العلاقات الإماراتية-الألمانية.. من الشراكة الاقتصادية إلى التحالف الاستراتيجي في عالم متغيّر

InsightImage

العلاقات الإماراتية-الألمانية.. من الشراكة الاقتصادية إلى التحالف الاستراتيجي في عالم متغيّر

تكتسب زيارة الدولة، التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية، أهميةً استثنائية، فهي الأولى من نوعها منذ تأسيس العلاقات قبل ما يزيد على خمسة عقود، بل تُعدّ من زيارات الدولة القليلة التي تستضيفها ألمانيا، وتُمثّل محطةً بارزة في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين. كما تكتسب أهمية كبيرة نظرًا لتوقيتها في مرحلة تشهد فيها البيئة الدولية والإقليمية تحولات عميقة ومتسارعة. فالزيارة تأتي في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى بناء شراكات أكثر موثوقية، وتنويع مصادر الطاقة والاستثمار والتكنولوجيا، وتعزيز التنسيق السياسي والأمني، بما يجعل العلاقات الإماراتية-الألمانية ذات أهمية تتجاوز إطارها الثنائي إلى أبعاد أوروبية ودولية أوسع.

وتعكس هذه الزيارة المستوى المتقدم الذي بلغته العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية ألمانيا الاتحادية، التي أقيمت علاقاتها الدبلوماسية عام 1972، وتطورت إلى شراكة استراتيجية رسمية عام 2004، قبل أن تتوسع تدريجيًّا لتشمل التجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا المتقدمة والابتكار والأمن والدبلوماسية والتعاون الثقافي. ومن ثم، فإن زيارة صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، إلى ألمانيا تُمثّل فرصة لتعزيز هذا المسار والارتقاء به من شراكة متعددة المجالات إلى تعاون استراتيجي أكثر عمقًا وقدرة على الاستجابة للتحولات التي يشهدها النظام الدولي.

وتَبرُز أهمية الزيارة كذلك كونها تأتي بعد فترة قصيرة من زيارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى أبوظبي في 6 فبراير 2026، حيث شهدت مناقشة عدد من القضايا السياسية والاقتصادية، إلى جانب الإعلان عن سلسلة من مذكرات التفاهم في مجالات الطاقة وتخزين البطاريات والكيماويات والرياضة. وقد عكست تلك الزيارة بوضوح انتقال العلاقات الثنائية من مرحلة التفاهمات السياسية العامة إلى مرحلة أكثر تركيزًا على تحويل التقارب الاستراتيجي إلى مشاريع وشراكات عملية في قطاعات حيوية[1].

ومن هذا المنظور، فإن الزيارة الحالية لصاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، إلى ألمانيا يمكن النظر إليها باعتبارها حلقة جديدة في مسار متصاعد من التقارب الإماراتي-الألماني، وفرصة لإعادة صياغة أولويات الشراكة، بما يتلاءم مع المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية الراهنة. فهي لا تتعلق فقط بتعزيز العلاقات الثنائية، وإنّما تفتح المجال أمام بحث أدوار أوسع للبلدين في قضايا الطاقة والتحول الصناعي والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاستثمار والأمن والاستقرار الإقليمي، فضلًا عن مستقبل العلاقات بين أوروبا ودول الخليج.

1. من العلاقات الدبلوماسية إلى الشراكة الاستراتيجية

أقامت ألمانيا ودولة الإمارات العربية المتحدة علاقات دبلوماسية في 17 مايو 1972. وعلى مدى عقود توسّعت العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين على مطرد، وتُوّج هذا التطور بإقامة شراكة استراتيجية رسمية في إبريل 2004.

واكتسبت العلاقات لاحقًا بُعدًا مهمًّا في مجال الطاقة؛ فقد أقام البلدان شراكة في مجال الطاقة عام 2017، وتم توسيع نطاقها لتصبح شراكة في مجال الطاقة والمناخ في نوفمبر 2021، بما يعكس الأهمية المتزايدة للطاقة المتجدّدة والهيدروجين، وسياسات المناخ، والتحول في قطاع الطاقة[2].

ويوضح هذا التطور سمة مهمّة في العلاقات بين البلدين، تتمثّل في قدرة هذه العلاقات على التكيّف المستمر مع الظروف الاقتصادية والجيوسياسية المتغيرة.

ففي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تطورت العلاقات الثنائية بشكل كبير في سياق تزايد الانخراط الاقتصادي الأوروبي مع دول الخليج. وفي العقود اللاحقة، ازدادت أهمية الصادرات الصناعية والاستثمارات الألمانية. ومؤخرًا، توسّع التعاون ليشمل الطاقة المتجدّدة، والهيدروجين، والتكنولوجيا المتقدّمة، والاستثمار، والحوار الجيوسياسي.

وبالتالي، لم يَعُد من الممكن وصف هذه العلاقات على نحو كافٍ بأنها مجرد شراكة أوروبية-خليجية تقليدية، بل تطورت إلى علاقة بين اقتصادين يتمتعان بنقاط قوة متكاملة، ومصالح استراتيجية متداخلة بصورة متزايدة.

2. العلاقات الاقتصادية.. أساس الشراكة

لاتزال العلاقات الاقتصادية تشكّل أساسًا رئيسيًّا للعلاقات الإماراتية-الألمانية. وتُصنِّف وزارة الخارجية الألمانية دولةَ الإمارات العربية المتحدة باعتبارها أهم شريك اقتصادي لألمانيا في المنطقة. ففي عام 2025، تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 6.2 مليارات يورو خلال النصف الأول من العام وحده، بينما ارتفعت الواردات الألمانية من الإمارات بنسبة 50%[3]. وتكتسب هذه الأرقام أهمية بالغة؛ لأنها تُظهِر أن العلاقة الاقتصادية لا تقتصر على التجارة الحكومية أو التبادل التجاري التقليدي، وإنّما تطورت لتشمل منظومة واسعة من شركات القطاع الخاص والاستثمارات المتبادلة.

