلاف بشأن الترسيم البحري ستظل رهينة تفاهمات أوسع حول مصالح الطرفين في ليبيا وشرق المتوسط.
- احتمالات تصاعد التنافس البحري
أعاد التصديق الخلاف حول الحدود البحرية إلى واجهة العلاقات الإقليمية في شرق المتوسط، وقد أعلنت اليونان أنها ستتخذ الإجراءات اللازمة لحماية حقوقها السيادية، وأبلغت حلفاءها وشركاءها بموقفها من القرار. وتتركز الاحتمالات الرئيسية خلال المرحلة المقبلة في ثلاثة اتجاهات:
- تحرك دبلوماسي منسق بين اليونان ومصر وقبرص، بهدف الحد من الآثار السياسية والقانونية للتصديق؛
- توسيع الأنشطة الاستكشافية التركية الليبية في المناطق المشمولة بالاتفاقية، بما يعزز المصالح الاقتصادية المرتبطة بتنفيذها؛
- ارتفاع احتمالات الاحتكاك البحري إذا تداخلت أنشطة المسح والتنقيب مع مناطق تطالب بها أطراف أخرى، أو حاولت هذه الأطراف الاعتراض عليها.
ويتوقف مستوى التوتر على طبيعة الخطوات التنفيذية التي ستتخذها تركيا وليبيا، وعلى استعداد الدول المعنية لمعالجة الخلاف عبر القنوات الدبلوماسية والقانونية.
- الطاقة بوصفها محركًا للتقارب
قد يتيح التصديق بيئة سياسية أكثر استقرارًا للتعاون في مجال الطاقة بين أنقرة وطرابلس وبنغازي، بعدما أصبح الاتفاق البحري مقبولًا لدى مؤسسات ليبية كانت تعترض عليه. وتملك شركة TPAO التركية مصالح استكشافية قائمة في ليبيا، وهو ما يمنح التعاون بعدًا اقتصاديًّا مباشرًا، لكن الانتقال من الاتفاقات السياسية إلى عمليات الاستكشاف والإنتاج يتطلب تراخيص وإجراءات تنظيمية وقرارات استثمارية مستقلة، إلى جانب معالجة التحديات الأمنية والتقنية. وتزداد أهمية هذه الشروط في المناطق البحرية المتنازع عليها، حيث يمكن أن تتحول الأنشطة الاقتصادية إلى مصدر خلاف دبلوماسي أو قانوني جديد.
رابعًا: المواقف الإقليمية والدولية
- تركيا
رحب الرئيس رجب طيب أردوغان بتصديق مجلس النواب الليبي، واصفًا إياه بأنه «قرار مهم»، ومعربًا عن أمله في أن يكون مفيدًا. كما أجرى وزير الخارجية هاكان فيدان اتصالات هاتفية مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة وصدام حفتر، أعرب خلالها عن شكره للمواقف الداعمة للتصديق. ويعكس هذا التحرك حرص أنقرة على توظيف القرار لتوطيد علاقاتها بمختلف الأطراف الليبية، والمضي في تنفيذ التفاهمات البحرية والاقتصادية.
- مصر
تؤكد القاهرة أن المذكرة «باطلة بطلانًا مطلقًا، ومعدومة الأثر القانوني»، وأن تصديق مجلس النواب الليبي عليها لا يرتب التزامات أو آثارًا قانونية بالنسبة لمصر. وتستند اعتراضاتها إلى مبادئ القانون الدولي للبحار وقواعد الإنصاف في ترسيم الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة، كما ترد في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.
- اليونان
تعتبر أثينا الاتفاقية غير قانونية، وترفض الأساس الجغرافي الذي اعتمدته تركيا وليبيا للترسيم، مؤكدة أن البلدين لا يملكان سواحل متقابلة أو متجاورة تبرر، وفق تفسيرها، الحدود المرسومة. وتتمسك بأن القرارات البرلمانية لا تستطيع تغيير الجغرافيا أو تجاوز حقوق الدول الأخرى.
- قبرص
أدانت نيقوسيا التصديق، وجددت موقفها الرافض للمذكرة التي تعتبرها غير قانونية وباطلة.
