اتفاق مكة للدفاع المشترك: ميثاق للدفاع الجماعي المرن في إقليم مضطرب

InsightImage

اتفاق مكة للدفاع المشترك: ميثاق للدفاع الجماعي المرن في إقليم مضطرب

لم يكن توقيع السعودية وتركيا وباكستان، في مكة المكرمة، في 7 أغسطس 2026، اتفاق دفاع مشترك Mecca Joint Defence Agreement مجرد إضافة جديدة إلى قائمة اتفاقيات التعاون العسكري في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، بل جاء في لحظة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات استراتيجية كبرى، وهي: تصاعد المخاطر الأمنية في الخليج العربي والبحر الأحمر، وإعادة تعريف علاقة دول المنطقة بالضمانات الأمنية الأمريكية، وسعي قوى إقليمية إلى بناء قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي في إدارة أمنها القومي ومصالحها الخارجية.

وينصّ اتفاق مكة على “أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعدّ هجومًا عليها مجتمعة”؛ ما يمنحه طابعًا يتجاوز التعاون الدفاعي التقليدي، ويقترب من منطق الدفاع الجماعي[1]. بيد أنّ أهمية الاتفاق لا تتوقف على بنوده المكتوبة فقط، وإنّما على السياق الذي أنتجه، وكُنه الأطراف الموقّعة. فمركب الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط يشهد مرحلة من أكثر مراحل تطوره اضطرابًا وسيولةً، التي تفاقمت بسبب تداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران (حرب إيران الثانية) في أواخر فبراير الماضي، والتي لم تنتهِ رسميًّا بعد. وهذا الاضطراب الكبير، وهذه السيولة الهائلة تَسِم كلَّ مكونات مركب الأمن الإقليمي، سواء تعلق الأمر بدرجة فوضوية البيئة الأمنية، أو سيولة القيادة الإقليمية، أو مستوى علاقات العداوة في الإقليم، أو درجة الاختراق الخارجي للنظام الأمني[2].

ويؤلّف اتفاق مكة معادلة ثلاثية تجمع بين المال والطاقة السعودية، والقوة البشرية والقدرات العسكرية الباكستانية، والتكنولوجيا والصناعة الدفاعية التركية[3].

تسعى هذه الورقة إلى اختبار طبيعة “اتفاق مكة للدفاع المشترك” من حيث كونه مجرد اصطفاف alignment جديد في المنطقة، أم يؤسّس لتحالف عسكري بين أطرافه الثلاثة.

1. أكثر من اصطفاف وأقل من تحالف: طبيعة اتفاق مكة وحدوده العسكرية

في ضوء أنّ التفاصيل التنفيذية لاتفاق مكة لاتزال محدودة على الأقل في المجال العلني، وأنّه لا توجد حتى الآن معلومات كافية عن آليات القيادة المشتركة، أو قواعد الاشتباك، أو الالتزامات المحددة عند وقوع هجوم، أو طبيعة القوة التي يمكن أن تنتقل إلى مسرح العمليات؛ فإنّ أهمية قراءة الاتفاق تكمن بعيدًا عن العناوين التي تصفه فورًا بأنه “تحالف عسكري جديد”. فالمعلن حتى الآن هو ميثاق دفاعي ثلاثي يقوم على الردع “السياسي والنفسي” والتعاون، وليس كتلة عسكرية متكاملة تمتلك قيادة موحدة وقوات دائمة، أو التزامات آلية بالحرب[4].

والواقع أنّ الدول الثلاث (السعودية وتركيا وباكستان) أطراف الاتفاق تحمل أولويات أمنية متداخلة، لكنها مختلفة في الوقت نفسه. فتركيا تشعر بقلق متزايد إزاء الوضع العسكري الإسرائيلي في المنطقة، بينما يتمثّل التهديد الأكثر إلحاحًا بالنسبة للسعودية في إيران وشركائها الإقليميين، في حين تظل باكستان مركزة بصورة أساسية على الهند. ولذلك، لا نتوقع أن يؤدي هجوم تشنّه إحدى هذه القوى المعادية على أحد أطراف الاتفاق إلى انخراط الدول الثلاث تلقائيًّا في الحرب. صحيح أن الاتفاق ينصّ، كما سبق وأشرنا، على أن أي اعتداء مسلح على أحد الأطراف يُعدّ اعتداءً على الجميع، لكنّه لا يحدِّد الالتزامات العسكرية التي تترتب على ذلك[5]. ومن ثم، ينبغي النظر إليه، على الأقل في الوقت الراهن، بوصفه التزامًا سياسيًّا يُعزّز الردع والتعاون العملياتي بين الدول الثلاث، يُماثل فنيًّا المادة 5 من ميثاق الناتو الخاصة بالدفاع الجماعي، كما أكّد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان[6]، أكثر منه تحالفًا عسكريًّا مكتملًا يمتلك هياكل قيادة متكاملة واستجابات عسكرية محدَّدة مسبقًا، ولا يعني تلقائيًّا أن الدول الثلاث ستخوض أي حرب مستقبلية ككتلة واحدة[7] .

