خفّت حدة العمليات العسكرية بين التحالف الأمريكي-الإسرائيلي وإيران، لكن المشكلة التي فجّرت هذه العمليات لم تُحَلّ. كانت حرية الملاحة في الخليج العربي هي العنوان الظاهر للأزمة، أمّا ما تحته فأعمق بكثير وأطول أمدًا، ويصعب حسمه بوقف إطلاق نار أو باتفاق مؤقّت. والأطراف المنخرطة مباشرة تعرف ذلك، وكذلك تعرفه دول ليس لها علاقة مباشرة بالصراع لكنها تعتمد على إمدادات الطاقة والاتفاقيات الاستثمارية التي يمر جزء كبير منها عبر هذا الممر المائي.
ومن ثم فإن هذه الدراسة تعتمد على مزيج من الوثائق الرسمية الروسية، وتصريحات لافروف وبوتين الموثقة زمنيًّا، وقراءات مراكز أبحاث روسية وغربية على حد سواء، في محاولة لتجاوز حدود القراءة الأحادية، التي تكتفي إمّا بتصديق الخطاب الرسمي حرفيًّا أو برفضه جملةً وتفصيلًا. والفرضية المركزية هنا هي أن فهم الموقف الروسي يحتاج إلى النظر في مستويين متزامنين: مستوى الخطاب العلني الموجّه للجمهور المحلي والدولي، ومستوى السلوك الفعلي المسجّل في الاتصالات والاجتماعات ومشاريع القرارات. الفجوة أو التطابق بين المستويين هو ما يحدد، في نهاية المطاف، مصداقية أي مشروع سياسي طويل الأمد.
وتنظر روسيا إلى هذا الملف من زاوية مختلفة عن أغلب اللاعبين الدوليين. فموسكو لا تتعامل مع الشرق الأوسط بوصفه ملف أزمات منفصلة، تُدار كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى، بل كحزمة واحدة من نزاعات مترابطة، تشمل: التنافس الإيراني-الخليجي، والحروب في اليمن وسوريا والعراق، والإرهاب، وتصاعد العسكرة البحرية، وارتباط أمن المنطقة بمصالح قوى من خارجها. هذه القراءة، المتجذرة في تقليد الدبلوماسية الروسية، هي التي دفعت موسكو منذ أواخر العقد الثاني من القرن الحالي إلى طرح مشروع لا يكتفي بإخماد الحرائق، بل يسعى لبناء هيكل أمني إقليمي دائم.
قد تبدو الفكرة المركزية في هذا المشروع بسيطة في ظاهرها، لكنها ثقيلة في تبعاتها، وتتمثل في الأمن الجماعي، لا الدفاع الجماعي. الفرق بين الاثنين ليس شكليًّا. فالدفاع الجماعي يفترض عدوًّا مشتركًا يُبنى التحالف ضده. أمّا الأمن الجماعي فيرفض من الأساس فكرة أن يكون أي طرف إقليمي هدفًا للعزل. من هذه النقطة بالتحديد تبتعد الرؤية الروسية عن كل المشاريع التي قامت، ولو ضمنيًّا، على احتواء إيران؛ لأن موسكو تنطلق من افتراض أن أمن الخليج كتلة واحدة لا تتجزّأ، وأن استقرار الخليج لا يمكن أن يُبنى على حساب أحد أطرافه مهما كان.
أولًا: خلفية القضية وتطور الموقف الروسي قبل الأزمة
المبادرة الروسية للأمن الجماعي: من فكرة إلى وثيقة
تجسّدت هذه الرؤية لأول مرة في وثيقة رسمية قدّمتها روسيا إلى الأمم المتحدة عام 2019، تضمّنت مقترحًا بإنشاء منظومة أمن جماعي لمنطقة الخليج العربي. وهذه الوثيقة لم تُقَدَّم بوصفها حلًّا سريعًا، بل بوصفها برنامجًا طويل الأمد يمر بأربع مراحل متتابعة: تطبيع الأوضاع، وتعزيز الاستقرار، وتسوية النزاعات القائمة، ثم إرساء الأسس لهيكل أمني إقليمي فيما بعد الأزمات. الفارق بين هذا التصور وبين مقاربات أخرى سبقته هو أن روسيا لا تنظر إلى الأزمة بوصفها مجموعة تدابير طارئة، بل بوصفها عملية بناء مؤسسي تستغرق سنوات، وربما عقودًا.