وتستفيد الشركات الألمانية من البنية التحتية المتطورة في دولة الإمارات، وشبكاتها اللوجستية، وبيئتها الاستثمارية، وشبكة اتصالاتها، وسهولة الوصول منها إلى الأسواق الإقليمية. وفي المقابل، تستفيد دولة الإمارات من الخبرات الصناعية الألمانية، والهندسة المتقدّمة، والتكنولوجيا، والقدرات التصنيعية، والخدمات العالية القيمة.

وبالتالي، تعتمد العلاقات الاقتصادية بين البلدين على نحو متزايد على التكامل بين نقاط القوة لدى كلٍّ منهما.

فألمانيا تمتلك واحدة من أقوى القواعد الصناعية والتكنولوجية في العالم، بينما تطورت دولة الإمارات لتصبح منصة عالمية لرأس المال والخدمات اللوجستية والطاقة والابتكار والأعمال الدولية؛ وهذا يخلق صيغة جذّابة ومتنامية تقوم على الجمع بين التكنولوجيا الألمانية والخبرة الصناعية من جهة ورأس المال الإماراتي والبنية التحتية والاتصال العالمي من جهة أخرى.

3. دولة الإمارات العربية المتحدة منصةً للشركات الألمانية

من بين الأبعاد الأقل تناولًا في العلاقات الإماراتية-الألمانية، رغم أهميتها الاستراتيجية، الدورُ المتنامي لدولة الإمارات بوصفها منصة للشركات الألمانية التي تسعى إلى التوسّع في الأسواق الدولية. فالشركات الألمانية العاملة في دولة الإمارات لا تقتصر أنشطتها على خدمة السوق المحلي، بل تتيح لها الدولة الوصول إلى أسواق أوسع في الخليج والشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا. وتشير وزارة الخارجية الألمانية إلى أن العديد من الشركات الألمانية، التي يبلغ عددها نحو 2000 شركة في الإمارات، تستخدم الدولة قاعدةً لتوسيع نطاق أعمالها وخدماتها إلى أسواق إقليمية أوسع؛ وهذا يجعل دولة الإمارات ذات قيمة متزايدة للشركات الألمانية، ليس فقط باعتبارها سوقًا للصادرات، وإنّما بوصفها قاعدةً تشغيلية إقليمية أيضًا.

وتتمتع الشركات الألمانية بمكانة قوية، على نحو خاص، في القطاعات التي تتقاطع مع الأولويات الاقتصادية لدولة الإمارات، بما في ذلك الهندسة والاستشارات التقنية، والمعدات الصناعية، والتصنيع، والسيارات والآلات، وتكنولوجيا المعلومات والبرمجيات، والضيافة، والخدمات الصناعية المتقدّمة.

كما تعزز بيئة الأعمال في دولة الإمارات، وترابطها الدولي، وبنيتها التحتية المالية، وإطارها المنفتح أمام الاستثمار الأجنبي، هذا الدور، وتدعم قدرة الشركات الألمانية على اتخاذ الدولة مركزًا إقليميًّا لعملياتها.

وتكتسب هذه التطورات أهمية استراتيجية؛ إذ ينبغي ألا تُقاس العلاقات الاقتصادية بين البلدين فقط بحجم التجارة الثنائية، وإنّما بمدى تحول دولة الإمارات إلى منصة إقليمية للشركات الألمانية أيضًا، وفي المقابل، تَحوُّل ألمانيا إلى وجهة رئيسية للاستثمارات ورؤوس الأموال الإماراتية. ويُمثّل هذا المسار شكلًا أكثر تطورًا وعمقًا من أشكال التكامل الاقتصادي بين البلدين.

4. الاستثمار.. من التجارة إلى التدفقات الثنائية لرأس المال

لا شكّ أن الاستثمار سيكون أحد أهم مجالات المرحلة المقبلة من العلاقات الثنائية. وتسعى ألمانيا إلى زيادة الاستثمارات بهدف تعزيز قاعدتها الصناعية، وتحديث بنيتها التحتية، وتسريع التحول الرقمي، ودعم التحول في مجال الطاقة، وتعزيز قدرتها التنافسية الاقتصادية.

وفي المقابل، تمتلك دولة الإمارات العربية المتحدة قدرة استثمارية كبيرة، ورؤية استثمارية وطويلة الأجل، وقد أبدت اهتمامًا متزايدًا بالاستثمار الاستراتيجي في الاقتصادات المتقدّمة، والقطاعات ذات القيمة المضافة العالية.

وخلال زيارة المستشار فريدريش ميرتس إلى دولة الإمارات، في فبراير 2026، أكدت الحكومة الألمانية بوضوح أهمية زيادة الاستثمارات الإماراتية في ألمانيا، وتعزيز الاستثمارات الألمانية في منطقة الخليج. ووصف ميرتس إمكانات الاستثمار بين الجانبين بأنها كبيرة، مشدِّدًا على أهمية المصداقية في العلاقات الثنائية[4].

وتشمل المجالات المحتملة لهذا التعاون الذكاءَ الاصطناعي، والبنية التحتية للبيانات، والطاقة المتجدّدة، وتخزين البطاريات، والتصنيع المتقدّم، والصناعات الكيميائية، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا الصناعية، والبنية التحتية.

ومن ثم، لم يَعُد الأمر يقتصر على حجم صادرات ألمانيا إلى دولة الإمارات أو حجم واردات الإمارات من ألمانيا، وإنّما بات السؤال الأهم هو كيفية بناء منظومات اقتصادية مشتركة قادرة على توليد قيمة مضافة واستثمارات مستدامة في كلا البلدين.

