تمثل المنطقة المغاربية أحد أهم المجالات الجيوسياسية المتاخمة للاتحاد الأوروبي وأكثرها تأثيرًا في أمنه واستقراره وازدهاره الاقتصادي. ويكتسب الفضاء المغاربي أهمية خاصة في التصورات الاستراتيجية الأوروبية بالنظر إلى موقعه عند تقاطع المجال المتوسطي والأطلسي والأفريقي. فالمنطقة تشكل بوابة أوروبا نحو أفريقيا جنوب الصحراء، كما تمثل فضاءً حيويًّا لإمدادات الطاقة، ولحركة التجارة الدولية، ولإدارة تدفقات الهجرة[1]. وإلى جانب هذه الاعتبارات الجيوسياسية، ترتبط أوروبا ودول المغرب العربي بعلاقات تاريخية وثقافية واقتصادية كثيفة تعود جذورها إلى الحضارات المتعاقبة على المنطقة، والتي تراوحت بين التعايش فيما بينها، ونزعات الصراع والهيمنة، التي بلغت ذروتها خلال الحقبة الاستعمارية.
وقد أدركت المؤسسات الأوروبية منذ نهاية الحرب الباردة أن أمن أوروبا لم يعد يقتصر على المجال الداخلي، بل أصبح مرتبطًا بصورة متزايدة باستقرار محيطها الجنوبي وما يواجهه من تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، وهو ما جعل دول المغرب العربي تشكل امتدادًا استراتيجيًّا مباشرًا للفضاء الأوروبي، ومجالًا حيويًّا لسياسات الجوار والتعاون الإقليمي.
ولئن ركزت الاتفاقيات الأولى التي أبرمت مع المغرب وتونس والجزائر على المجالات الاقتصادية والتجارية، فإن مجالات التعاون ما فتئت تتطور بتطور البناء الأوروبي نفسه وديناميكيات السياق الاستراتيجي الإقليمي والعالمي. فمنذ إطلاق الشراكة الأورو-متوسطية بموجب إعلان برشلونة سنة 1995، سعى الاتحاد الأوروبي إلى بناء إطار مؤسسي طويل المدى لعلاقاته مع دول جنوب المتوسط يقوم على الجمع بين الأمن والتنمية والإصلاح السياسي. وقد ارتبط هذا التوجه بالمشروطية (conditionality).
اصطلاحًا، يمكن تعريف المشروطية في العلاقات الدولية بأنها آلية أو مبدأ تُخضِع بموجبه الجهات المانحة والمؤسسات الدولية تقديم المساعدات المالية أو القروض أو المزايا الاقتصادية والسياسية لدولة ما، لمدى التزامها بتنفيذ مجموعة من الشروط والإصلاحات المحددة مسبقًا في المجالات الاقتصادية، أو المالية أو السياسية أو البيئية. ويرتبط هذا المفهوم بصورة خاصة ببرامج الإقراض التي تقدمها مؤسسات دولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، حيث يُنظر إلى المشروطية باعتبارها أداةً للتأثير في سلوك الدول المستفيدة، وتوجيه سياساتها بما ينسجم مع أهداف الجهات المانحة[2]. وقد تتخذ المشروطية شكلًا مسبقًا يشترط استيفاء المتطلبات قبل منح المساعدة، أو شكلًا لاحقًا يسمح بتعليقها أو سحبها عند عدم الالتزام بالتعهدات، كما قد تكون إيجابية، قائمة على الحوافز والمكافآت، أو سلبية قائمة على العقوبات[3].
وتُعد المشروطية من بين المبادئ الأساسية للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، وتعني، “ربط المنافع الاقتصادية والمالية والسياسية التي يقدمها الاتحاد بمدى التزام الدول الشريكة بمجموعة من المعايير المرتبطة بالديمقراطية، وحقوق الإنسان، والحكم الرشيد واقتصاد السوق”[4].
وقد سعى الاتحاد الأوروبي، بوصفه نموذجًا متقدمًا للتكامل الإقليمي، إلى تطوير شبكة واسعة من الشراكات وأطر التعاون مع دول الضفة الجنوبية للمتوسط، مستندًا في ذلك إلى مجموعة من الآليات والأدوات التي تعكس أولوياته السياسية والاقتصادية. غير أن هذه العلاقات تشكلت في سياق اتسم بعدم التكافؤ البنيوي بين الطرفين؛ فمن جهة، واجهت دول المغرب العربي الاتحاد الأوروبي وهي تعاني ضعفًا في مستوى الاندماج الإقليمي، ما جعل المنطقة من أقل الأقاليم تكاملًا على الصعيد العالمي، ومن جهة أخرى تفاوضت هذه الدول بشكل فردي ومتفرق مع تكتل أوروبي موحد وقوي اقتصاديًّا ومؤسساتيًّا. وقد مكّن هذا الاختلال في موازين القوى الاتحادَ الأوروبي من تعزيز نفوذه من خلال توظيف آلية المشروطية السياسية، عبر ربط مزايا التعاون والدعم المالي والتجاري بمدى الالتزام بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الرشيد، فضلًا عن تشجيع مواءمة التشريعات والسياسات الوطنية مع المعايير والقواعد الأوروبية. وبذلك أصبحت الشراكة الأوروبية-المتوسطية لا تقتصر على التعاون الاقتصادي فحسب، بل تمثل أيضًا إطارًا لنقل المعايير والقيم والنماذج التنظيمية الأوروبية إلى دول الجنوب.
وبينما يبرر مؤيدو المشروطية استخدامها باعتبارها وسيلة لتعزيز الكفاءة الاقتصادية، والحوكمة الرشيدة، والمساءلة وتحقيق أهداف التنمية والديمقراطية، يرى منتقدوها أنها تعكس اختلالًا في موازين القوة بين المانحين والمستفيدين، وقد تؤدي إلى تقييد سيادة دول الجنوب، وفرض نماذج سياسية واقتصادية لا تنسجم بالضرورة مع أولوياتها وخصوصياتها الوطنية.