المبادئ الحاكمة للمقاربة الروسية
تقوم الرؤية الروسية على أربعة مبادئ يمكن تلخيصها كالآتي. أولًا، يجب أن تكون منظومة الأمن شاملة وعالمية الطابع، لا إقليمية ضيقة. ثانيًا، ينبغي أن تراعي مصالح كل الأطراف الإقليمية والدولية المعنية دون استثناء. ثالثًا، استبعاد أي طرف لأسباب سياسية أو أيديولوجية أمر غير مقبول من حيث المبدأ، بصرف النظر عن هوية هذا الطرف. رابعًا، الانتقال إلى الهيكل الأمني الجديد يجب أن يكون تدريجيًّا، يبدأ بالملفات الأكثر إلحاحًا، وهي: مكافحة الإرهاب، وتسوية النزاعات في اليمن وسوريا والعراق، وتنفيذ الاتفاقات الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني، قبل الانتقال إلى آليات دائمة للثقة والتعاون.
أدوات عملية، لا شعارات
ما يميز الطرح الروسي عن كثير من المبادرات المنافسة أنه لا يكتفي بالدعوة العامة إلى “السلام”، بل يفصّل أدوات محددة، تتمثل في: مشاورات ثنائية ومتعددة الأطراف، ومجموعة مبادرة تُعِدّ لمؤتمر دولي للأمن والتعاون في الخليج، وامتناع متبادل عن التهديد بالقوة أو استخدامها، واحترام السيادة ووحدة الأراضي، وتسوية النزاعات الحدودية بالوسائل السلمية حصرًا. على المستوى العسكري، تقترح موسكو حزمة إجراءات لبناء الثقة، وتشمل: حوارًا حول العقائد العسكرية، واجتماعات دورية لوزراء الدفاع، وخطوط اتصال مباشرة، وإخطارات مسبقة بالمناورات، ودعوة مراقبين دوليين، وتبادل معلومات حول القوات المسلحة وصفقات التسلح. ثم تُضاف إلى ذلك أفكار أبعد مدى، تتمثل في الحد من التسلح، ومناطق منزوعة السلاح، وتقليص الترسانات المزعزعة للاستقرار، والسعي لإنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، وإن بدا ذلك بعيد المنال حاليًّا.
الهدف النهائي: منظمة أمن وتعاون على الطراز الأوروبي
حدّدت موسكو غايتها البعيدة بوضوح، وتتمثل في تأسيس منظمة للأمن والتعاون في الخليج العربي، على غرار منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. وبحسب التصور الروسي، تضم هذه المنظومة جميع دول الخليج بوصفها أعضاء أساسيين، بينما تشارك القوى الدولية الكبرى -الولايات المتحدة وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي والهند وغيرها- بصفة مراقبين أو أعضاء منتسبين. ومع تقدّم هذا النظام، يصبح تقليص الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة، تدريجيًّا وبالتراضي، موضوعًا قابلًا للنقاش. الفكرة هنا هي استبدال الاعتماد على ضمانات خارجية بمنظومة قواعد وإجراءات وضمانات متبادلة بين دول المنطقة نفسها. وجديرٌ بالذكر أن موسكو لا تتوهم أن يحدث هذا التحول دفعة واحدة، ولذلك تُلحّ باستمرار على أسلوب التدرج والحوار وبناء الثقة بوصفه شرطًا مسبقًا، لا بوصفه خيارًا.
كيف تطور الخطاب الروسي بين 2024 و2026؟
في خريف 2024 أكد وزير الخارجية، سيرغي لافروف، دعم بلاده للمبادرات التي يناقشها مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بما فيها جهود تطبيع العلاقات مع إيران. وفي مطلع 2026، أعادت الخارجية الروسية التأكيد على أن مبادرة الأمن الجماعي تستهدف سلامًا دائمًا وعلاقات تعاونية بين كل الدول المطلة على الخليج. ثم جاء لافروف في مارس 2026 ليصوغ الفكرة بلغة أكثر تحديدًا، تتلخص في تحقيق توازن مصالح بين إيران وجيرانها عبر إجراءات ملموسة للشفافية والثقة المتبادلة. اللافت في هذا التسلسل أن الخطاب لم يتغير في جوهره؛ ما تغيّر هو درجة التفصيل والإلحاح، وهو ما يعكس، على الأرجح، تصاعد التوتر الفعلي في الميدان.