ومن ثم، تكمن قيمة اتفاق مكة المباشرة أساسًا في الردع والتعاون العملياتي. فمن خلال رفع الكلفة المحتملة لأي عدوان، يقلّل الاتفاق من مخاطر تعرّض أي من أطرافه للعزلة الاستراتيجية، ويوجّه رسالةَ تضامنٍ واضحة في أوقات الأزمات. علاوة على ذلك، يملك الاتفاق قيمة كبيرة في مجال التعاون العملياتي، الذي يشتمل على المناورات، والتدريب، وتبادل المعلومات، ونشر القوات، والتنسيق بين القوات الجوية والدفاع الجوي. فتركيا وباكستان تتمتعان بخبرة واسعة في التدريب المشترك والتنسيق العملياتي، فيما تمتلك السعودية بنية تحتية عسكرية متقدّمة وقدرة مالية على شراء الأنظمة الحديثة. وإذا تطور التعاون إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية، وربط شبكات الدفاع الجوي، والتدريب المشترك، وتوحيد بعض إجراءات القيادة والسيطرة، فإن الاتفاق قد يتحوّل تدريجيًّا إلى بنية دفاعية أكثر واقعية.[8]

وهكذا، فإنّ الاتفاق الثلاثي يتجاوز مجرد التنسيق أو الاصطفاف المرن، لكنّه لا يرقى بعد إلى مستوى كتلة عسكرية مؤسّسية مكتملة. كما نفى مسؤولون سعوديون، صراحةً، أن يكون الاتفاق محورًا عسكريًّا أو تحالفًا طائفيًّا أو ترتيبًا نوويًّا.[9]

بعبارةٍ أخرى، فإن الفارق بين “التعهد بالدفاع المتبادل”، الذي يتضمّنه اتفاق مكة، و”التحالف العسكري المتكامل” يكمن في التفاصيل التنفيذية. فالحلف العسكري الحقيقي يحتاج إلى آليات واضحة لتحديد طبيعة الهجوم، والجهة التي تتخذ قرار الرد، وحجم القوة المطلوبة، وآليات التشاور، والقيادة والسيطرة، واللوجستيات، وحرية استخدام القواعد الجوية والبحرية، وقواعد الاشتباك، إضافةً إلى تحديد ما إذا كان الرد العسكري إلزاميًّا، أم أنّ كلّ دولة تحتفظ بحرية تحديد شكل مساهمتها.

وحتى الآن، لا توجد معلومات علنية كافية تسمح بالقول إن اتفاق مكة وصل إلى هذه المرحلة. لكن هذا لا يقلّل من أهميته. بل بالعكس، حيث تكمن قوة الاتفاق في الغموض الاستراتيجي الذي يحيط به. فالغموض يمكن أن يكون أداة ردع. فإذا كان الخصم لا يعرف بالضبط ما إذا كان استهداف السعودية سيؤدي إلى تدخّل تركي أو باكستاني مباشر، فإنه يصبح أمام حسابات أكثر تعقيدًا. وبالمِثل، فإن استهداف تركيا أو باكستان يفتح نظريًّا الباب أمام مشاركة الدولتين الأخريين. وهذا النوع من الردع لا يحتاج دائمًا إلى وجود قيادة عسكرية مشتركة؛ يكفي أحيانًا أن يقتنع الخصم بأن تكلفة الهجوم ستكون أكبر من مكاسبه.

والواقع أن تعريف “التهديد” ليس واحدًا لدى الدول الثلاث لأسبابٍ عديدة، أهمّها اختلاف الجغرافيا الاستراتيجية. فتركيا دولة عضو في الناتو، ولها حسابات أمنية مرتبطة بالبحر الأسود وأوروبا وسوريا والعراق والقوقاز وشرق المتوسط. وباكستان تركز تقليديًّا على الهند وأفغانستان والحدود الغربية، فيما تركز السعودية على الخليج، واليمن، وأمن الطاقة، والممرات البحرية.

 فإذا تعرّضت السعودية لهجوم من جماعة مسلّحة في اليمن، مثلًا، فإن السؤال يصبح: هل ترى تركيا وباكستان أن هذا الهجوم يرقى إلى مستوى يوجِب تدخلًا عسكريًّا مباشرًا؟ وإذا اندلع صراع هندي-باكستاني جديد، فهل ستتدخل السعودية عسكريًّا؟ وهل يمكن أن تجد تركيا نفسها في مواجهة دولة نووية كالهند بسبب التزامها تجاه إسلام آباد؟ هذه الأسئلة تكشف أن الاتفاق، رغم قوته الرمزية، فإنه لا يُلغي حسابات السيادة والمصلحة الوطنية.