غير أن حصيلة ثلاثة عقود من الشراكة بين ضفتي المتوسط تكشف عن مفارقة واضحة. فلئن حافظت المشروطية السياسية والمعيارية على وجودها من الناحية القانونية، فإنها تراجعت عمليًّا لصالح مشروطية وظيفية وأمنية تجعل استمرار الدعم الأوروبي مرتبطًا بدرجة أكبر بقدرة دول المغرب العربي على تحقيق أهدافه في مجالي الاستقرار الإقليمي، والحدّ من الهجرة غير النظامية. كما أن التحولات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة منذ سنة 2011، بما في ذلك تعثر مسارات الانتقال الديمقراطي، والأزمة الليبية، وتصاعد الهجرة غير النظامية، والحرب الروسية-الأوكرانية، وتعدد الفاعلين الدوليين في المنطقة كالصين وروسيا والولايات المتحدة، دفعت الاتحاد الأوروبي إلى إعادة النظر في العديد من أطروحاته السابقة بشأن فعالية المشروطية السياسية.
وتنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن العلاقات الأوروبية-المغاربية شهدت انتقالًا تدريجيًّا من مشروطية معيارية ترتكز على الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى مشروطية أكثر براغماتية تقوم على ترجيح كفة الاستقرار السياسي والأمن والطاقة، وإدارة الهجرة، والاستقرار الإقليمي وفق منطق المصالح المتبادلة. وتسعى الورقة إلى تحليل هذا التحول من خلال دراسة الأسس القانونية والمؤسساتية للمشروطية الأوروبية، وتحليل تطور مضامينها وأدواتها في محور أول، قبل الانتقال إلى دراسة الحالات الوطنية للدول المغاربية الخمس في محور ثان.
1. من المشروطية المعيارية إلى المشروطية البراغماتية
ارتبطت السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي لفترة طويلة بفكرة القوة المعيارية التي تفترض أن الاتحاد الأوروبي يمتلك قدرة خاصة على التأثير في محيطه الخارجي من خلال نشر القيم والمعايير المرتبطة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وسيادة القانون، والحكم الرشيد.
الأسس القانونية والمؤسساتية للمشروطية الأوروبية تجاه الدول المغاربية
تعود الجذور الأولى للعلاقات بين المجموعة الاقتصادية الأوروبية ودول المغرب العربي إلى اتفاقيات التعاون والتبادل التجاري التي أُبرمت منذ أواخر الستينيات مع المغرب وتونس والجزائر. وقد اتسمت تلك الاتفاقيات بطابع اقتصادي وتجاري محدود، كما تأثرت بالإرث الاستعماري، وبالحاجة الأوروبية إلى تنظيم العلاقات مع الجوار الجنوبي[5].
غير أن التحول النوعي في العلاقات الأوروبية-المتوسطية جاء مع إعلان برشلونة الصادر في نوفمبر 1995، والذي أطلق الشراكة الأورو- متوسطية باعتبارها إطارًا شاملًا للتعاون بين الاتحاد الأوروبي ودول جنوب المتوسط[6]. وقد استندت هذه الشراكة إلى ثلاثة محاور رئيسية: الشراكة السياسية والأمنية، والشراكة الاقتصادية والمالية، والشراكة الاجتماعية والثقافية.
شكّل إعلان برشلونة أول إطار مؤسسي يربط بصورة واضحة بين التعاون الاقتصادي والالتزام بالمبادئ السياسية المتعلقة بالديمقراطية، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون. فقد نصّ الإعلان على أن احترام هذه المبادئ يشكل أساسًا للعلاقات بين الأطراف المشاركة، وهو ما اعتُبر النواة الأولى للمشروطية الأوروبية في المنطقة المتوسطية.
إلا أن عملية برشلونة واجهت منذ بدايتها مجموعة من الصعوبات البنيوية. فقد تأثرت بتعثر عملية السلام في الشرق الأوسط، وباستمرار النزاعات الإقليمية، وبضعف الاندماج المغاربي، فضلًا عن اختلاف أولويات الدول الأوروبية نفسها تجاه دول جنوب المتوسط. ونتيجة لذلك، لم يتمكن الاتحاد الأوروبي من تطوير علاقة جماعية متماسكة مع المغرب العربي، بل عاد تدريجيًّا إلى المقاربة الثنائية التي تسمح لكل دولة بالتفاوض بصورة منفصلة وفق مصالحها وقدراتها الخاصة.
وفي سنة 2004 أطلق الاتحاد سياسة الجوار الأوروبية التي مثلت تطورًا مهمًّا في مقاربته للعلاقات مع جواره الجنوبي والشرقي. وقد هدفت هذه السياسة إلى إنشاء فضاء من الاستقرار والازدهار حول حدود الاتحاد الأوروبي دون منح الدول الشريكة أفق العضوية الكاملة، وذلك في إطار شعار “كل شيء باستثناء المؤسسات”.[7]
واعتمدت سياسة الجوار الأوروبية على مجموعة من الأدوات الجديدة تمثلت في اتفاقيات الشراكة، وخطط العمل الثنائية، وآليات التقييم الدوري، والمساعدات المالية والتقنية. كما قامت على فرضية مفادها أن التقارب التدريجي مع المعايير الأوروبية في المجالات الاقتصادية والقانونية والمؤسساتية سيؤدي إلى تعزيز الاستقرار والإصلاح داخل الدول الشريكة.
وكامتداد مباشر لمسار برشلونة، كان إطلاق الاتحاد من أجل المتوسط في يوليو 2008 انعكاسًا حقيقيًّا للالتزام السياسي المشترك للدول الأعضاء لأجل تعزيز التعاون والحوار الإقليميين، وتنفيذ مشاريع ومبادرات محددة بغية تحقيق الأهداف الاستراتيجية الثلاثة للمنطقة، وهي التنمية البشرية، والاستقرار، والتكامل الإقليمي[8].