5.  زيارة 6 فبراير 2026: نقطة تحوُّل في العلاقة

قدّمت زيارة المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، إلى أبوظبي، في 6 فبراير 2026، أحدَ أوضح الأمثلة الحديثة على التحول الذي تشهده العلاقات الإماراتية-الألمانية. وخلال لقائه صاحبَ السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بحث الجانبان سبل تعزيز التعاون الثنائي، بما يخدم المصالح المشتركة وأولويات التنمية في البلدين. وسُلّط الضوء على مجالات الطاقة والابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة؛ باعتبارها مجالات ذات أهمية خاصّة للتعاون. كما ناقش الجانبان عددًا من القضايا الإقليمية والدولية، مؤكدَين أهمية تسوية النزاعات من خلال الحوار والوسائل الدبلوماسية.

غير أن الأهمية الأبرز للزيارة تَمثّلت في الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي شهدها الجانبان، التي شملت:[5]

  • مذكرة تفاهم بين «أدنوك» وشركةRWE ؛ للتعاون عبر سلسلة قيمة الغاز والغاز الطبيعي المسال.
  • مذكرة تفاهم بين «مصدر» وشركة RWE ؛ بشأن أنظمة تخزين الطاقة باستخدام البطاريات.
  • مذكرة تفاهم بين شركات TA’ZIZ وFertiglobe  وCovestro؛ بشأن التعاون في قطاع الكيماويات.
  • مذكرة تفاهم بين دوري المحترفين الإماراتي والدوري الألماني لكرة القدم (البوندسليغا) من خلال “البوندسليغا الدولية”.

وتُظهِر هذه الاتفاقيات أن العلاقات الثنائية تنتقل تدريجيًّا من مستوى التصريحات والتفاهمات السياسية العامة إلى التعاون القطاعي الواسع والمشروعات العملية.

وتكتسب مذكرة التفاهم بين «مصدر» و«RWE» أهميةً خاصة؛ نظرًا إلى تركيزها على مشاريع تخزين الطاقة بالبطاريات في ألمانيا وأوروبا، بما يربط بصورة مباشرة بين الاستثمارات الإماراتية في الطاقة النظيفة ومسار تحول الطاقة في أوروبا.

ويُمثّل ذلك مثالًا واضحًا على الطبيعة المتغيرة للعلاقات بين البلدين؛ فدولة الإمارات لا تقتصر على دورها كمورّد للطاقة إلى ألمانيا، وإنما تشارك بصورة متزايدة في تطوير البنية التحتية المرتبطة بالطاقة المستقبلية في ألمانيا وأوروبا.

6. الطاقة: من الهيدروكربونات إلى التحول في مجال الطاقة

لاتزال الطاقة إحدى الركائز الأساسية للعلاقات الإماراتية الألمانية، إلا أن طبيعة التعاون في هذا المجال تشهد تحولًا متسارعًا.

فقد ارتبطت العلاقات الأوروبية مع دول الخليج تاريخيًّا بالنفط والغاز، بينما أصبحت اليوم تشمل بصورة متزايدة أمن الطاقة التقليدي، والطاقة المتجدّدة، والهيدروجين، وتخزين الطاقة، وتقنيات خفض الانبعاثات والمناخ.

وقد أدى التحول في منظومة الطاقة الألمانية إلى خلق حاجة هيكلية إلى بناء شراكات طاقة متنوعة وموثوقٍ بها. كما عززت الحرب في أوكرانيا هذه الحاجة، من خلال إظهار المخاطر الاستراتيجية المرتبطة بالاعتماد المفرط على عدد محدود من مزوّدي الطاقة.

وفي المقابل، تسعى دولة الإمارات العربية المتحدة إلى ترسيخ مكانتها بوصفها منتجًا رئيسيًّا للطاقة، وقائدًا عالميًّا في مجال الطاقة المتجدّدة والتقنيات منخفضة الكربون في الوقت ذاته.

ومن ثم، يمتلك البلدان مصالح متكاملة في قطاع الطاقة.

وتجسّد اتفاقيات فبراير 2026 هذا النهج المزدوج؛ إذ يتناول التعاون بين «أدنوك» وشركةRWE  للغاز والغاز الطبيعي المسال، في حين تستكشف «مصدر» وRWE تطوير أنظمة لتخزين الطاقة بالبطاريات يمكن أن تدعم تحوّل قطاع الطاقة في ألمانيا وأوروبا[6].

وتكتسب هذه المقاربة أهمية استراتيجية؛ لأنها تُظهِر أن التعاون الإماراتي-الألماني في مجال الطاقة لا يقوم على المفاضلة بين الوقود الأحفوري والطاقة المتجددة، وإنما يعكس نهجًا عمليًا يتعامل مع أمن الطاقة في الحاضر وتحول الطاقة في المستقبل باعتبارهما هدفين مترابطين ومتكاملين.

7. التكنولوجيا والابتكار: الأفق الجديد

تُمثّل التكنولوجيا والابتكار أحد أبرز الأبعاد الجديدة في العلاقات الإماراتية-الألمانية، في ظل تنامي أهمية التقنيات المتقدّمة في الاستراتيجيات الاقتصادية للبلدين.

فقد جعلت دولة الإمارات العربية المتحدة الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية والتكنولوجيا المتقدّمة والابتكار عناصر أساسية في استراتيجيتها للتحول الاقتصادي، وتعزيز تنافسيتها العالمية. وفي المقابل، تمتلك ألمانيا قدرات رائدة عالميًّا في مجالات الأتمتة الصناعية، والهندسة، والتصنيع، والبحث العلمي، والذكاء الاصطناعي، والآلات المتقدّمة، والتكنولوجيا الصناعية.