كما أن عضوية تركيا في الناتو تفرض طبقة إضافية من التعقيد. فالاتفاق الجديد لا يعني أن تركيا غادرت الحلف الأطلسي، أو أن التزاماتها داخل الناتو أصبحت ثانوية، بل إن أنقرة تحاول عمليًّا توسيع هامش حركتها الاستراتيجية، وليس استبدال منظومة بأخرى. ولهذا، يمكن وصف الاتفاق بأنه “تأمين استراتيجي متعدّد الطبقات” أكثر من كونه بديلًا كاملًا للولايات المتحدة.[10]

فالرياض لاتزال تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الأنظمة الأمريكية في الدفاع الجوي والطيران والتسليح والتدريب والدعم الفني. وحتى مع توسّع الشراكتَين التركية والباكستانية، فإن بناء منظومة مستقلّة تمامًا عن واشنطن يحتاج إلى سنوات طويلة.

وفي الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل التطور العملي الذي سبق الاتفاق الثلاثي. ففي مايو 2026، أفادت وكالة “رويترز” بأن باكستان نشرت نحو 8 آلاف جندي وسربًا من الطائرات المقاتلة والطائرات المُسيّرة ومنظومة دفاع جوي في السعودية في إطار اتفاق الدفاع المشترك بين البلدين، في سبتمبر 2025[11]. وهذه الواقعة مهمّة لأنها تنقل العلاقات من مستوى الوثائق إلى مستوى القابلية العسكرية الفعلية. فالاختبار الحقيقي لأي اتفاق دفاعي ليس ما يقوله النصّ، بل هل تستطيع الدول تنفيذ التزاماتها عندما تتعرّض إحداها للخطر.

2. ثلاث دول وثلاثة حسابات استراتيجية: دوافع الأطراف وقدراتها

تتمثّل الدوافع السعودية في الانضمام إلى الاتفاق الدفاعي الثلاثي في ردع إيران وشركائها الإقليميين؛ وتنويع العلاقات الأمنية؛ وتقليل الاعتماد على ضامن أمني خارجي واحد؛ وتعزيز الدور السعودي في قيادة الترتيبات الأمنية الإقليمية الناشئة. أمّا الدوافع التركية، فتتمثّل في اكتساب عمق استراتيجي إضافي؛ وتعزيز دورها الأمني في الخليج؛ وتوسيع فرص الصناعات الدفاعية؛ وموازنة القوة العسكرية الإسرائيلية المتنامية والاصطفاف الاستراتيجي بين إسرائيل واليونان وقبرص. وبالنسبة لباكستان، تتلخّص دوافعها في توقيع اتفاق مكة للتعاون الدفاعي المشترك في تعزيز دورها الأمني التقليدي في الخليج؛ وتعميق علاقاتها مع السعودية وتركيا؛ وتحقيق مكاسب دفاعية واقتصادية؛ واكتساب نفوذٍ استراتيجي إضافي في مواجهة الهند.

وهكذا، فإنّ دوافع الدول الثلاث تتقاطع، لكنها ليست متطابقة، وهو ما سيحدّد في نهاية المطاف مدى تماسك الاتفاق. ولننتقل إلى شيء في تفصيل ذلك:

فبالنسبة إلى السعودية، يأتي الاتفاق في لحظة أصبحت فيها معادلة الأمن الوطني أكثر تعقيدًا؛ حيث لم تَعُد تواجه فقط خطرًا عسكريًّا تقليديًّا على حدودها، وإنّما طائفةً واسعة من التهديدات، أهمّها الصواريخ الباليستية، والطائرات المُسيّرة، والهجمات على البنية التحتية، وتهديد الملاحة، والجماعات المسلحة، والحرب السيبرانية. والأهم من ذلك أنّ رؤية 2030 جعلت الأمن الخارجي شرطًا مباشرًا للاستقرار الاقتصادي. فالموانئ والمطارات والمنشآت النفطية والمناطق الصناعية والمشروعات السياحية العملاقة تحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرّة. ولذلك، تريد الرياض الانتقال من مفهوم “الحماية” إلى مفهوم الردع المتعدّد الاتجاهات. وهنا، يُقدِّم الانخراط الثلاثي في ميثاقٍ دفاعي ما لا تستطيع دولة واحدة تقديمه. فباكستان توفر القوة البشرية والخبرة العسكرية والردع الاستراتيجي، فيما تقدّم تركيا التكنولوجيا والصناعة الدفاعية والقدرة على تطوير أنظمة محلية. أما السعودية، فتملك الموارد المالية التي تسمح بتحويل التعاون العسكري إلى مشاريع طويلة الأجل.

وهذا التكامل يفسّر جزءًا من جاذبية الاتفاق. والأهم أن السعودية لا تبدو راغبة فيه، وغير قادرة على استبدال أنقرة وإسلام آباد بواشنطن، بل في امتلاك خيارات إضافية. وهذا ينسجم مع الاتجاه السعودي الأوسع نحو تنويع الشراكات الدولية بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وتركيا والهند ودول أخرى. ومن هذه الزاوية، فإن اتفاق مكة يمكن قراءته باعتباره رسالة إلى واشنطن أيضًا، مؤدّاها أنّ “الشراكة مع الولايات المتحدة مهمّة، لكنّها ليست المصدر الوحيد للأمن السعودي”.