وفي إطار هذه الرؤية، اعتُبرت المشروطية الأداة الأساسية التي يستخدمها الاتحاد الأوروبي لتشجيع الإصلاحات السياسية والاقتصادية في دول الجوار. وقد تمثلت هذه الآلية في ربط التمويل الأوروبي، وتسهيلات التجارة، وبرامج التعاون المختلفة بدرجة التقدم المُحْرَز في الإصلاحات المطلوبة.
غير أن التطبيق العملي للمشروطية في دول المغرب العربي كشف عن فجوة واضحة بين الخطاب والممارسة. فمن جهة، لم تؤدِّ برامج دعم الديمقراطية والمجتمع المدني إلى تحقيق التحولات المؤسسية العميقة التي كانت تأملها المؤسسات الأوروبية. ومن جهة أخرى، أظهرت التجربة أن الاتحاد الأوروبي لم يكن مستعدًا دائمًا للتضحية بمصالحه الأمنية أو الاقتصادية دفاعًا عن مبادئه المعلنة[9].
انطلاقًا من عام 2011، سعى الاتحاد الأوروبي إلى تعديل هذه المقاربة؛ وذلك على خلفية الانتفاضات الشعبية، وتغُّير أنظمة الحكم في عدد من دول الضفة الجنوبية للمتوسط، عبر اعتماد مبدأ «المزيد مقابل المزيد»، الذي يقوم على منح حوافز ودعم أكبر للدول التي تحقق تقدمًا أكبر في الإصلاحات الديمقراطية والمؤسساتية. وقد اعتُبرت تونس آنذاك النموذج الأكثر نجاحًا لهذه السياسة، بينما بدا أن بقية دول المنطقة تتفاعل معها بدرجات متفاوتة[10].
غير أن التطورات اللاحقة كشفت حدود هذه المقاربة. فقد تعثر الانتقال الديمقراطي في أكثر من دولة، وانهارت مؤسسات الدولة في ليبيا، وتصاعدت التهديدات الأمنية وموجات الهجرة، الأمر الذي دفع الاتحاد الأوروبي تدريجيًّا إلى إعادة ترتيب أولوياته لصالح الاستقرار والأمن.
المشروطية السياسية: سؤال المقاربات على المحك
في الوقت الذي أعلن فيه الاتحاد الأوروبي دعمه للتحولات الديمقراطية في المنطقة سنة 2011، بدأت التحديات الأمنية وتلك المتعلقة بالهجرة غير النظامية تفرض نفسها تدريجيًّا على أجندة العلاقات مع جنوب المتوسط عمومًا، والدول المغاربية تحديدًا. ومع تفاقم الأزمة الليبية وتصاعد نشاط الجماعات الإرهابية في الساحل، وارتفاع أعداد المهاجرين غير النظاميين، أصبحت الأولوية الأوروبية تتجه بصورة متزايدة نحو إدارة المخاطر، وضبط الحدود، وتعزيز الاستقرار[11].
كما أسهم بروز قوى دولية وإقليمية منافسة، مثل الصين وروسيا والولايات المتحدة وتركيا، في إعادة تشكيل البيئة الجيوسياسية للمتوسط. فهذه القوى تعرض نماذج تعاون أكثر براغماتية وأقل ارتباطًا بالشروط السياسية والمعيارية التي يحرص الاتحاد الأوروبي على تضمينها في شراكاته الخارجية. وقد منح ذلك دول المنطقة قدرة أكبر على المناورة والتفاوض، من خلال الاستفادة من تعدد الشركاء المحتملين، الأمر الذي حدّ نسبيًّا من فعالية أدوات التأثير الأوروبية القائمة على المشروطية السياسية ونقل المعايير الأوروبية، وأجبر الاتحاد الأوروبي على مراجعة بعض مقارباته التقليدية للحفاظ على جاذبيته ونفوذه في جواره الجنوبي.
ويمثل ميثاق المتوسط (Pact for the Mediterranean) المُعتمد في أكتوبر 2025، أحدثَ تطورٍ في مقاربة الاتحاد الأوروبي تجاه جواره الجنوبي[12]. وقد جاء إطلاق الميثاق في الذكرى الثلاثين لإعلان برشلونة، في سياق إدراك أوروبي متزايد بأن التحديات المشتركة بين ضفتي المتوسط أصبحت أكثر ترابطًا من أي وقت مضى، سواء تعلق الأمر بالأمن أو بالطاقة أو بالهجرة أو بالتغير المناخي.
ويقوم الميثاق على ثلاث ركائز أساسية: الاستثمار في الإنسان والتنمية البشرية، وتعزيز الترابط الاقتصادي والطاقة والتحول الرقمي، ودعم الأمن والاستقرار والقدرة على الصمود[13].
وتكمن أهميته بأنه يعكس تحولًا تدريجيًّا في فلسفة السياسة الأوروبية تجاه الجنوب المتوسطي. فبينما كانت سياسة الجوار الأوروبية تركز بصورة كبيرة على الإصلاحات السياسية والمؤسساتية، أصبح الخطاب الأوروبي الجديد أكثر تركيزًا على مفاهيم الشراكة الاستراتيجية، والاستثمار، والربط الاقتصادي، والأمن المشترك.
ولا يعني ذلك اختفاء المرجعيات المرتبطة بالديمقراطية وحقوق الإنسان من الخطاب الأوروبي، لكنها لم تعد تشكل المحور الوحيد أو المهيمن في صياغة العلاقات مع دول الجنوب. بل أصبحت هذه العلاقات تُبنى بصورة متزايدة على تقاطع المصالح الاستراتيجية في مجالات الطاقة، والهجرة، والاستقرار الإقليمي، والأمن الاقتصادي.