ويوفر التقاء هذه القدرات فرصًا واسعة لتطوير مجالات جديدة للتعاون، ولاسيّما في الذكاء الاصطناعي، والتصنيع المتقدّم، وتقنيات الثورة الصناعية الرابعة، ومراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية، والروبوتات والأتمتة، والأمن السيبراني، والتقنيات المرتبطة بأشباه الموصلات، والتنقل الذكي، وتقنيات الطاقة، وإزالة الكربون من القطاع الصناعي.

ولا ينبغي أن يقتصر هذا التعاون على نقل التكنولوجيا أو تبادل الخبرات، بل يمكن أن يتطور نحو إنشاء مشروعات ومراكز بحث وتطوير وشراكات استثمارية مشتركة في التقنيات المستقبلية، بما يعزز القيمة المضافة لدى الجانبين.

ومن ثم، يتمثّل الهدف الاستراتيجي الأوسع في الانتقال من نموذج العلاقة القائم على البائع والمشتري إلى نموذج يقوم على التطوير المشترك، والاستثمار المشترك، وبناء منظومات ابتكار متكاملة في مجالات التكنولوجيا المستقبلية.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة بالنسبة إلى ألمانيا، في ظل سعيها إلى تعزيز قدرتها التنافسية الصناعية ومواكبة التحولات التكنولوجية العالمية، كما تكتسب أهمية مماثلة لدولة الإمارات العربية المتحدة في إطار جهودها لترسيخ مكانتها مركزًا عالميًّا للتكنولوجيا والابتكار.

8. الأمن الاقتصادي والأهمية الاستراتيجية الجديدة للخليج

من أبرز التحولات التي تشهدها العلاقات الإماراتية-الألمانية تنامي الترابط بين الأبعاد الاقتصادية والأمنية، في ظل اتساع نطاق المخاطر التي لم تعد تفصل بصورة واضحة بين الاستقرار الاقتصادي والأمن الجيوسياسي. فقد أصبحت قضايا الطاقة، والأمن البحري، وطرق التجارة، وسلاسل التوريد، والاستقرار المالي عناصر مترابطة ضمن منظومة واحدة، بحيث يمكن لأي اضطراب في أحدها أن يمتد تأثيره إلى بقية المكونات.

ويعكس هذا التطور إدراكًا متزايدًا لدى دولة الإمارات العربية المتحدة وألمانيا بأن حماية المصالح الاقتصادية لم تَعُد منفصلة عن متطلبات الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي. فاستمرارية تدفقات الطاقة، وأمن الممرات البحرية، وانسيابية حركة التجارة، ومرونة سلاسل الإمداد، أصبحت جميعها جزءًا من مفهوم أوسع للأمن الاقتصادي، يتجاوز الحدود الوطنية ويرتبط بصورة مباشرة بقدرة الدول على مواجهة الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية المتزامنة.

وبرز هذا البعد بصورة واضحة خلال المباحثات التي أجراها سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية، مع مسؤولين ألمان، من بينهم نائب المستشار، وزير المالية، لارس كلينغبايل، في مايو الماضي[7]. فقد تناولت المباحثات سبل تعزيز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين في المجالات الاقتصادية والمالية والاستثمارية، إلى جانب بحث التطورات الإقليمية وتداعيات الهجمات الإيرانية على دولة الإمارات العربية المتحدة، وانعكاساتها على الأمن البحري الدولي، وإمدادات الطاقة، والاستقرار الاقتصادي العالمي.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة من منظور ألمانيا، التي بات أمن الخليج بالنسبة إليها يتجاوز كونه قضية إقليمية محدودة التأثير. فأي اضطراب طويل الأمد في الممرات البحرية الحيوية يمكن أن ينعكس على تدفقات الطاقة والتجارة الدولية، ويرفع تكاليف النقل والتأمين، ويؤثر في انتظام سلاسل التوريد، بما قد يمتد أثره إلى قطاعات التصنيع والصناعة في أوروبا. ومن هذا المنظور، يرتبط استقرار الخليج بصورة متزايدة بقدرة الاقتصادَين الألماني والأوروبي على الحفاظ على انسيابية التجارة، والوصول إلى مصادر الطاقة والأسواق العالمية.

أما بالنسبة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، فإن الأمن البحري يُمثّل عنصرًا أساسيًّا في مكانتها الاقتصادية ودورها بوصفها مركزًا عالميًّا للتجارة والخدمات اللوجستية وإعادة التصدير. فاستقرار طرق الملاحة لا يرتبط فقط بأمن الموانئ وحركة السفن، وإنما يؤثر بصورة مباشرة في قدرة الدولة على أداء وظائفها كمحور يربط بين الأسواق الآسيوية والأوروبية والأفريقية والشرق أوسطية. ولذلك، فإن أي تهديد للممرات البحرية يفرض تداعيات تتجاوز الجانب الأمني المباشر لتطال حركة التجارة والاستثمار وثقة الأسواق واستمرارية الأنشطة الاقتصادية.

وتكشف هذه المعطيات عن تحول مهم في طبيعة المصالح المشتركة بين البلدين؛ إذ لم يَعُد الأمن الاقتصادي ملفًّا منفصلًا عن العلاقات التجارية والاستثمارية، وإنما أصبح أحد الجسور الرئيسية التي تربط المصالح الاستراتيجية الألمانية بالمصالح الإماراتية. فأمن الطاقة بالنسبة إلى ألمانيا، وأمن التجارة والممرات البحرية بالنسبة إلى الإمارات، يلتقيان في حاجة مشتركة إلى بيئة إقليمية مستقرة وممرات تجارية آمنة وسلاسل توريد أكثر مرونة.

