لم تكن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران (فيما بعد: حرب إيران 2026)، التي اندلعت في 28 فبراير 2026، مجرد مواجهة عسكرية بحتة، وإنما كشفت عن صراعٍ مركبٍ، تداخلت فيها القوة الصلدة التقليدية وأدوات الحرب اللامتماثلة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وحسابات الردع والتحالف. كما تشابك فيها الأمن العسكري والاقتصادي وأمن الطاقة والتجارة والممرات البحرية، والتطور التكنولوجي الدفاعي والأمن السيبراني والسرديات المتنافسة، وأدوار الفاعلين غير الدولتين Nonstate Actors.
وكان اندلاع الحرب وتطور المواجهات العسكرية اختبارًا شاملًا للنظام الإقليمي في الشرق الأوسط، ولطبيعة التحالفات والاصطفافات الأمنية التي تأسست في المنطقة على مدى العقود الماضية. وبرغم أنّ المياه ماتزال تجري تحت الجسور، أفرزت الحرب تداعياتٍ واسعة اقتصادية وسياسية وأمنية على كافة المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.
وهكذا، تطرح حرب إيران 2026 أسئلة تتجاوز نتائج المواجهة العسكرية المباشرة بين أطرافها إلى طبيعة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وحدود قدرته على استيعاب الصدمات، وإعادة تنظيم العلاقات بين وحداته، وأدوار الفاعلين غير الدولتين في الصراعات والمنافسات الاستراتيجية في المنطقة.
تنطلق الورقة من أنّ الأثر الأعمق للحروب يتحدد بمدى قدرتها على تغيير توازن القوى في النظام، وأنماط الاعتماد المتبادل فيه، وطبيعة العلاقات بين وحداته، ونمط القطبية الإقليمية، والعلاقة بين الدولة والفاعلين غير الدولتين، ودرجة انخراط القوى الكبرى في السياسات الإقليمية أو مدى اختراق القوى الخارجية للإقليم.
ولا يفترض تعبير ” بعد حرب إيران 2026″ اكتمال التسوية السياسية أو التوصل إلى اتفاق نهائي بين طرفي الحرب الرئيسيين (الولايات المتحدة وإيران)، وإنما يشير إلى البحث في التأثيرات المحتملة للحرب على عناصر النظام الإقليمي في المنطقة. وتظل الاستنتاجات المتعلقة بالمستقبل مشروطة بمسار الصراع ومآلاته، وليست أحكامًا نهائية. وعليه، تتلخص المشكلة البحثية في السؤال التالي: إلى أي مدى أعادت حرب إيران 2026 تشكيل هيكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وما حدود التغير والاستمرارية في المكونات الأخرى للنظام؟
أولًا- توازن القوى في الشرق الأوسط
أسهمت حرب إيران 2026 في تغيير القواعد التقليدية لتوازن القوى في الشرق الأوسط؛ حيث أثبتت أنّ القوة العسكرية الصرفة، مهما بلغ تقدمها وتعقدها، لم تعد كافية لفرض الهيمنة. فقد كشفت العمليات القتالية عن تحول خطير وجذري في طبيعة توازن القوى، ولاسيما مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي في ساحة المعركة؛ ما طمس الحدود بين الاستخدامات العسكرية والمدنية للتكنولوجيا. وفي هذا السياق، اعتمدت الولايات المتحدة وإسرائيل بكثافة على تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في إدارة المعارك، في حين لجأت إيران إلى استراتيجية الحرب اللامتماثلة، التي تعتمد على الطائرات المسيّرة والقدرات السيبرانية، بدعمٍ خفي من شبكات توريد آسيوية، و”الدفاع الفسيفسائي”، القائم على توزيع مراكز القرار والقدرات على وحدات تتمتع باستقلال نسبي.