وتُعد الهجرة من أكثر الملفات التي تكشف هذا التحول؛ فمنذ أزمة 2015 يُنظر إلى دول المغرب العربي باعتبارها دول منشأ وعبور وضبط للهجرة نحو أوروبا. ونتيجة لذلك، باتت برامج الدعم الأوروبي ترتبط بصورة متزايدة بتعزيز قدرات مراقبة الحدود ومكافحة شبكات التهريب، وتنفيذ سياسات إعادة القبول، أكثر من ارتباطها بالإصلاحات السياسية التقليدية. وبدخول “الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء” مرحلة التنفيذ في يونيو 2026، يُعزز الاتحاد سياساته الحمائية من خلال تشديد أكبر على الرقابة الحدودية والإعادة والترحيل[14].
كما شكّلت الحرب الروسية-الأوكرانية نقطة تحول في سياسة الطاقة الأوروبية؛ إذ دفعت الاتحاد الأوروبي إلى تبني استراتيجية تهدف إلى تقليص الاعتماد على واردات الوقود الأحفوري الروسي، وتعزيز أمن الطاقة من خلال تنويع مصادر الإمداد، وتسريع الانتقال نحو الطاقة النظيفة. وفي هذا الإطار، أكدت خطة REPowerEU الصادرة عن المفوضية الأوروبية في مايو 2022[15] ضرورة توسيع الشراكات الطاقية مع الدول الموردة للطاقة خارج روسيا، بما في ذلك دول جنوب المتوسط وشمال أفريقيا. وقد انعكس ذلك في تزايد الاهتمام الأوروبي بالجزائر وليبيا باعتبارهما موردين للغاز الطبيعي، بالتوازي مع تعزيز التعاون والاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة في دول مثل المغرب وتونس وموريتانيا، بما ينسجم مع أهداف الاتحاد الأوروبي المتعلقة بأمن الطاقة.
2. تطبيق المشروطية الأوروبية مع الدول المغاربية
تكشف دراسة العلاقات الثنائية بين الاتحاد الأوروبي والدول المغاربية أن المشروطية لم تُطبق بصورة موحدة على جميع الشركاء. فقد تأثرت بدرجة الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية لكل دولة، وبطبيعة نظمها السياسية، ومستوى اعتمادها على الاتحاد الأوروبي، فضلًا عن اختلاف أولويات الدول الأعضاء داخل الاتحاد نفسه. ولذلك فإن الانتقال من المشروطية المعيارية إلى المشروطية البراغماتية لم يحدث بالوتيرة نفسها في جميع الحالات، بل اتخذ أشكالًا مختلفة تعكس خصوصية كل دولة من دول المغرب العربي.
المغرب: من التقارب المعياري إلى الشراكة الاستراتيجية متعددة الأبعاد
يمثل المغرب الحالة الأكثر تقدمًا في علاقاته مع الاتحاد الأوروبي. فمنذ توقيع اتفاق الشراكة سنة 1996، الذي دخل حيز التنفيذ في 1 مارس 2000[16]، اتجهت العلاقات بين الجانبين نحو مستويات متزايدة من التقارب المؤسساتي والتشريعي. وقد تعزز هذا المسار مع حصول المغرب على “الوضع المتقدم” سنة 2008، ليصبح أقرب شركاء الاتحاد الأوروبي في جنوب المتوسط من حيث مستوى الاندماج الاقتصادي والتعاون السياسي[17].
وخلال العقدين الماضيين شكل المغرب النموذج الأبرز لتطبيق المشروطية الأوروبية في المنطقة المغاربية. فقد ارتبطت برامج الدعم الأوروبية بالإصلاحات الاقتصادية والإدارية، وبالتقارب التدريجي مع المعايير التنظيمية الأوروبية في مجالات التجارة والاستثمار والحوكمة.
غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا ملحوظًا في طبيعة العلاقة. فقد أدى تصاعد أهمية قضايا الأمن والطاقة والتحول الرقمي إلى توسيع نطاق الشراكة نحو مجالات تتجاوز الأجندة التقليدية للإصلاح المؤسساتي. وتجسد هذا التحول بوضوح من خلال إطلاق الشراكة الخضراء بين الاتحاد الأوروبي والمغرب سنة 2022، وهي أول شراكة من هذا النوع يوقعها الاتحاد الأوروبي مع دولة غير عضو في إطار الصفقة الخضراء الأوروبية[18].
كما تم في 2026 إطلاق الحوار الرقمي المغربي-الأوروبي، الذي يهدف إلى تعزيز التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والبنية التحتية الرقمية، والاقتصاد الرقمي[19].
وأكدت الدورة الخامسة عشرة لمجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، المنعقدة في يناير 2026، التوجه نحو بناء “شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد” تشمل الأمن والاستقرار والطاقة المتجددة وسلاسل القيمة الصناعية والرقمنة[20].
ورغم متانة الشراكة المغربية الأوروبية وتعدد مجالاتها، فإنها ما تزال تواجه تحديات قانونية وسياسية مرتبطة بملف الصحراء الغربية، خاصة على إثر الأحكام الصادرة عن محكمة العدل للاتحاد الأوروبي بشأن مدى مشروعية تطبيق بعض الاتفاقيات التجارية والزراعية، واتفاقيات الصيد البحري على هذا الإقليم. وقد كرّست هذه الأحكام ضرورة التقيد بقواعد القانون الدولي ذات الصلة بحق تقرير المصير، الأمر الذي ألقى بظلاله على الإطار القانوني الناظم لبعض جوانب التعاون الاقتصادي بين المغرب والاتحاد الأوروبي[21]. غير أن هذه الخلافات لم تؤد إلى إضعاف الطابع الاستراتيجي للعلاقة، بل دفعت الطرفين إلى البحث عن صيغ جديدة لتأمين استمرارية التعاون.
وتشير هذه التطورات إلى أن العلاقة المغربية-الأوروبية انتقلت تدريجيًّا من نموذج يقوم أساسًا على المشروطية والإصلاح إلى نموذج يرتكز على المصالح الاستراتيجية المتبادلة، مع استمرار حضور محدود للبعد المعياري في الخطاب الرسمي للطرفين.