وربّما تكون السعودية هي الطرف الذي يحقق أكبر مكسب سياسي مباشر من الاتفاق. فهو يعزّز موقع الرياض في قلب بنية أمنية إقليمية آخذة في التشكل، ويجمع بين الثقل المالي والدبلوماسي السعودي، والقدرات التركية في الصناعات الدفاعية، والخبرة العسكرية الباكستانية. كما أن توقيع الاتفاق في مكة المكرمة يحمل رمزية كبيرة، إذ يعزز مكانة السعودية بوصفها راعية للحرمين الشريفين وقوة قيادية في العالم الإسلامي. وتضيف المكانة النووية لباكستان وزنًا استراتيجيًّا إلى هذا التجمع، إلا أنه لا توجد في الوقت الراهن أدلة تسمح بالقول إن المظلّة النووية الباكستانية قد امتدّت رسميًّا إلى تركيا أو السعودية.

وبالنسبة لباكستان، يعزّز الاتفاق علاقاتها بقوّتين رئيسيتين في الشرق الأوسط، ويساعدها على موازنة الجهود الهندية الرامية إلى توسيع حضورها الاقتصادي والاستراتيجي في الخليج، بما في ذلك من خلال الممر الاقتصادي الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي (IMEC). ومع ذلك، من غير المرجَّح أن تسمح السعودية أو تركيا بتحوّل الاتفاق إلى تحالف صريح مناهض للهند، بالنظر إلى علاقاتهما الاقتصادية المهمّة مع نيودلهي. ومع ذلك، يمثّل الاتفاق فرصة استراتيجية نادرة. فباكستان دولة تمتلك جيشًا كبيرًا وقدرات صاروخية ونووية، ولكنها تعاني من ضغوط اقتصادية كبيرة. وبالتالي، فإن علاقتها مع السعودية لا تحمل فقط قيمة أمنية، وإنّما قيمة اقتصادية وسياسية أيضًا. فالسعودية شريك اقتصادي مهمّ لباكستان، بينما تستطيع الأخيرة تقديم خدمات دفاعية لا تستطيع معظم الدول الإسلامية تقديمها بالمستوى نفسه. والاتفاق الثلاثي يضاعف قيمة هذه العلاقة؛ لأنه يضيف تركيا إلى المعادلة.

أما تركيا، فهي ليست مجرد شريك سياسي؛ إنها قوة صناعية عسكرية صاعدة. والتعاون التركي-الباكستاني شهد بالفعل تطورًا مستمرًّا في مجالات الدفاع والتدريب والصناعة العسكرية. ففي إبريل 2026، أكدت الحكومتان استمرار الحوار العسكري الرفيع المستوى، مع بحث التعاون في الصناعات الدفاعية، والتدريب، وبناء القدرات.[12]

وهنا، يمكن لإسلام آباد أن تسعى إلى بناء مثلث دفاعي يحقق لها ثلاثة أهداف، وهي: تعزيز مكانتها كقوة أمنية في العالم الإسلامي، والحصول على فرص أوسع في الصناعة الدفاعية والتكنولوجيا، وتحويل علاقتها مع السعودية من علاقة ثنائية إلى منصّة نفوذ إقليمية أوسع.

ولكن يوجد ثمن محتمل. فكلّما زادت التزامات باكستان تجاه أمن الخليج، زادت احتمالات تورطها في أزمات قد لا ترتبط مباشرة بأمنها القومي التقليدي. وهذا أمر حسّاس بالنسبة إلى دولة تواجه أصلًا تحدّيات على حدودها الغربية والشرقية.

كما أن إسلام آباد تحتاج إلى المحافظة على قنواتها السياسية مفتوحةً مع إيران. وقد لعبت باكستان خلال حرب إيران الثانية، ولاتزال، دورًا رئيسيًّا في الوساطة والدفع نحو التهدئة. وبالتالي، فإن التحدي أمام باكستان سيكون كيفية الجمع بين دورها كعضو في منظومة دفاعية جديدة، ودورها كوسيط محتمل بين الأطراف المتصارعة.