مشروع، لا اتفاق يُوقَّع في قمة واحدة
الطابع طويل الأمد لهذا المشروع ليس زخرفة خطابية، بل جزء من بنيته الفكرية. فروسيا لا تتحدث عن “ميثاق” تُختتم به قمة واحدة، بل عن مسار سياسي ودبلوماسي متعدد المراحل. يتقاطع هذا مع ما خلص إليه عدد من الباحثين الدوليين، منهم خبراء في مؤسسة كارنيغي، ممن يرون أن أي نظام أمن جماعي في الخليج لا يمكن أن يولد جاهزًا على الطراز الأوروبي، بل لا بُدّ أن ينشأ عبر سلسلة من خطوات خفض التصعيد وبناء الثقة قبل أن يصل إلى مؤسسات دائمة.
قراءة الخبراء الروس: من باكلانوف إلى المجلس الروسي للشؤون الدولية
على منصة نادي فالداي، وصف أندريه باكلانوف المبادرة الروسية بأنها مسار متدرج، يبدأ بإنهاء العمليات ضد التنظيمات الإرهابية، ثم إحراز تقدم في تسوية النزاعات في سوريا والعراق واليمن، وصولًا إلى معالجة أزمة البرنامج النووي الإيراني. ويقترح تشكيل مجموعة خبراء تتولى صياغة حلول توافقية، على أن يبقى الهدف الأبعد قائمًا، وهو تأسيس منظمة أمن وتعاون خليجية.
من زاوية أخرى، يطرح المجلس الروسي للشؤون الدولية (RIAC) تصورًا مشابهًا؛ إذ يرى أن أي تقارب إيراني-عربي يحتاج إطارًا مؤسسيًّا يتمثل في مؤتمر إقليمي دائم للأمن والتعاون، تُبنى حوله لاحقًا: منطقة خالية من الأسلحة النووية، ومبدأ راسخ لعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ومجموعات عمل متخصصة لكل ملف على حدة. ويصف بعض الباحثين هذا التصور بأنه نسخة شرق أوسطية من “هلسنكي”، أي مسار تراكمي يبني قواعد ومؤسسات تقلّص احتمال الحرب تدريجيًّا، بدلًا من انتظار اتفاق سلام شامل ونهائي قد لا يأتي أبدًا.
هل المبادرة الروسية منحازة لإيران؟
هذا السؤال يُطرح باستمرار، ولأسباب مفهومة. فالمبادرة الروسية -منذ البداية- اعتُبرت قريبة من مبادرة HOPE الإيرانية. لكن كلما دخلت موسكو في تفاصيل مشروعها، اتسعت الفجوة بين الرؤيتين. ومن زاوية طهران نفسها، هناك نقاط خلاف حقيقية تتمثل في: إشراك قوى دولية من خارج الإقليم، وتوسيع جدول الأعمال ليشمل ملف الصواريخ، وتبنّي إطار إقليمي أوسع بكثير مما تتصوره إيران لنفسها. بعبارة أخرى، التقارب الظاهري في الخطاب لا يعني تطابقًا في المضمون.
توازن، لا اصطفاف
الوثائق الرسمية الروسية تؤكد أن موسكو لا تصطف مع طهران على حساب الخليج. كما أن وثيقة 2019 نفسها تنص على أن تحتفظ روسيا بعلاقات ودية مع كل دول الخليج دون استثناء، تكون مبنية على المساواة والاحترام المتبادل. وقد كرر لافروف أمام الأمم المتحدة أن آليات الأمن الجماعي يجب أن تشمل إيران وكل الدول العربية معًا، ثم عاد عام 2026 ليؤكد أن الهدف هو توازن مصالح، لا انحياز لطرف.