ومن الصحيح أنه منذ الضربة الأمريكية-الإسرائيلية الافتتاحية على إيران برز بوضوح التفوق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي المدعوم أمريكيًّا، إلا أن هذا التفوق العسكري لا يعني بالضرورة قدرة إسرائيل المنفردة على تحديد جميع مسارات الحرب أو نتائجها السياسية؛ إذ ظلت مآلات الصراع مرتبطة أيضًا بالموقف الأمريكي، وبردود الفعل الإيرانية، وبمواقف الدول الإقليمية والقوى الدولية. ومن هذه الزاوية، برزت أمام إسرائيل معادلة مزدوجة؛ فمن جهة، حققت العمليات العسكرية مكاسب مهمة على مستوى استهداف القدرات النووية والعسكرية والقيادة الإيرانية، ومن جهة أخرى واجهت ضغوطًا سياسية ودبلوماسية متزايدة بشأن نطاق الحرب ومآلاتها السياسية وتداعياتها الإنسانية والأمنية. وقد برز ذلك بصورة خاصة عندما دخلت واشنطن في مسار تفاوضي مع طهران خلال يونيو 2026 دون مشاركة إسرائيل المباشرة في ترتيبات التفاوض.
وعليه، فإن دراسة موقع إسرائيل في النظام الإقليمي بعد الحرب لا ينبغي أن تقتصر على قياس حجم المكاسب العسكرية، وإنما ينبغي أن تشمل أيضًا مدى قدرتها على تحويل هذه المكاسب إلى نفوذ سياسي مستدام، وطبيعة علاقتها المستقبلية بالولايات المتحدة، ومستوى قبولها الإقليمي والدولي، وقدرتها على العمل ضمن ترتيبات أمنية جديدة في الشرق الأوسط. صحيح أنّ إضعاف إيران، عسكريًّا وأمنيًّا، يعطي لإسرائيل فرصة أكبر لإعادة تمركزها الإقليمي، إلى جانب تخفيض مستوى التهديدات المرتبطة بمحور طهران الإقليمي في لبنان وسوريا والعراق، فضلًا عن بعض مناطق الخليج. غير أن ذلك لا يعني نهاية التهديدات الإقليمية التي تواجهها تل أبيب، حيث قد يؤدي استمرار الحرب لفترة طويلة، ومداها الواسع من الضربات المتبادلة إلى زيادة الضغط الاقتصادي والأمني على إسرائيل نفسها، خاصة في ظل ضيق الإقليمي، واحتمال تحول الصراع إلى حالة استنزاف مستمرة[1]. ومن ثمّ، فإنّ الإنجاز التكتيكي يتآكل ما لم يرافقه مسار سياسي، وأصبحت إسرائيل أكثر اندماجًا أمنيًّا وأقل سياسيًّا.
وبرغم أنّ الضربات الأمريكية والإسرائيلية ألحقت على الأرجح أضرارًا كبيرة بقدرات تصنيع الصواريخ الإيرانية مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، يكشف استئناف تجميع وإنتاج الصواريخ الباليستية مرونة في استراتيجية التكيف العسكري الإيراني. وطبقًا لتقارير بلومبيرغ، لا تزال إيران تمتلك القدرة على تصنيع أسلحة جديدة وإعادة بناء مخزونها من الصواريخ والمسيرات، كما أنها لاتزال تحتفظ بمخزون كبير من الصواريخ البالستية وبعض الأسلحة المضادة للسفن، مع قدرتها على إنتاج المزيد خلال فترة قصيرة[2].
وبات واضحًا أن النظام الإيراني يواجه معضلة في محاولاته للحفاظ على التوازن بين هذين المسارين؛ فالمسار الأول يتعلق بالحفاظ على مظهر الدولة المقاومة، القادرة على الردّ والصمود أمام التحديات الخارجية؛ إذ إنه برغم الدمار والخسائر التي تكبدتها جراء الهجمات الأمريكية الإسرائيلية، فإن طهران تستميت في إظهار تماسكها. أما المسار الآخر، فيتمثل في تجنب الانهيار الداخلي الذي من شأنه أن يؤدي إلى زوال النظام، بالتزامن مع سعيها لإبقاء قنوات التفاوض والوساطة مفتوحة مع عدد من القوى الدولية والإقليمية.