ومن هنا، يكتسب الخليج أهمية استراتيجية متزايدة في الحسابات الألمانية، ليس فقط بوصفه مصدرًا للطاقة أو سوقًا تجاريًّا مهمًّا، وإنما باعتباره جزءًا من البنية الأوسع للأمن الاقتصادي الأوروبي. وفي المقابل، يوفر هذا التقاطع فرصة لتطوير العلاقات الإماراتية-الألمانية من شراكة اقتصادية واستثمارية إلى شراكة أكثر شمولًا، تجمع بين المصالح التجارية ومتطلبات أمن الطاقة والأمن البحري والمرونة الاقتصادية.

9. الدبلوماسية والاستقرار الإقليمي

تكتسب العلاقات الإماراتية-الألمانية أهمية متزايدة في سياق الجهود الدبلوماسية الرامية إلى التعامل مع الأزمات الإقليمية وتعزيز الاستقرار في منطقة تشهد تحولات متسارعة. فالتقارب بين البلدين لم يَعُد يقتصر على الملفات الاقتصادية والاستثمارية والأمنية، وإنما بات يشمل أيضًا القضايا الإقليمية والدولية التي تتقاطع فيها مصالحهما، وتؤثر بصورة مباشرة في أمن أوروبا والخليج واستقرارهما.

وخلال زيارة المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، إلى أبوظبي، في فبراير 2026، بحث مع صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، عددًا من القضايا الإقليمية والدولية، من بينها إيران والسودان واليمن، إلى جانب التطورات في البيئة الدولية بصورة عامة. وأكدت هذه المباحثات اتساع نطاق الحوار السياسي بين البلدين، كما عكست تنامي الاهتمام الألماني بالدور الذي تؤديه دولة الإمارات العربية المتحدة في التعامل مع الأزمات الإقليمية وقدرتها على التواصل مع طيف واسع من الأطراف والجهات الفاعلة.

وتنبع أهمية هذا الدور من طبيعة الحضور الدبلوماسي لدولة الإمارات العربية المتحدة، الذي يقوم على شبكة واسعة ومتنوعة من العلاقات والشراكات مع القوى الإقليمية والدولية. وقد مكّن هذا النهج الدولة من الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع أطراف متعددة، بما يتيح لها الإسهام في جهود الوساطة والتهدئة والحوار في عدد من الملفات الإقليمية المعقدة.

وفي المقابل، تمتلك ألمانيا أدوات تأثير مختلفة، بحكم موقعها كقوة أوروبية رئيسية وعضو محوري في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، فضلًا عن ثقلها الاقتصادي والسياسي داخل أوروبا. ويمنح هذا الموقع برلين قدرة على التأثير في صياغة المواقف والسياسات الأوروبية تجاه القضايا الإقليمية، وعلى نقل بعض الأولويات الخليجية إلى دوائر صنع القرار الأوروبية.

وتختلف المقاربتان الإماراتية والألمانية في التعامل مع السياسة الدولية من حيث الأدوات والأطر المؤسسية؛ فألمانيا تتحرك بدرجة كبيرة من خلال المؤسسات الأوروبية والأطلسية، بينما تعتمد دولة الإمارات العربية المتحدة على شبكة أكثر مرونة وتنوعًا من الشراكات والعلاقات الثنائية التي تمتد إلى الولايات المتحدة وأوروبا والصين والهند واليابان وروسيا، وغيرها من القوى الدولية.

غير أن هذا الاختلاف لا يُمثّل بالضرورة مصدر تباعد، بل يشكّل عنصر تكامل بين البلدين. فألمانيا تستطيع الاستفادة من شبكة العلاقات الإقليمية والدولية التي تمتلكها دولة الإمارات العربية المتحدة، ومن قدرتها على التواصل مع أطراف يصعب أحيانًا الوصول إليها عبر القنوات الأوروبية التقليدية. وفي المقابل، تستطيع دولة الإمارات الاستفادة من الوزن السياسي والاقتصادي لألمانيا داخل الاتحاد الأوروبي، ومن قدرتها على التأثير في صياغة المواقف الأوروبية تجاه قضايا الخليج والشرق الأوسط.

ويمنح هذا التكامل العلاقات الثنائية إمكانية التحول إلى منصة للحوار والتنسيق بين أوروبا والخليج، ولاسيّما في القضايا التي تتطلب قدرًا من التفاهم بين المواقف الأوروبية والخليجية. كما يمكن أن يسهم في بناء مقاربات أكثر تنسيقًا تجاه ملفات الأمن الإقليمي، وأمن الطاقة، والتجارة، والأزمات الإنسانية، ومكافحة الإرهاب، وتسوية النزاعات بالوسائل الدبلوماسية.

ومن هذا المنظور، لا تقتصر القيمة الاستراتيجية للعلاقات الإماراتية-الألمانية على المصالح المباشرة للبلدين، وإنما تمتد إلى قدرتهما على أداء دور أوسع في ربط المصالح الأوروبية بالخليج، وتطوير قنوات للحوار والتنسيق في بيئة دولية تتسم بتزايد الاستقطاب وتعدُّد مراكز القوة. وتمنح هذه الوظيفة للعلاقات الثنائية بعدًا دبلوماسيًّا يتجاوز الإطار التقليدي للعلاقات بين دولتين، نحو شراكة يمكن أن تؤدي دورًا في دعم الاستقرار الإقليمي، وتعزيز التفاهم بين أوروبا ودول الخليج.

10. الموثوقية الاستراتيجية: أولوية ألمانية متزايدة

تدفع التحولات في البيئة الجيوسياسية الدولية ألمانيا إلى إعادة النظر في طبيعة شراكاتها الخارجية وأولوياتها الاستراتيجية. فتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وتزايد حالة عدم اليقين بشأن مستقبل النظام الدولي، والاضطرابات المتلاحقة في سلاسل الإمداد والطاقة والأمن، كلّها عوامل تعزز الحاجة الألمانية إلى بناء شبكة أوسع من الشراكات التي تتسم بالاستقرار والموثوقية، والقدرة على الصمود أمام الأزمات.