تونس: من مختبر الديمقراطية إلى شريك الاستقرار وإدارة الهجرة
مثلت تونس لفترة طويلة النموذج الأكثر انسجامًا مع فلسفة المشروطية الأوروبية. فقد كانت أول دولة متوسطية توقع اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي سنة 1995 دخل حيز التنفيذ في 1 مارس 1998[22]. كما أصبحت تونس المستفيد الأبرز من سياسة “المزيد مقابل المزيد” (More for More) التي أقرّها الاتحاد الأوروبي في إطار مراجعة سياسة الجوار الأوروبية عقب التحولات السياسية لسنة 2011. وتقوم هذه السياسة على مبدأ ربط حجم الدعم السياسي والاقتصادي والمالي الممنوح للدول الشريكة بمستوى التقدم المُحرَز في مجالات الديمقراطية ودولة القانون، واحترام حقوق الإنسان، والإصلاحات المؤسسية، بحيث إنه «كلما حققت الدولة تقدمًا أكبر وأسرع في إصلاحاتها الداخلية، حصلت على دعم أكبر من الاتحاد الأوروبي»[23]. في هذا السياق، اعتُبرت تونس النموذج الأكثر انسجامًا مع أهداف هذه المقاربة خلال السنوات الأولى من المرحلة الانتقالية، الأمر الذي مكنها من الاستفادة من مستويات مرتفعة من الدعم المالي والفني والمؤسساتي، كما جرى تقديمها في الخطاب الأوروبي بوصفها التجربة الأكثر نجاحًا في مسار الانتقال الديمقراطي، وأبرز مثال على فعالية سياسات الاتحاد الأوروبي في دعم التحول الديمقراطي داخل الجوار الجنوبي.
غير أن التطورات السياسية والاقتصادية اللاحقة أدت إلى تغيير جذري في طبيعة العلاقة. فالأزمة الاقتصادية المتفاقمة، وتراجع مسار الانتقال الديمقراطي، وتصاعد أعداد المهاجرين غير النظاميين المنطلقين من السواحل التونسية نحو أوروبا، دفعت المؤسسات الأوروبية والدول الأعضاء إلى إعادة ترتيب أولوياتها.
وقد شكلت مذكرة التفاهم الخاصة بالشراكة الاستراتيجية والشاملة، الموقعة بين تونس والاتحاد الأوروبي في يوليو 2023، نقطة تحول بارزة في هذا الاتجاه. فقد ركزت المذكرة على خمسة محاور رئيسية هي الاستقرار الاقتصادي والمالي، والتجارة والاستثمار، والانتقال الطاقي الأخضر، والتواصل بين الشعوب، والهجرة والتنقل[24]. تتزايد في هذا الإطار أهمية تونس في الاستراتيجية الأوروبية المرتبطة بالطاقة الخضراء، خاصة من خلال مشروع الربط الكهربائي (ELMED) بين تونس وإيطاليا[25]، والاستثمارات المتعلقة بإنتاج الطاقات المتجددة الموجهة نحو السوق الأوروبية.
كما يكشف التطور الأخير للعلاقات التونسية الأوروبية عن انتقال تدريجي في أولويات الشراكة من منطق دعم التحول الديمقراطي، الذي طبع مرحلة ما بعد 2011، إلى مقاربة أكثر براغماتية تتمحور حول الأمن والهجرة والاستقرار. فقد أصبحت تونس شريكًا محوريًّا في الاستراتيجية الأوروبية الرامية إلى الحد من الهجرة غير النظامية عبر المتوسط، وهو ما انعكس في تزايد الدعم المالي والتقني الموجه إلى إدارة الحدود، ومكافحة شبكات التهريب. غير أن هذا التحول أثار انتقادات حقوقية ومؤسساتية واسعة، خاصة بعد مذكرة التفاهم لسنة 2023، حيث اعتبرت جهات أوروبية عدة أن الاتحاد الأوروبي بات يمنح الأولوية لاعتبارات الضبط الأمني للهجرة على حساب اشتراطات الديمقراطية وحقوق الإنسان التي شكلت الأساس المعياري لسياسة «المزيد مقابل المزيد»، الأمر الذي يعكس التوتر القائم بين البعد القيمي والبعد المصلحي في السياسة الخارجية الأوروبية تجاه تونس[26]. وتكشف الحالة التونسية بوضوح كيف انتقل الاتحاد الأوروبي من منطق دعم التحول الديمقراطي إلى منطق الاستقرار مقابل الدعم، وهو ما يجعلها المثال الأبرز على التحول الذي شهدته المشروطية الأوروبية خلال العقد الأخير.
الجزائر: الطاقة وحدود المشروطية الأوروبية
تتميز الحالة الجزائرية بخصوصية واضحة داخل منظومة العلاقات الأوروبية-المغاربية. فعلى عكس المغرب وتونس، ظلت المشروطية السياسية الأوروبية محدودة التأثير في الحالة الجزائرية. ويرجع ذلك أساسًا إلى عوامل عدة أهمها اعتماد الاتحاد الأوروبي المتزايد على الطاقة الجزائرية، والاستقلال النسبي للاقتصاد الجزائري عن التمويلات الأوروبية، ومكانة الجزائر الجيوسياسية ومقارباتها الخاصة لمبدأ السيادة الوطنية. وهو ما أفضى إلى تغليب منطق المصالح الاستراتيجية المتبادلة على برامج الإصلاح السياسي.
يشكل اتفاق الشراكة المبرم بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، والذي دخل حيز التنفيذ سنة 2005، الإطار القانوني الرئيسي للعلاقات الثنائية[27]، والتي تهدف إلى تحقيق خمس أولويات رئيسية: الحوار السياسي والحوكمة وسيادة القانون، التعاون والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والتجارة، الطاقة والبيئة والتنمية المستدامة، الحوار الاستراتيجي والأمني، والبعد الإنساني والثقافي والهجرة والتنقل[28].