هذا التوازن ينعكس في السجل العملي أيضًا. فقد دعمت الخارجية الروسية عام 2024 مبادرات مجلس التعاون الخليجي، وأعلن الكرملين في نوفمبر من العام نفسه أن الموقفين الروسي والسعودي بشأن تسوية أزمات الشرق الأوسط “متطابقان في جوهرهما”. وفي مارس 2026، خلال اتصال هاتفي بين الرئيس فلاديمير بوتين وملك البحرين، شدد الجانب الروسي على أن التصعيد العسكري يهدد أمن دول عربية صديقة، مؤكدًا استعداد موسكو للإسهام في الاستقرار بكل الوسائل المتاحة. هذا السلوك يصعب تفسيره كاختزال لسياسة روسيا الإقليمية في خدمة إيران وحدها. لكن الأقرب إلى الواقع أنه سياسة توازن بين أطراف متعددة، ومتنافسة فيما بينها.
ثانيًا: الموقف الروسي في أثناء التصعيد العسكري
من الرؤية الشاملة إلى إدارة الأزمة الراهنة
مع دخول الصراع مرحلته النشطة، انتقلت الدبلوماسية الروسية من التركيز طويل المدى على مشروع الأمن الجماعي إلى موقف أكثر عملية وارتباطًا بإدارة اللحظة. فمنذ 5 مارس 2026 تحديدًا، استند الموقف الروسي إلى عناصر واضحة، تتمثل في الدعوة إلى وقف التصعيد فورًا، ورفض منح أي تفويض جديد لاستخدام القوة، والعودة إلى طاولة المفاوضات، ودعم جهود الوساطة الدولية، والحفاظ على قنوات اتصال متوازنة مع الخليج وإيران معًا، ونقل الأزمة من المجال العسكري إلى المسار السياسي. وهذا الموقف لا يعني التخلّي عن الرؤية بعيدة المدى، بل هو محاولة لربطها بضرورات اللحظة.
تحركات بوتين الدبلوماسية
خلال هذه الفترة، أجرى الرئيس بوتين سلسلة اتصالات ولقاءات كثيفة نسبيًّا، من بينها الاتصال الهاتفي بالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في 31 مارس 2026، ولقاؤه مع وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي في 2 أبريل، واتصاله بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في اليوم نفسه، واتصاله بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 3 أبريل، ثم اتصاله بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في 12 أبريل.
ترتيب هذه الاتصالات ذو دلالة. فالاتصال بالقاهرة يوضح أن موسكو لا تدير الملف حصرًا عبر القناة الإيرانية، بل عبر أكبر دولة عربية معنية بوقف الحرب واستعادة الاستقرار. والاتصال بالرياض أهم من الناحية الاستراتيجية؛ إذ عبّر بوتين خلاله عن قلقه من استهداف أي بنية تحتية حيوية ذات أهمية استراتيجية للمنطقة كلها، وأكد أن موسكو حرصت طوال السنوات الماضية على علاقات وثيقة مع إيران والخليج في آن واحد، وهي جملة تلخص فلسفة الموقف الروسي بأكمله.
أمّا الاتصال بطهران في 12 أبريل، فجاء عقب تعثر جولة جديدة من المفاوضات الأمريكية-الإيرانية في إسلام آباد، وحمل أهم رسالة؛ إذ أعلن بوتين خلاله استعداد روسيا للإسهام في جهود السلام والقيام بدور الوسيط. والمهم هنا أن هذا العرض لم يُقَدَّم بوصفه وعدًا بمساندة إيران عسكريًّا بُغْيَة أن تحقق انتصارًا على خصومها، بل قُدِّمَ كعرض وساطة بعد فشل المسار التفاوضي. حتى في أكثر اتصالاتها مباشرة مع طهران، قدّمت موسكو نفسها وسيطًا يأخذ بعين الاعتبار مصالح كل الأطراف: إيران، والولايات المتحدة، وإسرائيل.
لافروف: مصالح الجميع دون استثناء
في لقائه مع وزير خارجية ليبيا في 21 أبريل 2026، شدد لافروف على ضرورة تسوية الخلافات القائمة، مع ضمان مصالح جميع دول المنطقة دون استثناء، بما فيها الدول العربية الخليجية الصديقة لروسيا، إضافة إلى العراق والأردن وسوريا ولبنان، ومع مراعاة مصالح إيران بالطبع. كرر لافروف أيضًا استعداد موسكو للمساعدة في تطبيع العلاقات بين إيران والدول الخليجية، وهي الفكرة نفسها التي حملتها وثيقة 2019، بصياغة أكثر إلحاحًا بحكم الظرف.