وفي هذا السياق، أكد المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، في مناسبات متعدّدة، أهمية بناء شراكات ثنائية موثوقٍ بها، ولاسيّما في ظل التحولات التي يشهدها النظام الدولي، وتزايد تأثير القوى الكبرى في تحديد اتجاهاته. وخلال زيارته إلى منطقة الخليج، برز هذا التوجّه من خلال تأكيد أهمية الشراكات الاستراتيجية وضرورة تطوير علاقات طويلة الأمد تقوم على الثقة والمصالح المتبادلة، بما يعزز قدرة ألمانيا على التعامل مع بيئة دولية أكثر تعقيدًا، وأقل قابلية للتنبؤ.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في العلاقة مع دولة الإمارات العربية المتحدة، بالنظر إلى طبيعة السياسة الخارجية الإماراتية القائمة على تنويع الشراكات، وعدم الارتهان إلى قوة دولية واحدة. فقد حافظت دولة الإمارات العربية المتحدة على علاقات أمنية وثيقة مع الولايات المتحدة، بالتوازي مع تطوير علاقات اقتصادية واستثمارية وتكنولوجية متنامية مع الصين والهند وأوروبا واليابان، وغيرها من القوى الدولية.

ويتيح هذا النهج المتعدد لدولة الإمارات العربية المتحدة بناء شبكة واسعة من العلاقات تُمكّنها من تنويع خياراتها الاستراتيجية، وتعزيز قدرتها على التعامل مع التحولات في موازين القوى الدولية. وفي هذا الإطار، تستطيع ألمانيا أن تندمج بصورة طبيعية في هذه المنظومة المتنوعة، بوصفها قوة أوروبية رئيسية تمتلك قدرات اقتصادية وصناعية وتكنولوجية متقدّمة، إلى جانب ثقل سياسي ومؤسسي داخل الاتحاد الأوروبي.

وبالنسبة إلى ألمانيا، فإن توثيق العلاقات مع دولة الإمارات العربية المتحدة يوفر فرصة لتعزيز شراكتها مع دولة خليجية تتمتع باستقرار اقتصادي وسياسي، وحضور مؤثر في أسواق الطاقة والاستثمار والتجارة، وشبكة واسعة من العلاقات الدولية. كما يمنحها ذلك إمكانية توسيع حضورها الاقتصادي والاستراتيجي في منطقة الخليج، والوصول بصورة أكثر فاعلية إلى أسواق ومجالات تعاون تتجاوز الإطار الأوروبي.

وبهذا المعنى، يمكن للعلاقات الإماراتية-الألمانية أن تسهم في تعزيز المرونة الاستراتيجية لدى البلدين، من خلال تنويع الخيارات، وتقليل مخاطر الاعتماد المفرط على شريك واحد، وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي، والتكنولوجي، والأمني، والدبلوماسي. وتتحول الموثوقية، في هذا السياق، من مجرد قيمة سياسية إلى عنصر عملي في بناء شراكة قادرة على الاستمرار، والتكيف مع التحولات المتسارعة في النظام الدولي.

11. نحو إطار تجاري أوسع

يُمثّل تعميق التعاون في مجال السياسة التجارية الخارجية أحد المسارات التي يمكن أن تضيف بُعدًا جديدًا إلى العلاقات الاقتصادية الإماراتية-الألمانية، ولاسيّما في ظل تنامي الاهتمام بتنويع الشراكات التجارية والاستثمارية وتقليل العوائق أمام حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال.

وخلال زيارته إلى دولة الإمارات العربية المتحدة في فبراير 2026، أبدى المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، استعداد ألمانيا لتعزيز التعاون بصورة أوثق في مجال السياسة التجارية الخارجية، بما في ذلك بحث إمكانية التوصل إلى اتفاقية تجارة حرة مع دولة الإمارات العربية المتحدة. وتُمثّل هذه الإشارة السياسية تطورًا لافتًا؛ لأنها تضع العلاقات التجارية الثنائية ضمن إطار أكثر طموحًا يتجاوز التبادل التجاري القائم إلى بحث آليات أوسع لتعزيز الانفتاح الاقتصادي والتكامل بين الأسواق.

ومع ذلك، فإن أي اتفاق من هذا النوع ينبغي النظر إليه في إطار السياسة التجارية للاتحاد الأوروبي، باعتبار أن السياسة التجارية الخارجية تقع بصورة أساسية ضمن اختصاص الاتحاد. ومن ثم، فإن المضيّ نحو اتفاقية تجارة حرة مع دولة الإمارات العربية المتحدة سيتطلّب التعامل معها ضمن الأطر والمؤسسات الأوروبية ذات الصلة، وليس باعتبارها اتفاقًا ثنائيًّا ألمانيًّا إماراتيًّا فحسب.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الدلالة السياسية لهذه الإشارة تظل مهمة؛ فهي تعكس تنامي النظرة الألمانية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة باعتبارها سوقًا ذا أهمية استراتيجية، وشريكًا اقتصاديًّا قادرًا على أداء دور يتجاوز حجم السوق المحلية إلى توفير بوابة أوسع نحو أسواق الخليج والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا. كما تعكس اهتمامًا ألمانيًّا بإزالة أو تقليل الحواجز التي يمكن أن تحدّ من تدفقات التجارة والاستثمار بين الجانبين.

وبالنسبة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، فإن توسيع نطاق الوصول إلى السوق الأوروبي يمكن أن يعزز مكانتها بوصفها مركزًا عالميًّا للتجارة والاستثمار وإعادة التصدير، ويمنح الشركات الإماراتية فرصًا أكبر للنفاذ إلى واحدة من أكبر الأسواق الاقتصادية في العالم. كما يمكن أن يدعم ذلك استراتيجية الدولة القائمة على تنويع الشراكات التجارية، وتوسيع شبكاتها الاقتصادية الدولية.