أما تركيا، فلديها حسابات أكثر تعقيدًا. فأنقرة لا تحتاج إلى اتفاق دفاعي مع السعودية وباكستان من أجل الحصول على حماية، حيث تمتلك تركيا جيشًا كبيرًا، وهي عضو في الناتو، ولديها قاعدة صناعية دفاعية متطورة. وما تحتاج إليه هو توسيع مجال نفوذها الاستراتيجي. فقد تحوّلت تركيا، خلال السنوات الأخيرة، من مستورد رئيسي للسلاح إلى لاعب متزايد في سوق الصناعات الدفاعية، خصوصًا في الطائرات المُسيّرة، والأنظمة غير المأهولة، والإلكترونيات، والصواريخ، والسفن، والأنظمة البرّية. وبالنسبة إلى أنقرة، فإن السعودية تمثّل سوقًا ضخمًا، بينما توفر باكستان شريكًا عسكريًّا يمتلك خبرة كبيرة في العمليات الجوية والصاروخية والتقنيات العسكرية. وهكذا، فإن الاتفاق يمكن أن يتحوّل إلى منصّة للصناعة الدفاعية التركية. ولكن الأهم هو الجغرافيا السياسية؛ فتركيا تسعى إلى أن تكون لاعبًا في الشرق الأوسط، لا مجرد عضو أوروبي-أطلسي على هامش المنطقة، وشراكتها مع الرياض وإسلام آباد تمنحها شبكة علاقات تمتدّ من شرق المتوسط إلى الخليج ثم جنوب آسيا. كما أن العلاقات السعودية-التركية شهدت تحسّنًا واضحًا في السنوات الأخيرة. وفي فبراير 2026، أكد بيان مشترك سعودي-تركي أهمية توسيع العلاقات والتعاون بين البلدين في مجالات متعدّدة، وهو ما وفّر قاعدة سياسية مناسبة لتطور التعاون الأمني الحالي[13].

كما يوفر الاتفاق لتركيا عمقًا استراتيجيًّا إضافيًّا، ويسهم جزئيًّا في موازنة التعاون الدفاعي المتزايد بين إسرائيل واليونان وقبرص (اليونانية) والولايات المتحدة ضمن إطار (3+1). وإذا توسّع الاتفاق مستقبلًا ليضم دولًا إقليمية مؤثرة أخرى، مثل مصر، فقد يفرض قيودًا ملموسة على قدرة إسرائيل على تشكيل المنطقة وفقًا لتفضيلاتها الاستراتيجية الخاصة.[14]

ولكن تركيا تدرك أيضًا أن أي تحالف صريح ضدّ إيران أو إسرائيل قد يقيّد قدرتها على المناورة. لذلك، فإن وصف الاتفاق بأنه “تحالف ضد دولة محدّدة” سيكون مبالَغًا فيه. فالأرجح أن أنقرة تريد صيغة أكثر مرونة: ردع إقليمي، واستقلال استراتيجي، وتوسّع صناعي، وتعزيز النفوذ، من دون الانجرار إلى حرب مفتوحة بالنيابة عن أي طرف.

3. عادة رسم التوازنات الإقليمية والدولية: إيران وإسرائيل والولايات المتحدة والهند

يُدخِل “اتفاق مكة للدفاع المشترك” متغيّرًا جديدًا إلى معادلة الأمن الإقليمي. ولعلّ أول التساؤلات التي يثيرها اتفاق مكة الدفاعي هو ماذا يعني بالنسبة لإيران. فرغم أن الدول الثلاث تقدِّم الاتفاق باعتباره دفاعيًّا وغير موجّه رسميًّا ضدّ دولة بعينها، فمن الصعب فصل توقيته عن البيئة الأمنية المحيطة بإيران، التي تقع جغرافيًّا في مركز المثلث تقريبًا: السعودية على الضفة الجنوبية للخليج، وتركيا إلى الشمال الغربي، وباكستان إلى الشرق. ومن منظور طهران، فإن تحوُّل العلاقات بين هذه الدول من تعاون ثنائي إلى إطار دفاعي ثلاثي قد يعني نشوء قدرة أكبر على تنسيق الردود في حال اندلاع أزمة أو نشوب حرب. وقد صدرت بالفعل انتقادات إيرانية للاتفاق، مع طرح موقف يعتبر أن الاتفاقات الورقية لا توفر الأمن الحقيقي[15].

ولكن المفارقة أنّ الاتفاق قد يعمل في اتجاهَيّ تقليل أو زيادة احتمال نشوب حرب إقليمية واسعة النطاق. فإذا كان الهدف هو الردع، فقد يقلّل احتمال نشوب حرب شاملة؛ لأن أي طرف يفكّر في مهاجمة دولة من الدول الثلاث سيكون مضطرًّا إلى احتساب احتمال توسّع المواجهة. وبالنسبة إلى إيران، يرفع الاتفاق كلفة أي هجوم صاروخي أو جوّي (بالطائرات المُسيّرة) على السعودية؛ لأنه يوسّع نطاق الاستجابة المحتملة من مواجهة ثنائية إلى مخاطرة باحتكاك مع تركيا وباكستان. ومع ذلك، فإنّ الاتفاق لا يحوِّل الدول الثلاث تلقائيًّا إلى جبهة موحدة ضدّ طهران؛ فتركيا وباكستان تحتفظان بقنوات ومصالح متداخلة معها، كما أنّ صيغة الاتفاق العلنية تتجنّب تسمية خصم بعينه. والأرجح أن تدفع هذه الضبابيةُ إيران إلى اختبار حدود الميثاق بوسائل متفاوتة دون عتبة المواجهة المباشرة، مثل الضغط البحري، والتهديدات بالوكالة، والهجمات السيبرانية، والاستهداف المحدود للبنية التحتية.