- الاتحاد الأوروبي
أعرب الاتحاد الأوروبي عن أسفه للتصديق، وأكد تضامنه مع اليونان وقبرص، واعتبر أن الاتفاقية تنتهك الحقوق السيادية لدول أخرى ولا تتوافق مع قانون البحار، مجددًا موقفه الرافض للترسيم المعتمد بين تركيا وليبيا. ويُبرز هذا الموقف استمرار ارتباط النزاع البحري بالعلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي، ولاسيما في ظل عضوية اليونان وقبرص في الاتحاد.
- الأمم المتحدة
لم يصدر موقف رسمي موحد عن الأمم المتحدة بشأن التصديق البرلماني الجديد، ومع ذلك، قد تعيد التطورات الأخيرة إثارة المسائل القانونية المتعلقة بترسيم الحدود البحرية وحقوق الدول الثالثة، خصوصًا في ضوء اختلاف مواقف الأطراف بشأن تفسير قواعد القانون الدولي للبحار، وعدم انضمام تركيا إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982. ولا يترتب على تسجيل المذكرة لدى المنظمة الدولية إقرار أممي بصحة الحدود البحرية الواردة فيها.
خامسًا: السيناريوهات المستقبلية
يحمل هذا التحول المفاجئ في موقف مجلس النواب الليبي ومصادقته على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا احتمالات متعددة تتوقف على ردود فعل القوى الإقليمية والدولية، ويمكن حصرها في ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
أ) سيناريو التصعيد (باحتمال متوسط إلى مرتفع)
يفترض أن تنظر الدول المتضررة من الاتفاقية (مصر واليونان وقبرص) إلى هذه الاتفاقية بوصفها تهديدًا مباشر لأمنها القومي ولمصالحها المتعلقة بالطاقة، ما يدفعها إلى ردود فعل هجومية مضادة على النحو التالي:
- تكثيف المناورات البحرية والجوية في المناطق المتنازع عليها لتثبيت «توازن الردع»؛
- تجميد مصر واليونان التواصل الدبلوماسي مع شرق ليبيا والعودة إلى دعم أطراف مناهضة لمجلس النواب، وهو ما سيزيد من تعقيد الأزمة الليبية.
- قد ترد تركيا بإرسال سفن تنقيب تحت غطاء عسكري إلى داخل المناطق الاقتصادية الخالصة (EEZ) التي تشملها المذكرة، ما قد يزيد احتمال الاحتكاك العسكري العرضي.
ب) سيناريو الاحتواء والتجميد الدولي (باحتمال مرتفع)
يرجح أن تتدخل القوى الكبرى (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) لكبح التوتر ومنع الانفجار في هذه المنطقة الحساسة، وتأمين استقرار إمدادات الطاقة، بالدعوة إلى تجميد تنفيذ الاتفاق مؤقتًا، وذلك من خلال الإجراءات الآتية:
- الإبقاء على المصادقة ورقةً قانونية وسياسية، من دون تفعيل عملي (تنقيب أو دوريات مشتركة).
- ممارسة واشنطن ضغوطًا على أنقرة وطرابلس وبنغازي لعدم اتخاذ خطوات استفزازية، وعلى القاهرة وأثينا لعدم التصعيد العسكري.
- العمل على إبقاء الملف الليبي الداخلي بعيدًا عن صراعات الغاز، واعتبار البت النهائي في الاتفاقيات الدولية من صلاحيات حكومة منتخبة مستقبلًا.
جـ) سيناريو التسوية الشاملة (باحتمال ضعيف)
يحتمل أن يستخدم البرلمان الليبي المصادقة لفرض واقع تفاوضي جديد يجبر جميع الأطراف على العودة إلى طاولة الحوار، وهو ما قد يسهم في الآتي:
- انطلاق مفاوضات متعددة الأطراف برعاية أمريكية لإعادة ترسيم الحدود البحرية بما يضمن مصالح الجميع.
- توظيف تركيا هذه الورقة لكسر عزلتها في «منتدى غاز شرق المتوسط» (EMGF)، مقابل تقديم تنازلات في ملفات أخرى لمصر واليونان.