أما بالنسبة إلى ألمانيا، فإن تعزيز الانفتاح التجاري مع دولة الإمارات العربية المتحدة يمكن أن يوفر فرصًا إضافية للشركات الألمانية في مجالات الصادرات الصناعية والخدمات والتكنولوجيا والهندسة والاستثمار والبنية التحتية، فضلًا عن إمكانية الاستفادة من دولة الإمارات باعتبارها منصة للوصول إلى أسواق إقليمية أوسع.

ولا تقتصر أهمية هذا المسار على خفض الرسوم الجمركية أو زيادة حجم التجارة، وإنما يمكن أن تمتد إلى وضع قواعد أكثر وضوحًا واستقرارًا للاستثمار، وتعزيز التعاون في الخدمات والتكنولوجيا، وتسهيل حركة الشركات وسلاسل الإمداد، وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للمشروعات المشتركة. ومن شأن ذلك أن ينقل العلاقات الاقتصادية بين البلدين من مستوى التبادل التجاري إلى مستوى أعمق من التكامل الاقتصادي المؤسسي.

وبذلك، فإن احتمال قيام إطار تجاري أوسع يُمثّل أحد المسارات الواعدة في تطور العلاقات الإماراتية- الألمانية، ليس فقط لما يمكن أن يحققه من مكاسب تجارية مباشرة، وإنما لما قد يرسخه من اندماج أكبر بين الاقتصاد الإماراتي والمنظومة الاقتصادية الأوروبية، ويعزز في الوقت نفسه موقع دولة الإمارات كشريك تجاري واستثماري رئيسي لألمانيا وأوروبا.

12. العلاقات الثقافية والتعليمية والشعبية

تستند قوة العلاقات الإماراتية-الألمانية أيضًا إلى شبكة واسعة ومتنامية من الروابط التعليمية والثقافية والأكاديمية، التي أسهمت على مدى سنوات في تعزيز التواصل بين المجتمعين وترسيخ أسس التفاهم المتبادل.

وتدير برلين مدارس ألمانية معترفًا بها في كلٍّ من أبوظبي ودبي والشارقة، كما يحتفظ معهد غوته بمكتب إقليمي في أبوظبي منذ عام 2006، وبمركز للغات في دبي منذ عام 2007. وإلى جانب ذلك، توجد نحو 20 مبادرة ومشروع تعاون تشمل جامعات ومؤسسات أكاديمية في البلدين، بما يعكس اتساع نطاق التبادل العلمي والتعليمي بين الجانبين[8].

كما كانت ألمانيا ضيف شرف في معرض أبوظبي الدولي للكتاب عام 2021، وهو ما يعكس أهمية الدبلوماسية الثقافية بوصفها أحد المسارات التي تدعم العلاقات الثنائية، وتعزز التواصل بين الشعوب، إلى جانب أبعادها السياسية والاقتصادية.

وتكتسب هذه الشبكات أهمية خاصة باعتبارها أحد أشكال القوة الناعمة في العلاقات بين البلدين. فالتعاون الثقافي والتعليمي والأكاديمي لا يقتصر أثره على الفعاليات والمبادرات القصيرة الأجل، وإنما يسهم في بناء روابط مؤسسية ومجتمعية أكثر استدامة، من خلال تبادل المعرفة والخبرات، وتوسيع فرص التواصل بين الباحثين والطلاب والأكاديميين والمهنيين.

وقد تتغير الظروف السياسية والاقتصادية وتتبدل أولوياتها، إلا أن الروابط التي تنشأ عبر التعليم والثقافة والبحث العلمي يمكن أن توفر قاعدة أكثر استقرارًا واستمرارية للعلاقات الثنائية، لأنها تخلق صلات مباشرة بين المؤسسات والمجتمعات، وتتجاوز الأطر الحكومية الرسمية.

ومن هذا المنطلق، يمكن أن يشكّل توسيع التعاون في مجالات البحث العلمي، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، والدراسات الأمنية، والتعليم العالي، ركيزة إضافية للشراكة الإماراتية-الألمانية. كما أن تعزيز برامج التبادل الأكاديمي والبحثي، وتطوير المشروعات المشتركة بين الجامعات ومراكز البحوث، يمكن أن يدعم بناء جيل جديد من الروابط المهنية والمعرفية التي تعزز عمق العلاقات بين البلدين على المدى الطويل.

13. لماذا تُعدّ هذه العلاقة مهمّة لأوروبا؟

لا ينبغي النظر إلى العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة وألمانيا من منظور ثنائي ضيّق؛ إذ تتجاوز أهميتها مصالح البلدين المباشرة لتنعكس على طبيعة العلاقات الأوروبية-الخليجية وآفاق تطورها. فالعلاقات الإماراتية-الألمانية تتقاطع مع عدد من الملفات التي تحظى بأهمية متزايدة بالنسبة إلى أوروبا، وفي مقدّمتها أمن الطاقة، والاستثمار، والتجارة، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والاستقرار الإقليمي.

وتُعَدّ ألمانيا أكبر اقتصاد في أوروبا، وتُمثّل إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد والصناعة الأوروبية، في حين تُعدّ دولة الإمارات العربية المتحدة من أكثر اقتصادات الخليج انفتاحًا وارتباطًا بشبكات التجارة والاستثمار العالمية. ومن ثم، فإن تعزيز الشراكة بين البلدين لا يقتصر أثره على تطوير العلاقات الثنائية، وإنما يمكن أن يسهم في توسيع وتعميق الروابط الاقتصادية والاستراتيجية بين أوروبا ودول الخليج.