وقد أبدت الجزائر منذ سنة 2015 رغبتها الرسمية في إعادة تقييم هذا الاتفاق، معتبرة أن تطبيقه أفرز اختلالات تستوجب إعادة التوازن بين الطرفين. وخلال الدورة الثانية عشرة لمجلس الشراكة الجزائري-الأوروبي سنة 2020، أكدت السلطات الجزائرية وجود نقص في التطبيق، خاصة في الجانب التجاري، وهو ما دفعها لاحقًا إلى المطالبة بمراجعة الاتفاق وفق مبدأ الشراكة المتوازنة (رابح–رابح) [29].
وتُعدّ الجزائر اليوم شريكًا استراتيجيًّا محوريًّا للاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة، حيث تصفها المفوضية الأوروبية بأنها «شريك استراتيجي وموثوق به» في إمدادات الغاز الطبيعي، كما تُعد ثالث أكبر مورّد للغاز إلى الاتحاد الأوروبي، بينما يبقى الاتحاد أكبر سوق للغاز الجزائري، وهو ما يعكس علاقة ترابط متبادل تتجاوز البعد التجاري إلى البعد الجيوسياسي والأمني[30]. وقد تعززت المكانة الاستراتيجية للجزائر في السياسة الطاقوية الأوروبية بفعل تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية وأزمة مضيق هرمز؛ إذ دفعت هاتان الأزمتان الاتحاد الأوروبي إلى البحث عن موردين موثوق بهم وقريبين جغرافيًّا، الأمر الذي رسّخ موقع الجزائر بوصفه أحد أهم ركائز أمن الطاقة الأوروبي وتنويع مصادر الإمدادات. وقد أكدت الحوارات رفيعة المستوى بين الجزائر والاتحاد الأوروبي خلال عامي 2025 و2026 على توسيع التعاون ليشمل، إلى جانب الغاز الطبيعي، مشاريعَ الهيدروجين الأخضر، والطاقات المتجددة، والربط الكهربائي عبر المتوسط، بما يعكس انتقال العلاقة من مجرد شراكة لتوريد الطاقة إلى شراكة استراتيجية طويلة المدى في أمن الطاقة والتحول الطاقوي[31].
وتؤكد الحالة الجزائرية فرضية مركزية مفادها أن فعالية المشروطية الأوروبية تتراجع كلما ازدادت الأهمية الجيوسياسية والطاقية للدولة الشريكة بالنسبة للاتحاد الأوروبي.
ليبيا: من المشروطية إلى إدارة الأزمات
تمثل ليبيا الحالة الأكثر اختلافًا داخل المغرب العربي. فمنذ انهيار نظام معمر القذافي سنة 2011 لم تنجح البلاد في بناء مؤسسات دولة مستقرة، الأمر الذي جعل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي تتطور خارج الأطر التقليدية للمشروطية وسياسة الجوار. فعلى خلاف المغرب وتونس والجزائر، لا ترتبط ليبيا باتفاق شراكة شامل مع الاتحاد الأوروبي، بل تتركز العلاقة حول دعم العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، وبناء المؤسسات، وتعزيز الاستقرار الأمني، وإدارة ملف الهجرة[32].
كما أطلق الاتحاد الأوروبي سنة 2020 عملية «إيريني» البحرية (EUNAVFOR MED IRINI) لمراقبة تنفيذ حظر الأسلحة المفروض على ليبيا، والإسهام في مكافحة تهريب النفط، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر، وتعزيز الأمن البحري في المتوسط ودعم قدرات المؤسسات الليبية المعنية بإنفاذ القانون، وعمليات البحث والإنقاذ في البحر[33].
وفي الوقت نفسه، أعادت أزمة الطاقة الأوروبية على خلفية الحرب الروسية-الأوكرانية ومؤخرًا غلق مضيق هرمز، إبراز أهمية ليبيا باعتبارها دولة تمتلك احتياطيات كبيرة من النفط والغاز. إلا أن استمرار الانقسام السياسي وعدم استقرار المؤسسات الليبية ما زال يحد من قدرة تطوير شراكة اقتصادية واستراتيجية طويلة الأمد بين ليبيا والاتحاد الأوروبي.
وتكشف الحالة الليبية حدود المشروطية الأوروبية في البيئات الهشة والمنقسمة. فغياب مؤسسات الدولة القادرة على تنفيذ الإصلاحات جعل الاتحاد الأوروبي ينتقل من منطق الإصلاح مقابل الدعم إلى منطق إدارة الأزمات والاستقرار، وهو ما يمثل أقصى درجات التحول نحو البراغماتية في السياسة الأوروبية تجاه دول جنوب المتوسط.
موريتانيا: صعود شريك جديد في الاستراتيجية الأوروبية
يرتكز مبدأ المشروطية السياسية في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وموريتانيا على الإطار القانوني الذي أرسته اتفاقية كوتونو الموقعة في 23 يونيو 2000، والتي دخلت حيز النفاذ سنة 2003، ثم اتفاق ساموا الموقع في 15 نوفمبر 2023 والمطبق مؤقتًا منذ 1 يناير 2024. فقد جعلت اتفاقية كوتونو من احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية وسيادة القانون عناصر أساسية في الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ودول أفريقيا والكاريبي والمحيط الهادي[34]، وربطت استمرار التعاون والمساعدات الأوروبية باحترام هذه المبادئ، مع منح الاتحاد الأوروبي حق اتخاذ إجراءات، أو تعليق بعض أوجه التعاون في حالة الإخلال بها. وقد حافظ اتفاق ساموا على هذه المرتكزات، بل وسع نطاقها لتشمل قضايا الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد والسلم، والأمن، والتنمية المستدامة، والهجرة. غير أن دراسة الشراكة الأوروبية-الموريتانية تكشف وجود فجوة بين الإطار القانوني والممارسة الفعلية؛ فبينما تستند العلاقة رسميًّا إلى مشروطية سياسية قائمة على الديمقراطية وحقوق الإنسان، أصبح الاتحاد الأوروبي يعطي الأولوية للتعاون في مجالات الأمن وإدارة الهجرة ومراقبة الحدود، والتنمية المستدامة والاستثمار وإدارة الموارد البحرية، ويربطها بالاتحاد عدد من الاتفاقيات القطاعية في هذه المجالات.