وكشفت الحرب أن مستقبل نفوذ طهران الإقليمي لا يرتبط بقدرتها على الحفاظ على أدوات القوة داخل إيران فقط، بل بقدرات شبكة وكلائها الإقليميين أيضًا. وقد أظهرت التطورات العسكرية أن هذه الشبكة، ولاسيما الحوثيين في اليمن والميليشيات العراقية الموالية لإيران، لم تتلاشَ جراء الحرب، لكنها أصبحت أكثر عرضة للضغوط، وأن استمرار فاعليتها يعتمد -بدرجة متزايدة- على قدرة طهران وحلفائها المحليين على التكيف مع الضغوط العسكرية والسياسية[3].
ثانيًا- هيكل النظام الإقليمي
تميز هيكل النظام الإقليمي في مرحلة ما قبل الحرب بالتعددية القطبية خاصة غير العربية ممثلة في الدور الإيراني والتركي والإسرائيلي، مع تنامي نفوذ دول الخليج في المنطقة. ولكنها كانت تعددية تنافسية وصراعية، أنتجت أو أججت عددًا من الصراعات الإقليمية والمحلية.
ومن المفارقة أنْ تُفضي حرب إيران 2026 إلى تحولٍ جوهري في طبيعة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، ليس بسبب أنها أوجدت نظامًا جديدًا، ولكن لأنها أسقطت بشكل واضح العديد من القواعد التي كانت تحكم النظام الذي كان سائدًا قبلها، ولاسيما توازن القوى الذي يُحدد هيكل النظام الإقليمي ونمط القطبية الإقليمية. فالحرب لم توفر تحالفات مستقرة، وإنما كشفت هشاشة التحالفات القائمة، ولم تسهم في تكوين توازن جديد للردع، فضلًا عن أنها كشفت عن الحدود المتاحة لكل الأطراف للهيمنة الكاملة أو السيطرة التامة على مسار الإقليم.
وقد كشفت جامعة الدول العربية عن أزمة النظام الإقليمي العربي ذاته، حيث إن الحرب التي عرّضت الأمن العربي للخطر بصورة مباشرة، بالاستهداف الإيراني المباشر للأراضي الخليجية والعربية، والمنشآت والمناطق المدنية، وأيضًا عن طريق تهديد حرية الملاحة والطاقة العربية، لم تشكل تحركًا عربيًّا نحو بلورة استراتيجية مشتركة، وإنما أسهمت في تعميق الانقسامات التي كانت قائمة منذ البداية.
والواقع أنّ السؤال عن هيكل النظام الإقليمي بعد الحرب سيبقى عصيًّا على الحسم؛ استنادًا إلى فرضية عدم وجود منتصر واضح في الحرب قادرٍ على فرض ترتيبات نهائية في المنطقة، وإنما سيرتبط بدلًا من ذلك باقتناص الفرص وتعظيم المكاسب التي باتت القاعدة الحاكمة في الشرق الأوسط. فالمنطقة لن تتجه نحو نظام متعدد الأقطاب يتسم بالتوازن، بل ستمضي إلى بيئة إقليمية أكثر دينامية؛ إذ تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والأمنية، والأدوار الإقليمية والدولية؛ الأمر الذي يجعل التحالفات قابلة للتغير وفقًا لطبيعة كل أزمة.
لقد بات جليًّا أن هذه الحرب، التي بدأت في 28 فبراير، تمثل نقطة تحوُّل كبيرة بين مرحلتين؛ إذ تأتي المرحلة الأولى على أساس التوازنات التقليدية والتحالفات المباشرة، فيما تتسم المرحلة الأخرى بمستويات أكبر من الغموض، وأقل قدرة على حيازة سيطرة كل قوة بمفردها على الإقليم، والبراغماتية في إدارة النزاعات والعلاقات. وهكذا، فإن الشرق الأوسط لا يملك بُدًّا غير أن يواجه عملية إعادة تشكيل توازن القوى.