أما إذا تحوّل الاتفاق إلى آلية صلبة للدخول في الحروب، فقد يصبح عاملًا لتوسيع أيّ صراع ثنائي وتحويله إلى مواجهة إقليمية. ولهذا، فإن طريقة تطبيق الاتفاق أهم من نصه.

ومع ذلك، يمكن القول إنّ هذا الاتفاق، وغيره من الترتيبات الأمنية التي شهدتها المنطقة مؤخرًا (التحالف الدفاعي البحري المُقاد سعوديًّا ويضم 14 دولة، وتعزيز سوريا مستوى التنسيق مع السعودية ودولة الإمارات)، من شأنها أن تفرض تحديات استراتيجية طويلة الأمد على إيران، من خلال تعزيز التنسيق بين دول المنطقة التي باتت تنظر، بصورة متزايدة، إلى الأنشطة الإيرانية وأنشطة الجهات المدعومة من طهران باعتبارها تهديدًا مشتركًا، حتى وإن ظلت هذه الاتفاقات محدودة من حيث نطاقها وطبيعة الالتزامات المترتبة عليها[16]. ولعل ذلك من شأنه أنْ يُعقّد قدرة طهران على ممارسة الضغوط على دول المنطقة بصورة منفردة، ويخلق لديها تصورًا بأنها تتعرّض لتطويق استراتيجي ويزيد إدراكها للتهديد، ويدفعها إلى تعميق علاقاتها مع وكلائها، أو روسيا، أو الصين.

وفي الوقت ذاته، تشعر الدول الثلاث، وإنْ بدرجات متفاوتة، بالقلق من احتمال خروج إسرائيل من الصراعات الراهنة بوصفها قوة عسكرية إقليمية مهيمنة بلا قيود. ومن ثم، يسعى الاتفاق إلى منع كلٍّ من إيران وإسرائيل من الانفراد بتشكيل النظام الإقليمي وفقًا لتفضيلاتهما الاستراتيجية.

بيد أن تحويل موارد الدول الثلاث إلى قدرة مشتركة ضدّ إسرائيل يبقى احتمالًا بعيدًا في الأجل القصير، ما لم يُنشَأ هيكل قيادة وتبادل معلومات وتدريبات مشتركة. ولذا، فإنّ الأثر الفوري للاتفاق الثلاثي هو سياسي-ردعي: تقليص حرية العمل المنفرد، وليس تغييرًا آنيًّا في ميزان القوة العسكري في المنطقة.

أما الهند، فستقرأ الميثاق من زاويتين، وهما: ارتباط باكستان بعلاقات أمنية أوثق مع قوتين إقليميتين مؤثرتين، واحتمال اتساع التعاون الدفاعي والتقني بينها. ومع ذلك، لا توجد في النصّ المعلن إشارة إلى جنوب آسيا، أو إلى التزام موجّه ضدّ الهند. ولكن أي توسّع في الالتزامات الدفاعية التركية-الباكستانية قد يؤثر في الحسابات الهندية، خصوصًا بعد تجربة الصراع العسكري الأخيرة بين الهند وباكستان في أواخر إبريل ومايو 2025. ولكن الرياض لا تملك مصلحة واضحة في تحويل علاقاتها مع الهند إلى مواجهة بسبب باكستان. والهند شريك اقتصادي مهمّ للسعودية، خصوصًا في التجارة والاستثمار والطاقة. ومن هنا، يظهر مرة أخرى أن الاتفاق لا يُلغي المصالح المتشابكة؛ بل يضيف طبقة جديدة فوقها. ولذلك، يبقى الأثر المباشر محدودًا، فيما ترتفع أهميته إذا امتدّ التعاون إلى التسليح، أو التدريب، أو تبادل المعلومات الاستراتيجية.

أما الولايات المتحدة، فمن المرجّح أن تتعامل مع الاتفاق ببراغماتية. فالرياض وتركيا وباكستان لاتزال جميعها مرتبطة بدرجات مختلفة بالمنظومة الغربية والأمريكية تحديدًا. فتركيا عضو في الناتو، والدول الثلاث أكدت أن الاتفاق دفاعي، ولا يُلغي التزاماتها القائمة. وبالتالي، فإن الاتفاق لا يمثّل بالضرورة “طردًا” للولايات المتحدة من الشرق الأوسط، بل قد يكون محاولة من دول المنطقة لامتلاك قدرة تفاوضية أكبر مع واشنطن، ويعكس اتجاهًا نحو تنويع الشراكات، وتقليل الاعتماد الحصري على ضمانات واشنطن، في ظل اتساع التهديدات الإقليمية[17].