وقد حظيت موريتانيا خلال السنوات الأخيرة باهتمام متزايد ضمن التوجهات الاستراتيجية الأوروبية تجاه منطقة الساحل الأفريقي، بالنظر إلى موقعها الجيوسياسي ودورها في قضايا الأمن والهجرة والتنمية[35]. ورغم أن موريتانيا لا تُعد من دول الجوار الجنوبي للاتحاد الأوروبي في إطار سياسة الجوار الأوروبية، فهي عضو في الاتحاد من أجل المتوسط.
وقد ارتبط هذا التحول بثلاثة عوامل رئيسية. أولها تزايد أهمية موريتانيا في إدارة مسارات الهجرة القادمة من غرب أفريقيا نحو أوروبا. وثانيها دورها في تعزيز الاستقرار الإقليمي في منطقة الساحل في ظل الانقلابات والأزمات التي شهدتها دول الجوار، هذا فضلًا عن تغلغل القاعدة بالمغرب الإسلامي في منطقة الساحل. أما العامل الثالث فيرتبط بالإمكانات الواعدة التي تمتلكها البلاد في مجالات الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر[36].
وفي مارس 2024 أعلن الاتحاد الأوروبي وموريتانيا إطلاق شراكة استراتيجية جديدة تشمل مجالات الهجرة[37]، والتنمية، والأمن، والطاقة. كما تعهد الاتحاد الأوروبي بحزمة استثمارات ومساعدات مالية في إطار مبادرة البوابة العالمية Global Gateway[38].
خاتمة
تكشف دراسة العلاقات الأوروبية-المغاربية خلال العقود الثلاثة الماضية أن المشروطية الأوروبية شهدت تحولات جوهرية في مضمونها وأهدافها وأدواتها. فبينما قامت الشراكة الأورو-متوسطية وسياسة الجوار الأوروبية في بداياتهما على فرضية مفادها أن التقارب الاقتصادي والمؤسساتي سيقود تدريجيًّا إلى التحول الديمقراطي، أظهرت التطورات اللاحقة أن الاعتبارات الأمنية والطاقية والجيوسياسية أصبحت أكثر تأثيرًا في صياغة العلاقات مع دول المغرب العربي.
وقد أدى تعثر التحولات الديمقراطية بعد سنة 2011، وتصاعد التهديدات الأمنية والهجرة، والحرب الروسية-الأوكرانية، إلى إعادة ترتيب الأولويات الأوروبية بصورة جعلت الاستقرار وإدارة الهجرة وأمن الطاقة تتقدم على أجندة الإصلاح السياسي. ويشكل “ميثاق المتوسط” لسنة 2025 التعبير المؤسسي الأوضح عن هذا التحول؛ إذ يؤسس لشراكات تقوم على المصالح المتبادلة، والقدرة على مواجهة التحديات المشتركة أكثر ممّا تقوم على نشر المعايير السياسية الأوروبية.
ويبدو أن مستقبل العلاقات الأوروبية-المغاربية سيتحدد بمدى قدرة الأطراف على بناء شراكة أكثر توازنًا تجمع بين متطلبات الاستقرار الآني وأهداف التنمية طويلة المدى، وتسمح بالانتقال من منطق التبعية والتفاوض غير المتكافئ إلى منطق المصالح المشتركة والتنمية والعلاقات المتوازنة.
[1] جيوبوليتيك حوض المتوسط. ترسيم الحدود البحرية وقضايا السلام والأمن الدوليين (مجموعة مؤلفين)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2024.
[2] Conditionality, in Brown (G.W), McLean (I), McMillan (A.), Concise Dictionary of Politics and International Relations, Oxford University Press, 4ed, 2018, pp.109-110.
[3] Amine Thabet, Conditionnalité, Encyclopédie de science politique (sous la direction de Hatem Mrad), ATEP et Fondation Konrad Adenauer, Tunis, 2025.
[4]Elena Fierro, The EU’s Approach to Human Rights Conditionality in Practice, The Hague/London/New York, Martinus Nijhoff Publishers, 2003.
[5] Bichara Khader, “Europe and the Maghreb 1957-2015”, Rivista di Studi Politici Internazionali
, Vol. 82, No. 2 (326) (APRILE-GIUGNO 2015), pp. 189-216: Europe and the Maghreb 1957-2015 on JSTOR
[6] إعلان برشلونة (Barcelona Declaration) الصادر عن المؤتمر الأوروبي-المتوسطي المنعقد في برشلونة يومي 27-28 نوفمبر/تشرين الثاني 1995.
[7] European Commission, European Neighbourhood Policy Strategy Paper, COM(2004)373 Final.
[8] الاتحاد من أجل المتوسط (UFM) منظمة حكومية دولية تضم 43 دولة، تمثل جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي (27) بالإضافة إلى 16 دولة من جنوب وشرق البحر الأبيض المتوسط بما في ذلك تونس، والجزائر، والمغرب وموريتانيا. أما ليبيا، فلديها صفة المراقب.
[9] Jinan Limam, “The Tunisian-European Union Association Agreement and the Democratic Process in Tunisia”, in XUEREB (P.) (ed.), Intercultural Dialogue and Citizenship, European Research and Documentation Centre, Malta, 2004.
[10] European Commission, A New Response to a Changing Neighbourhood, COM(2011)303 Final.
[11] European Commission, Review of the European Neighbourhood Policy, Joint Communication JOIN(2015) 50 Final.
[12] European Commission and High Representative of the Union for Foreign Affairs and Security Policy (2025), Joint Communication: The Pact for the Mediterranean – One Sea, One Pact, One Future, JOIN(2025) 26 final, Brussels, 16 October 2025.