ويرجح أن تتجه المنطقة إلى تعددية مشتتة وتوازنات متحركة، تتشكل فيها الشراكات بحسب القضايا والمصالح، مع استمرار عناصر من التحالفات السابقة. ويظل المسار مفتوحًا بين بناء ترتيبات أكثر قدرة على إدارة المصالح المشتركة واستمرار حالة ممتدة من التنافس وعدم الاستقرار.
ثالثًا- حالة وحدات النظام ونمط العلاقات بينها
تواجه إيران معضلة الحفاظ على تماسك نظامها وإعادة بناء قدراتها، بالتوازي مع محاولة الاحتفاظ بنفوذها في العراق ولبنان واليمن. وقد سرّعت الحرب انتقال مركز الثقل نحو المؤسسة العسكرية والأمنية (عسكرة الحكم)، بما يرجح تبلور نموذج حكم يتعاظم فيه نفوذ الحرس الثوري تحت الغطاء الديني لولاية الفقيه (جمهورية الجنرالات بغطاء ديني). ومن أهم مؤشرات ذلك اتساع نفوذ الحرس الثوري في المؤسسات السياسية والأمنية والاقتصادية، عن طريق تولي قادته مناصب سيادية، وسيطرته على شبكات من الشركات والمشروعات والتمويل؛ ما يمنحه قدرة على التأثير في ملفات التفاوض والأمن القومي وإعادة الإعمار، مقابل تراجع قدرة المؤسسات المدنية على موازنته. ومع ذلك، برز أو تجدد الصراع بين المحافظين والإصلاحيين، أو بصورة محددة بين النخب العسكرية المتشددة والقيادات الأكثر ميلًا إلى البراغماتية بشأن المفاوضات وإدارة مضيق هرمز وقيود الإنترنت. ويؤكد أن هذه التباينات تتعلق بأساليب حماية النظام وإدارة أزماته، أكثر من تعلقها بالخلاف حول أساسه السياسي والديني.
أما إسرائيل، فتجد نفسها في عزلة دبلوماسية متزايدة على الرغم من تحقيقها مكاسب عسكرية واستخباراتية مهمة، غير أن تحويل هذه المكاسب إلى نفوذ سياسي مستدام يظل مرتبطًا بعلاقتها بواشنطن، ومستوى القبول الإقليمي، والضغوط الدبلوماسية. ولا تعني الاتفاقيات الإبراهيمية تلقائيًّا قيام محور عسكري موحد، بالنظر إلى اختلاف أولويات أطرافها وحساباتهم الأمنية.
أما دول الخليج، فقد اتجهت نحو إعادة تقييم الضمانات الأمنية التقليدية، وتطوير قدراتها الذاتية وتنويع شراكاتها، وتطوير تحالفات مرنة بديلة عن الاصطفافات الحادة، والمراهنة على إحداث توازن دقيق بين الردع والانفتاح الدبلوماسي، مع استمرار أهمية المظلة الأمنية الأمريكية.
وقد تباينت التداعيات الاقتصادية للحرب بين دول المنطقة. فقد استفادت دولة الإمارات وقطر من ارتفاع أسعار النفط، لكنهما تأثرتا سلبًا في مجالات الخدمات اللوجستية والطيران والسياحة والتأمين والاستثمارات الأجنبية. ففي الإمارات، تقابل المكاسبَ المحتملة من ارتفاع أسعار الطاقة ضغوطٌ على التجارة والخدمات اللوجستية والطيران والسياحة والاستثمار. وفي قطر، ترتبط المخاطر باستمرارية إنتاج الغاز وتصديره والوفاء بعقوده. أما الكويت والبحرين، فشهدتا تدهورًا أكبر في المؤشرات المالية والرأسمالية نتيجةً لزيادة الاعتماد على صادرات المحروقات، وارتفاع مستوى الديون، واضطرابات التجارة، بينما تمنح منافذ التصدير البديلةُ السعوديةَ قدرةً أكبر على التكيف.