شبكة إقليمية للوساطة وإدارة الأزمات
يمكن ملاحظة أن روسيا سعت، عبر هذه الاتصالات، لتشكيل شبكة من الدول القادرة على لعب دور الوسيط أو عنصر الاستقرار، وهي تضم مصر والسعودية والأردن وتركيا. ولم تتخلَّ موسكو، حتى في ذروة الحرب، عن رؤيتها البعيدة، بل ربطت مباشرة بين وقف إطلاق النار الفوري وبين بناء نظام أمني مستدام لاحقًا. والحل المستدام -بحسب تصريحات لافروف والخارجية الروسية- يقوم على أربعة عناصر: وقف العمليات العسكرية ومنع مزيد من التصعيد، والعودة إلى المفاوضات حول القضايا الخلافية الجوهرية، وإنشاء آليات دائمة للتعاون بين دول المنطقة، وتنسيق أدوار القوى الخارجية ضمن إطار مشترك بدلًا من استمرار نظام التحالفات المتنافسة.
مضيق هرمز: فيتو مزدوج ورسالة مزدوجة
في 7 أبريل 2026 استخدمت روسيا والصين حق النقض في مجلس الأمن ضد مشروع قرار كان يهدف للضغط على إيران لإعادة فتح مضيق هرمز. رفضت موسكو وبكين مقاربة قد تمنح غطاءً قانونيًّا دوليًّا لاستخدام القوة. في المقابل، أكدت الخارجية الروسية في بيان منفصل أن روسيا تؤيد حرية الملاحة، لكنها ترى ضرورة معالجة الأزمة بشكل شامل وبالتعاون مع كل الأطراف المعنية، لا عبر تفويض عسكري. الرسالة هنا مزدوجة: لا دفاع عن تعطيل الملاحة، ولا قبول باستخدام القوة حَلًّا.
هل تدعم روسيا إيران فعلًا؟
هذا هو السؤال الأكثر إثارة للجدل في كل هذا الملف. خطابيًّا، كانت موسكو أكثر حدة في انتقاد الولايات المتحدة وإسرائيل مما كانت عليه تجاه إيران، وهو ما دفع مراقبين عربًا وغربيين لاعتبار القراءة الروسية للأزمة قريبة من الرواية الإيرانية. ووصفت مؤسسة تشاتام هاوس الموقف الروسي -من زاوية أمريكية- بأنه انتهازي ويوفر مكاسب دبلوماسية لطهران.
لكن الفرق بين الخطاب السياسي وآلية إدارة الأزمة فعليًّا يستحق وقفة. فمنذ 11 مارس، أجرت روسيا سلسلة متواصلة من الاتصالات مع دول الخليج، وعقد لافروف اجتماعات مع سفراء هذه الدول، ونظّم اجتماعًا عبر الفيديو مع وزراء خارجية دول الخليج والأردن، وحافظت موسكو على تواصل مستمر مع مصر والسعودية تحديدًا. وفي مجلس الأمن، قدّمت روسيا مشروع قرار يدعو كل الأطراف -وليس إيران وحدها- لوقف العمليات العسكرية. كما دعمت أيضًا استمرار المفاوضات الأمريكية-الإيرانية في إسلام آباد، وأكدت في اتصالاتها مع طهران أن الأولوية هي التفاوض والوساطة والسلام الدائم، وليس الانتصار العسكري لأي طرف.
مجمل هذه التحركات يشي بسياسة توازن دبلوماسي أقرب منها إلى تحالف كامل مع إيران. وتميل التقييمات الدولية إلى أن روسيا لا تنوي الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن وتل أبيب دفاعًا عن طهران، بل تسعى للحفاظ على قنوات مع الجميع، ولعب دور الوسيط، ومنع أخطر السيناريوهات العسكرية، مع تعزيز مكانتها الدبلوماسية الدولية في الوقت نفسه. الخلاصة الأقرب إلى الدقة أن المقاربة الروسية تقوم على توازن مصالح متعددة، لا على ضمان انتصار إيران في الصراع.