- تحول ليبيا إلى نقطة ربط إقليمية للاستثمارات التركية والأوروبية لتطوير قطاعها النفطي والغازي.
خاتمة
تخلص الورقة إلى أن تصديق مجلس النواب الليبي على الاتفاق البحري مع تركيا يمثل تحولًا في حسابات القوى بشرق ليبيا، ويعكس اتساع قدرة أنقرة على بناء علاقات تتجاوز شركاءها التقليديين في طرابلس. ويشير هذا التحول إلى تنامي أثر المصالح السياسية والاقتصادية في إعادة توجيه الشراكات، وإلى أن العلاقات الوثيقة بين القوى الليبية وداعميها الخارجيين لا تعني تطابق خياراتهم في جميع الملفات. ومع ذلك، يظل التوافق بشأن الاتفاق البحري تقاطعًا محددًا للمصالح، لا دليلًا كافيًا على تجاوز الانقسام السياسي والمؤسسي الليبي.
وتبين الدراسة أن الأثر المباشر للتصديق يتمثل في تعزيز السند المؤسسي الداخلي للاتفاق وإضعاف أحد الاعتراضات التي استند إليها معارضوه، بينما تظل آثاره الخارجية مقيدة باستمرار الخلاف حول قواعد الترسيم والحقوق البحرية للدول الثالثة. ومن ثم، لا يكفي التصديق البرلماني لحسم النزاع مع مصر واليونان وقبرص، كما لا يترتب على تسجيل الاتفاق لدى الأمم المتحدة إقرار بصحة الحدود الواردة فيه. وتكشف هذه النتيجة ضرورة الفصل بين الوضع القانوني للاتفاق بين طرفيه ومدى إمكان الاحتجاج به في مواجهة الدول الأخرى.
وعلى المستوى الجيوسياسي، يمنح القرار تركيا مكسبًا تفاوضيًّا ويفرض على مصر إدارة علاقة أكثر تعقيدًا مع شركائها في شرق ليبيا، دون أن يستلزم ذلك قطيعة بينهم أو انهيار مسار التقارب المصري التركي. كذلك، تشكل مصالح الطاقة حافزًا للتعاون التركي الليبي، لكن ترجمتها إلى أنشطة استكشاف وإنتاج تظل مرتبطة بالتراخيص والتمويل والظروف الأمنية، وبالمخاطر الناشئة عن تداخل المطالبات البحرية. ولهذا، يتوقف الأثر العملي للتصديق على طبيعة إجراءات التنفيذ والاستجابات المقابلة، أكثر مما يتوقف على الإعلان السياسي وحده.
وفي ضوء المعطيات التي تناولتها الدراسة، يبدو احتواء الخلاف مع تقييد التنفيذ في المناطق المتنازع عليها أكثر ترجيحًا في المدى القريب من التسوية الشاملة، مع بقاء التصعيد احتمالًا قائمًا إذا اقترنت أنشطة المسح والتنقيب بتحركات عسكرية أو إجراءات اعتراض. ويظل هذا الترجيح مشروطًا باستمرار قنوات الحوار وارتفاع كلفة المواجهة؛ فلا تعني إدارة الخلاف تسويته، ولا يعني تأجيل التنفيذ زوال أسبابه.
وتفتح هذه النتائج مجالًا لدراسات مستقبلية تتناول أسئلة عدة: إلى أي مدى يقود التقارب التركي مع شرق ليبيا إلى تفاهمات مؤسسية مستدامة في السياسة الخارجية؟ وكيف يؤثر تنويع الشراكات الخارجية للقوى الليبية في قدرة داعميها الإقليميين على توجيه خياراتها؟ وما وزن الجدوى التجارية ومواقف شركات الطاقة في دفع الاتفاق نحو التنفيذ أو تعطيله؟ وهل يمكن أن تتيح ترتيبات التعاون المؤقت في المناطق المتنازع عليها إدارة الموارد دون الإضرار بالمواقف القانونية للأطراف؟ كما تبرز أهمية المقارنة بين هذه الحالة وحالات أخرى لقياس أثر التصديق الداخلي في اتفاقات الحدود التي تبرمها دول تعاني انقسامًا مؤسسيًّا.