وبالنسبة إلى أوروبا، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة تُمثّل شريكًا مهمًّا في عدد من المجالات الحيوية، بما في ذلك أمن الطاقة وشراكات الطاقة المستقبلية، وتوفير رأس المال والاستثمارات، والوصول إلى أسواق الخليج، والخدمات اللوجستية والربط البحري، فضلًا عن توفير منصة للتفاعل مع أسواق الشرق الأوسط وآسيا الأوسع نطاقًا. كما تكتسب الإمارات أهمية متزايدة بوصفها شريكًا في الدبلوماسية الإقليمية، بالنظر إلى شبكة علاقاتها الواسعة، وقدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف والجهات الفاعلة.

وفي المقابل، توفر ألمانيا لدولة الإمارات العربية المتحدة مجموعة من المقومات الاستراتيجية المهمّة، في مقدّمتها التكنولوجيا الصناعية المتقدّمة، والخبرة الهندسية والتصنيعية، والقدرات البحثية والابتكارية، والوصول إلى السوق الأوروبي، فضلًا عن وزنها السياسي والاقتصادي داخل الاتحاد الأوروبي. كما تُمثّل ألمانيا مصدرًا مهمًّا للاستثمارات والشراكات ذات القيمة العالية، ولاسيّما في القطاعات التي تتقاطع مع أولويات التنويع الاقتصادي والتكنولوجي في دولة الإمارات.

ويكشف هذا التكامل عن طبيعة المصالح المتبادلة بين الجانبين؛ فالإمارات توفر لألمانيا وأوروبا رأس المال، والطاقة، والاتصال بالأسواق العالمية، والبنية التحتية اللوجستية، وشبكات العلاقات الإقليمية، بينما توفر ألمانيا لدولة الإمارات التكنولوجيا الصناعية، والخبرة المتقدّمة، والقدرات البحثية، والوصول إلى المنظومة الاقتصادية الأوروبية.

وعليه، تمتلك العلاقات الإماراتية-الألمانية مقومات تؤهلها للعمل بوصفها جسرًا بين القدرات الصناعية والتكنولوجية الأوروبية من جهة، ورأس المال والطاقة وشبكات التجارة والاتصال العالمي في منطقة الخليج من جهة أخرى. وتزداد أهمية هذا الدور في ظل حاجة أوروبا إلى تنويع مصادر الطاقة والاستثمار والشراكات، وحاجة دول الخليج في المقابل إلى توسيع وصولها إلى التكنولوجيا والأسواق والخبرات الأوروبية.

ومن هذا المنظور، فإن تطور الشراكة الإماراتية-الألمانية يمكن أن يحمل قيمة تتجاوز الإطار الثنائي، وأن يسهم في بناء نموذج أوسع للتعاون الأوروبي الخليجي يقوم على التكامل الاقتصادي، وتبادل التكنولوجيا والاستثمارات، وأمن الطاقة، وتعزيز سلاسل الإمداد، والتنسيق بشأن القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

وفي الختام، فإن مَسيرة العلاقات الإماراتية-الألمانية تكشف عن انتقال واضح من شراكة تقليدية تركز على التجارة والاستثمار إلى علاقة استراتيجية متعدّدة الأبعاد، تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع أمن الطاقة والتكنولوجيا والدبلوماسية والاستقرار الإقليمي. ويمنح هذا التحول البلدين فرصة لبناء شراكة أكثر عمقًا وقدرة على الصمود أمام التحولات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة. فألمانيا تحتاج إلى شركاء موثوقِ بهم يمتلكون رأس المال والطاقة والانفتاح على الأسواق العالمية، بينما تستفيد دولة الإمارات من القدرات الصناعية والتكنولوجية والوزن السياسي الألماني داخل أوروبا. ومن هنا، فإن مستقبل هذه العلاقة لن يُقاس بحجم التجارة أو الاستثمارات فقط، وإنما بقدرتها على إنتاج مشروعات مشتركة، وتطوير التكنولوجيا، وتعزيز أمن الطاقة وسلاسل الإمداد، وفتح قنوات أوسع بين أوروبا والخليج أيضًا. وإذا نجح البلَدان في تحويل التقارب السياسي إلى مؤسسات ومشروعات طويلة الأمد، فإن شراكتهما يمكن أن تصبح نموذجًا متقدّمًا للتعاون الاستراتيجي في عالم متغيّر.


[1] Emirates News Agency (WAM), “UAE President and German Chancellor discuss bilateral ties and witness exchange of MoUs,” 6 February 2026, https://www.wam.ae/en/article/bylrqsd-uae-president-and-german-chancellor-discuss

[2] Federal Foreign Office (Germany), “Germany and the United Arab Emirates: Bilateral relations,” 12 March 2025, https://www.auswaertiges-amt.de/en/aussenpolitik/laenderinformationen/vae-node/unitedarabemirates-228542

[3] Federal Foreign Office (Germany), “Germany and the United Arab Emirates: Bilateral relations,” Ibid.

[4] Office of the Federal Government Chancellor, “Chancellor’s trip to Saudi Arabia, Qatar and the United Arab Emirates: Strengthening strategic partnerships,” 6 February 2026,

https://www.bundesregierung.de/breg-en/news/federal-chancellor-gulf-trip-2406238

[5] WE, “RWE Strengthens Partnerships with ADNOC and Masdar to Enhance Energy Security in Germany and Europe,” February 6, 2026,

https://www.rwe.com/en/press/rwe-ag/2026-02-06-rwe-strengthens-partnerships-with-adnoc-and-masdar/

[6] WAM, Masdar, RWE Sign Agreement to Support Energy Transformation in Germany, Europe,” February 6, 2026,

https://www.wam.ae/en/article/bylrqv8-masdar-rwe-sign-agreement-support-energy

[7]  وكالة أنباء الإمارات (وام)، «عبدالله بن زايد يلتقي نائب المستشار الألماني، وزير المالية»، 21 مايو 2026، https://shorturl.at/lgQVQ

[8] وزارة الخارجية الاتحادية (ألمانيا)، 2025، مرجع سابق.