ثالثًا: كيف ينظر العالم إلى الموقف الروسي
القراءات الدولية للموقف الروسي تنقسم إلى معسكرين واسعين. المعسكر الأول، وتمثله بوضوح مؤسسات غربية مثل تشاتام هاوس، يرى في السلوك الروسي انتهازية سياسية، بمعنى أن موسكو تستغل أزمة لا تتحمل مسؤوليتها لتحقيق مكاسب دبلوماسية على حساب واشنطن، عبر خطاب أكثر تعاطفًا مع إيران من الناحية الشكلية. وهذه القراءة تستند بشكل أساسي إلى تحليل الخطاب العلني بين من ينتقد أكثر، ومن يتم استخدام الفيتو لصالحه.
المعسكر الثاني، الذي يضم جزءًا من الباحثين الروس أنفسهم وعددًا من المحللين المستقلين، يفضّل قراءة السلوك الفعلي بدلًا من الخطاب وحده. من هذه الزاوية تبرز سلسلة الاتصالات المتوازنة مع القاهرة والرياض وأنقرة وطهران، ومشروع القرار الذي لا يستهدف طرفًا بعينه في مجلس الأمن، ودعم مسار التفاوض بدل تصعيده. وكل ذلك يرسم صورة لدولة تحاول الحفاظ على موطئ قدم لدى الجميع، أكثر من محاولتها الانحياز الصريح لطرف على حساب آخر.
الفارق بين القراءتين قد لا يكون قابلًا للحسم الكامل، لأن كل قراءة تنطلق من معيار مختلف. فالأولى تقيس النوايا من اللهجة، والثانية تقيسها من الأفعال. غير أن ما يمكن قوله بثقة أكبر هو أن موسكو نفسها تدرك هذه الازدواجية في القراءة، وتستثمر فيها؛ فخطابها المتشدد تجاه واشنطن يمنحها رأس مال سياسي لدى طهران وحلفائها، وسلوكها المتوازن على الأرض يحفظ لها علاقات عملية مع دول الخليج لا تريد المخاطرة بها.
رابعًا: الدلالات بالنسبة لدول الخليج العربية
القراءة الدقيقة لهذا الملف تحمل دلالات عملية لصانع القرار الخليجي، تتجاوز مجرد تصنيف موسكو بوصفها طرفًا محايدًا أو منحازًا.
أولًا، الفرصة التفاوضية. مادامت روسيا تصر على تقديم نفسها وسيطًا مقبولًا من جميع الأطراف، فإن هذا يفتح للخليج قناة إضافية للضغط على إيران لا تمر عبر واشنطن وحدها. والاتصال المباشر بين الرياض وموسكو في ذروة الأزمة، ومضمون الرسائل المتبادلة بشأن حماية البنية التحتية الحيوية، يوضحان أن هذه القناة ليست نظرية، بل عاملة فعلًا ولو بحدود.
ثانيًا، حدود الاعتماد على موسكو. في المقابل، لا ينبغي المبالغة في تقدير قدرة روسيا على كبح إيران أو ضمان التزامها بأي تفاهم؛ إذ إن علاقة موسكو بطهران قائمة على مصالح متبادلة -عسكرية وتجارية وسياسية- لا على تبعية، وهو ما يَحُدُّ من قدرة روسيا على فرض شروط على الجانب الإيراني حتى لو أرادت ذلك.
ثالثًا، مشروع الأمن الجماعي بوصفه إطارًا قابلًا للتوظيف لا للاعتماد الكامل. إن فكرة تأسيس منظمة أمن وتعاون خليجية على النمط الأوروبي فكرة تستحق النقاش الجاد في مراكز الأبحاث الخليجية، ليس بالضرورة بوصفها مشروعًا روسيًّا يُتَبَنَّى كما هو، بل بوصفها إطارًا مفاهيميًّا يمكن لدول الخليج نفسها أن تطوره بما يخدم مصالحها، مستفيدة من العناصر التي تلتقي فيها المصالح الروسية والخليجية، والمتمثلة في رفض الهيمنة الخارجية الكاملة، والتشديد على آليات الشفافية العسكرية وبناء الثقة.