وقد شجعت واشنطن منذ فترة طويلة شركاءها على تحمُّل مسؤولية أكبر عن الدفاع الإقليمي وتقاسُم الأعباء الأمنية، دون الحاجة إلى نشر قوات أمريكية إضافية. ولا يعني ذلك بالضرورة أن الولايات المتحدة صمّمت الاتفاق أو رعته، وإنّما يعكس تزايد الشكوك بشأن مدى القدرة على التنبؤ بالمظلة الأمنية الأمريكية، إلى جانب اتجاه أوسع نحو بناء آليات أمنية إقليمية تمتلكها دول المنطقة نفسها. وهكذا، يمكن أن يكون الاتفاق مفيدًا للولايات المتحدة إذا عزز الردع وتقاسم الأعباء، لكنه قد يصبح مصدر إشكال إذا عقّد علاقاتها مع إسرائيل، أو خلق مخاطر جديدة للتصعيد مع إيران.

4. البحر الأحمر واليمن والقرن الأفريقي: الاختبار العملي لاتفاق مكة

بدلًا من افتراض أن الاختبار الأول لاتفاق مكة للدفاع المشترك سيكون الانخراط في مواجهة عسكرية تقليدية بين الدول، يمكن تحديد عدد من السيناريوهات العملياتية المحتملة، سوف تُمثّل اختبارات عملية للاتفاق الثلاثي، كما يلي:

  • البحر الأحمر وباب المندب: يتمثّل الاختبار العملي في مرافقة السفن السعودية، خصوصًا بعد أنْ فرض الحوثيون حظرًا بحريًّا على الرياض، وتبادل المعلومات الاستخباراتية البحرية، والدفاع الجوي، وحماية البنية التحتية للطاقة.
  • اليمن: يتمثّل الاختبار العملي في تلبية الاحتياجات الأمنية السعودية وتحالف دعم الشرعية الذي تقوده الرياض، خصوصًا مع إعلان القوات اليمنية الحكومية تنفيذ هجوم على الحوثيين في عدة محاور[18]، وإمكانية تقديم دعم تركي وباكستاني.
  • التصعيد المرتبط بإيران: يتمثّل الاختبار العملي في تقديم الدعم الاستخباراتي واللوجستي والدفاع الصاروخي، بدلًا من المشاركة التلقائية في العمليات الهجومية.
  • أزمة هندية-باكستانية: يتمثّل الاختبار العملي في تقديم دعم دبلوماسي لباكستان، مقابل قدر أكبر بكثير من عدم اليقين بشأن المشاركة العسكرية السعودية أو التركية.
  • أزمة بين تركيا وإسرائيل: سوف تكون اختبارًا مهمًّا لمدى استعداد السعودية وباكستان لتفسير التزام الدفاع الجماعي بصورة متكافئة.
  • السودان والصومال: يتمثّل الاختبار العملي في إمكانية امتداد التنسيق إلى مناطق خارج النطاق الجغرافي الأساسي للشرق الأوسط.

وهكذا، يمثّل البحر الأحمر واليمن الاختبار الأكثر واقعية لاتفاق مكة؛ لأن التهديد فيهما ليس افتراضيًّا؛ إذ إن هناك هجمات الصواريخ والمُسيّرات، وتهديد الملاحة والطاقة، والمخاطر الممتدة إلى الحدود الجنوبية السعودية. وتشير التقييمات الأمريكية الرسمية إلى تعرّض مدن ومنشآت طاقة وقواعد ومطارات سعودية لهجمات صاروخية ومُسيّرة إيرانية، مع تهديدات حوثية متجدّدة؛ وهو ما يمنح الاتفاق مبرِّره العملي الأوضح[19].

ولكن الاستجابة المرجّحة لن تبدأ بإرسال قوات برّية كبيرة إلى اليمن، بل بثلاث دوائر أقل كلفة وأكثر قابلية للتنفيذ، وهي: تعزيز الدفاع الجوي والإنذار المبكر؛ وتبادل المعلومات والاستطلاع البحري؛ وحماية خطوط الملاحة والمنشآت الحيوية. وقد أبدت تركيا وباكستان دعمًا للتحالف المتعدّد الجنسيات للدفاع البحري بقيادة السعودية، الذي أُعلن في يوليو الماضي، بهدف حماية الملاحة وطرق إمدادات الطاقة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، في ظل تصاعد التهديدات التي تتعرّض لها حركة الشحن والممرات البحرية الاستراتيجية في المنطقة؛ ما يرجح أن يكون الأمن البحري أول مجال قابل للترجمة العملية[20].

ومن ثم، قد تكون مشاركة المعلومات الاستخباراتية، ونشر الوحدات البحرية، وتقديم دعم للدفاع الجوي، والمساندة اللوجستية، وإجراء تدريبات مشتركة في البحر الأحمر وباب المندب، من بين النتائج العملية المبكرة المحتملة للاتفاق. كما يمكن أن يمتدّ التعاون إلى خارج الشرق الأوسط، ولاسيّما إلى السودان والصومال، حيث تمتلك الدول الثلاث مصالح سياسية واقتصادية وأمنية.