[13] https://north-africa-middle-east-gulf.ec.europa.eu/what-we-do/pact-mediterranean_en
[14] https://www.consilium.europa.eu/en/policies/eu-pact-migration-asylum/
[15] https://commission.europa.eu/topics/energy/repowereu_en
[16] Euro-Mediterranean Agreement establishing an association between the European Communities and their Member States, of the one part, and the Kingdom of Morocco, of the other part, Official Journal L 070, 18/03/2000 P. 0002 – 0204: https://eur-lex.europa.eu/eli/agree_internation/2000/204/oj/eng
[17] Larbi Jaidi, The Morocco/EU advanced status: what value does it add to the European Neighbourhood Policy?, IEMed Mediterranean Yearbook 2009: https://www.iemed.org/publication/the-morocco-eu-advanced-status-what-value-does-it-add-to-the-european-neighbourhood-policy/
[18] https://enlargement.ec.europa.eu/news/eu-and-morocco-launch-first-green-partnership-energy-climate-and-environment-ahead-cop-27-2022-10-18_en
[19]https://north-africa-middle-east-gulf.ec.europa.eu/news/joint-press-release-commission-and-kingdom-morocco-launch-digital-dialogue-strengthen-strategic-2026-04-08_en
[20] https://www.consilium.europa.eu/en/meetings/international-ministerial-meetings/2026/01/29/
[21] المفوضية الأوروبية ومجلس الاتحاد الأوروبي ضد جبهة البوليساريو، القضايا المجمعة: C-778/21 P و C-798/21 P، والقضايا المجمعة: C-779/21 P و C-799/21P، 4 أكتوبر 2024:
extension://bfdogplmndidlpjfhoijckpakkdjkkil/pdf/viewer.html?file=https%3A%2F%2Fcuria.europa.eu%2Fsite%2Fupload%2Fdocs%2Fapplication%2Fpdf%2F2024-10%2Fcp240170en.pdf
[22] Euro-Mediterranean Agreement establishing an association between the European Communities and their Member States, of the one part, and the Republic of Tunisia, of the other part , Official journal L 97, 30.3.1998, pp. 2–183.
Official journal L 278, 21.10.2005, pp. 9–169: https://eur-lex.europa.eu/eli/agree_internation/1998/238/oj/eng
[23] https://www.europarl.europa.eu/meetdocs/2009_2014/documents/dsca/dv/dsca_20110608_06/dsca_20110608_06en.pdf
[24] https://ec.europa.eu/commission/presscorner/detail/en/ip_23_3887
[25] https://north-africa-middle-east-gulf.ec.europa.eu/news/lue-et-la-bei-renforcent-le-partenariat-energetique-tunisie-europe-avec-un-appui-de-12-millions-2025-10-03_en?prefLang=pl
[26] European Ombudsman, Decision concerning the EU–Tunisia Memorandum of Understanding (2024): https://www.ombudsman.europa.eu/en/decision/en/193851
[27] Euro-Mediterranean Agreement establishing an Association between the European Community and its Member States, of the one part, and the People’s Democratic Republic of Algeria, of the other part,
Official Journal L 265 , 10/10/2005 P. 0002 – 0228: https://eur-lex.europa.eu/eli/agree_internation/2005/690/oj/eng
[28]extension://bfdogplmndidlpjfhoijckpakkdjkkil/pdf/viewer.html?file=https%3A%2F%2Fnorth-africa-middle-east-gulf.ec.europa.eu%2Fdocument%2Fdownload%2Fa676129f-8d39-4a2a-8ad4-f719a6e13d2f_en%3Ffilename%3Dfactograph_SN_Algeria_2026_JAN.pdf
[29] https://embbrussels.mfa.gov.dz/ar/news-and-press-releases/the-revision-of-the-association-agreement-with-the-european-union-is-based-on-the-win-win-principle
[30] European Commission, Strategic Partnership between the People’s Democratic Republic of Algeria and the European Union in the Field of Energy, Brussels, 12 February 2026: https://energy.ec.europa.eu/news/strategic-partnership-between-peoples-democratic-republic-algeria-and-european-union-field-energy-2026-02-12_en
[31] https://www.energy.gov.dz/en/3033/statement-by-dr-mourad-adjal-minister-of-energy-and-renewable-energies-at-the-6th-high-level-meeting-of-the-strategic-energy-dialogue-between-algeria-and-the-european-union
[32] https://www.eeas.europa.eu/libya/european-union-and-libya_en?s=105
[33] تم التمديد لعملية ايريني إلى غاية 31 مارس 2027: https://www.eeas.europa.eu/eeas/eunavfor-med-irini-activity-report-november-2025_en
[34] في إطار منظمة دول أفريقيا والكاريبي والمحيط الهادي (OACPS): https://www.oacps.org/
[35] Wolfram Lacher, No pillar of stability:Mauritania’s trajectory and the pitfalls of European cooperation, Policy brief, MegaTrends Afrika, n°38, mai 2025: extension://bfdogplmndidlpjfhoijckpakkdjkkil/pdf/viewer.html?file=https%3A%2F%2Fwww.swp-berlin.org%2Fassets%2Fafrika%2Fpublications%2Fpolicybrief%2FMTA_Policy_Brief_38_Lacher_Mauritania.pdf
[36] https://international-partnerships.ec.europa.eu/countries/mauritania_en
[37] Hassan Ould Moctar, The EU-Mauritania partnership: whose priorities? European Council on refugees and exiles, October 2024: extension://bfdogplmndidlpjfhoijckpakkdjkkil/pdf/viewer.html?file=https%3A%2F%2Fecre.org%2Fwp-content%2Fuploads%2F2024%2F10%2FECRE-Working-Paper-21_The-EU-Mauritania-Partnership_Whose-Priorities.pdf
[38] https://www.eeas.europa.eu/delegations/mauritania/global-gateway-mauritania_en?s=109