وكانت التكاليف الاقتصادية الإقليمية للحرب هي الأعلى بالنسبة لإيران وإسرائيل، حيث عانى البلدان من التأثير المباشر على أصولهما الرأسمالية وقدراتهما الإنتاجية، ونفقاتهما الحكومية، واستهلاكهما، واستثماراتهما.
ويتصل بذلك أنّ استنزاف دول المنطقة عسكريًّا واقتصاديًّا وانشغالها بالمواجهة قد يتيحان للتنظيمات الإرهابية والميليشيات الموالية لإيران فرصًا لإعادة التنظيم والتجنيد. كما أنّ تطورات المواجهة العسكرية الأمريكية-الإيرانية يدفع طهران إلى التمسك بشبكات وكلائها الإقليميين بوصفها مصدرًا للعمق الاستراتيجي وأداةً لتخفيف الضغط عن الداخل.
وقد كان تأثير حرب إيران 2026 بالغًا على نمط العلاقات (التعاون والعداوة) بين وحدات النظام الأوسطي. وبصفة عامة، زاد مستوى علاقات العداوة في المنطقة، وتعددت جبهات الصراع في المنطقة من اليمن جنوبًا إلى سوريا شمالًا، ومن الأراضي الفلسطينية المحتلة غربًا حتى إيران شرقًا. ويتخذ الصراع الإقليمي أبعادًا متعددة تتجاوز الجانب العسكري -وإن كان له الأولوية في المرحلة الحالية- تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والجغرافية والسيبرانية والفضاء المعلوماتي.
كما أفرزت الحرب تحالفات مرنة أو اصطفافات نوعية، مثل ذلك التحالف الدفاعي المرن الذي أنتجه اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا، وإعادة تعريف الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وتبلور شراكة أمنية بين إسرائيل وبعض دول الخليج.
ويلاحظ أن انتشار الصراع الإقليمي، وتبلور تحالفات أو اصطفافات متضادة قد عزز من المعضلة الأمنية في المنطقة.
رابعًا- درجة الاختراق الخارجي
بسبب أهميتها الاستراتيجية والاقتصادية، تُعد منطقة الشرق الأوسط أكثر المناطق في العالم التي تشهد انخراطًا للقوى الكبرى في السياسات الإقليمية. وقد تفضي حرب إيران 2026 إلى مزيد من الاختراق الخارجي للمنطقة؛ حيث أثبتت الحرب أن قضية أمن الطاقة والممرات المائية لم تعد مسألة تتصل بالأمن الاقتصادي لدول المنطقة، وإنما هي من صميم الأمن القومي العالمي؛ ما جعل الدول الكبرى تسعى إلى بناء آليات لحماية الممرات البحرية وتأمين إمدادات الطاقة من المنطقة لتقليل التعرض للصدمات المستقبلية.
وما تزال الولايات المتحدة القوة الخارجية الأكثر تأثيرًا في المنطقة، مع قدرتها على توجيه مسارات المنطقة استنادًا إلى نموذج الهيمنة التقليدي في ظل التوترات الداخلية؛ خشيةَ الاستنزاف العسكري والاقتصادي، فضلًا عن التحولات الدولية المرتبطة بالمنافسة مع الصين وروسيا، اللتين اختلفت حساباتهما في الحرب. فموسكو تنظر إلى الحرب ضمن تنافسها الأوسع مع الغرب، بينما تمنح بكين أولوية لأمن الطاقة والتجارة والاستقرار.
أما أوروبا، فقد كشفت عن حدود قدرتها على العمل المستقل والتأثير في الأزمات الكبرى دوليًّا؛ إذ بدت القارة عاجزة عن الموازنة بين متطلبات الحفاظ على التحالف الأطلسي، ومصالحها الاقتصادية والأمنية المرتبطة باستقرار الخليج وتأمين إمداداتها من الطاقة.