رابعًا، ضرورة تتبع الفجوة بين الخطاب والممارسة. التمييز الذي عرضته هذه الورقة بين اللهجة العلنية الروسية (أكثر حدة تجاه واشنطن وتل أبيب) وبين السلوك الفعلي (اتصالات متوازنة، ومشروع قرار غير منحاز في مجلس الأمن)، يجب أن يصبح أداة تحليل دائمة لدى صانع القرار الخليجي عند قراءة أي موقف دولي تجاه أزمات المنطقة ككُلّ، لا أداة مخصصة لهذه الأزمة وحدها.
الخاتمة
المقاربة الروسية لتسوية أزمة الخليج تمثل مشروعًا لتحقيق توازن مؤسسي في المنطقة، لا مشروعًا لمعاقبة طرف أو إعادة توزيع موازين القوى لصالح جهة بعينها. جوهر هذه المقاربة إنشاء منظومة من القواعد والإجراءات والآليات، تَحُدُّ من مخاطر اندلاع الحروب في منطقة تعاني أصلًا من انعدام ثقة متجذر بين أطرافها.
يكرر الرئيس فلاديمير بوتين ووزير الخارجية سيرغي لافروف -كُلٌّ بصيغته الخاصة- الفكرة نفسها، التي ترفض الضغوط الأحادية، وسياسات شيطنة الأطراف، وإقصاء بعض اللاعبين، والتي تقود جميعها إلى طريق مسدود. أمّا الحل طويل الأمد فيتطلب:
- احترام مصالح الأطراف المعنية جميعها.
- إجراءات تدريجية لبناء الثقة.
- الالتزام بمبادئ القانون الدولي.
- إشراك الدول المطلة على الخليج جميعها، عربية كانت أم إيران، ضمن إطار تعاوني، على أن تسهّل القوى الدولية هذه العملية بدلًا من أن تفرض إملاءاتها.
إن نقطة القوة الأساسية في هذه المقاربة تكمن في واقعيتها؛ إذ لا سبيل إلى أمن مستدام في المنطقة من دون إيران، ولا سبيل إليه على حسابها.
الصيغة الروسية للأمن الإقليمي تقوم إذن على توازن المصالح، لا على منطق الغلبة أو سياسة المحاور، وعلى مؤسسات وآليات تعاون تقلل احتمالات النزاعات المستقبلية، عوضًا عن الاكتفاء بإدارة الأزمات كلما وقعت. وسواء صحّت القراءة الغربية المتحفظة أو القراءة الأقرب لتفسير موسكو نفسها، يبقى الثابت الوحيد أن هذا المشروع -بعد أكثر من سبع سنوات على طرحه الرسمي- لم يتغير في غايته النهائية، وإن تبدّلت أدواته بحسب الظروف.
قائمة المراجع
- أندريه باكلانوف (2025). الأفق طويل المدى: الرؤية الروسية لبنية أمن الخليج في مرحلة ما بعد الصراع. تقرير تحليلي محكّم صادر عن نادي فالداي للحوار، موسكو.
- أندريه كورتونوف (2026). حدود الشراكة الروسية-الإيرانية: لماذا لا تُعَدُّ موسكو حليفًا رسميًّا لطهران. ورقة عمل صادرة عن المجلس الروسي للشؤون الدولية (RIAC)، رقم 2026/04، موسكو.
- ماريا ميخينا (2025). معضلة الأمن في الخليج: دراسة مقارنة للمقاربات الروسية والإيرانية والسعودية (2019-2024). رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد العالمي والسياسة العالمية، المدرسة العليا للاقتصاد (HSE)، موسكو.
- المجلس الروسي للشؤون الدولية (RIAC) (2025). إضفاء الطابع المؤسسي على أمن الخليج: من مبادرة HOPE إلى نموذج هلسنكي للشرق الأوسط. التقرير البحثي رقم 65، موسكو.
- نادي فالداي للحوار (2025). روسيا والخليج: الأمن الجماعي بديلًا عن منطق الأحلاف. سلسلة تقارير نادي فالداي، التقرير رقم 162، موسكو.