خاتمة
كشفت حرب إيران 2026 حدود الردع والأمن الإقليميين، وأحدثت تغيرات مهمة في موازين القوة وأنماط التفاعل في الشرق الأوسط، ولكنها لم تُنتج نظامًا إقليميًّا جديدًا. ومن الواضح أن الشرق الأوسط يتجه إلى مرحلة تتسم بالسيولة وانعدام اليقين وزيادة أزمات النظام الإقليمي المأزوم أصلًا، ويمضي نحو بيئة إقليمية تستمر فيها المعضلة الأمنية، وتعتمد فيها التحالفات على المصالح الآنية والمتقاطعة؛ الأمر الذي يجعل استقرار المنطقة رهنًا بقدرة دولها على معالجة الهشاشة المؤسسية والاقتصادية التي تشكل جذور الصراع. ولعل ذلك يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى حاجة المنطقة إلى بنية أمنية جديدة تقوم على ردع أقوى، ومرونة أكبر، وأشكال جديدة من التعاون الاستراتيجي، وترتيبات مبتكرة للأمن الإقليمي في المرحلة المقبلة.
وتتجه دول الخليج نحو إعادة تقييم أمنها الإقليمي عبر تنويع الشراكات، والاعتماد على الذات، وتطوير تحالفات مرنة بديلة عن الاصطفافات الحادة، في ظل انكشاف بعض دلالات العجز الأوروبي ومحاولات روسيا والصين تعزيز نفوذهما.
وقد كان للحرب تداعيات سلبية على تدفقات النفط والغاز والتجارة وسلاسل الإمداد الدولية، وأفضت إلى أكبر أزمة للطاقة منذ فترة الكساد العظيم في أواخر عشرينيات وأوائل ثلاثينيات القرن المنصرم. وقد أكدت وكالة الطاقة الدولية أن الحرب تسببت في أكبر انقطاع لإمدادات النفط العالمية في تاريخ سوق النفط؛ بالإضافة إلى ذلك، أدت اضطرابات الملاحة إلى خسارة مؤقتة بنحو 2% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية، ما أسفر عن تقلبات حادة في الأسعار وزيادة الضغط على أسواق الطاقة في آسيا وأوروبا[4].
وفي هذا الإطار، ينبغي لدول الخليج النظر في تنويع طرق تصديرها، والحفاظ على احتياطاتها، وضمان سلامة منشآت الطاقة والموانئ، وزيادة الاستثمارات في الطاقة المتجددة وخطوط الأنابيب البديلة.
[1] نعمة راغب، “موقف المؤسسات التشريعية الأوروبية من الحرب على إيران ودوافعه”، تقرير، مركز ترو للدراسات، 18 نيسان/إبريل 2026، https://truestudies.org/4613/
[2] “Iran Said to Have Preserved Its Missile Factories: Evening Briefing Americas,” Bloomberg, October 9, 2026, https://www.bloomberg.com/news/newsletters/2026-10-09/iran-said-to-have-preserved-its-missile-factories-evening-briefing-americas; Gerry Doyle et al., “Iran Protects Capacity to Build Missiles as Trump Pauses Strikes,” Bloomberg, October 9, 2026, https://www.bloomberg.com/news/articles/2026-10-09/iran-protects-capacity-to-build-missiles-as-trump-pauses-strikes.
[3] Council on Foreign Relations, “Iran’s Support of the Houthis: What to Know,” April 10, 2026؛ Washington Institute for Near East Policy, Hanin Ghaddar, “Hizballah’s Deep State: The Real Challenge of Disarmament in Lebanon,” July 15, 2026.
[4] Jihad Azour et al., “How the War in the Middle East Is Affecting Energy, Trade, and Finance,” IMF Blog, March 30, 2026, https://www.imf.org/en/blogs/articles/2026/03/30/how-the-war-in-the-middle-east-is-affecting-energy-trade-and-finance.