وفي القرن الأفريقي، لا يقتصر الرهان على الموانئ والمضائق، بل يشمل أمن خليج عدن، وشبكات الإمداد، ومراقبة التهريب، وحماية الكابلات البحرية. وتمتلك المنطقة أساسًا قانونيًّا وتعاونيًّا يمكن البناء عليه عبر “مدونة جيبوتي”، التي تجمع دولًا مطلّة على غرب المحيط الهندي وخليج عدن؛ لمكافحة القرصنة والسطو المسلح، وتعزيز البنية الأمنية البحرية[21].

وعليه، ستكون قيمة اتفاق مكة مرهونة بقدرته على الانتقال من عبارة “الاعتداءُ على واحد اعتداءٌ على الجميع” إلى إجراءات قابلة للقياس: غرفة تنسيق بحري مشتركة، وبروتوكولات إنذار مبكر، ودوريات أو مرافقة بحرية، وتكامل دفاعي ضدّ الصواريخ والمُسيّرات. فإذا تحقق ذلك، يصبح البحر الأحمر واليمن ساحة إثبات لفاعليته؛ أما إذا بقيت تلك الآليات غير معلنة أو غير مفعّلة، فسيظل الميثاق إطارًا سياسيًّا مهمًّا لكنّه محدود الأثر العملياتي.

خاتمة

يُمثّل اتفاق مكة للدفاع المشترك تطورًا مهمًّا في التعاون الأمني بين السعودية وباكستان وتركيا؛ إذ ينقل هذا التعاون إلى إطار أكثر مؤسّسية يقوم على مبدأ الدفاع الجماعي. ويشبه الاتفاق، في مرحلته الحالية، إطارًا تشاوريًّا للردع الجماعي أكثر من كونه تحالفًا عسكريًّا متكاملًا، ويعكس اتجاهًا إقليميًّا أوسع تتجه في إطاره دول المنطقة إلى بناء شراكات وتحالفات لحماية أمنها ومصالحها من التهديدات الأمنية المستمرة.

وتدخُل الدول الثلاث هذا الاتفاق وهي تحمل أولويات أمنية متداخلة، لكنها مختلفة في الوقت نفسه. فتركيا تشعر بقلق متزايد إزاء الوضع العسكري الإسرائيلي في المنطقة، بينما يتمثّل التهديد الأكثر إلحاحًا بالنسبة للسعودية في إيران وشركائها الإقليميين، في حين تظل باكستان مركزة بصورة أساسية على الهند. ولذلك، لا نتوقع أن يؤدي هجوم تشنّه إحدى هذه القوى المعادية على أحد أطراف الاتفاق إلى انخراط الدول الثلاث تلقائيًّا في الحرب.

وصحيحٌ أن الاتفاق ينصّ على أن أي اعتداء مسلّح على أحد الأطراف سيُعدّ اعتداءً على الجميع، لكنّه لا يحدّد الالتزامات العسكرية التي تترتب على ذلك. ومن ثم، ينبغي النظر إليه، على الأقل في الوقت الراهن، بوصفه التزامًا سياسيًّا شبيهًا بالمادة الخامسة من حلف الناتو، أكثر منه تحالفًا عسكريًّا عملياتيًّا يمتلك هياكل قيادة متكاملة واستجابات عسكرية محدّدة مسبقًا، وتكمن قيمته المباشرة أساسًا في الردع والدلالة السياسية. ويمكن توظيف مفهوم “الدفاع الجماعي المرن Flexible Collective Defence لوصف الاتفاق؛ أي أنه ترتيب يتجاوز حدود الاصطفاف الاستراتيجي التقليدي، لكنه يظل، عن قصد، أقل مؤسّسية وإلزامًا من التحالف العسكري الرسمي[22]. فمن خلال رفع الكلفة المحتملة لأي عدوان، فإن الاتفاق يقلّل من مخاطر تعرّض أي من أطرافه للعزلة الاستراتيجية، ويوجّه رسالة تضامن في أوقات الأزمات. كما أن الدول الثلاث لا تسعى بالضرورة إلى إقامة كتلة دائمة مناهضة لإيران. والأرجح أن هدفها يتمثّل في تقييد السلوك الإيراني وليس الاستعداد بصورة جماعية لخوض مواجهة شاملة أو حرب ضدّ طهران. ومن غير المرجّح أن يتحوّل الاتفاق إلى تحالف صريح مناهض لإسرائيل، لكنه قد يشكل جزءًا من مسعى أوسع لمنع أي قوة إقليمية منفردة، سواء إيران أو إسرائيل، من تحقيق تفوق استراتيجي غير مقيّد. ويمكن أن تنظر باكستان إلى الهند من خلال عدسة هذا الاتفاق، لكن السعودية وتركيا ستفرضان قيودًا على مدى تأثير هذه الاعتبارات في التعاون الثلاثي.

ومن المرجَّح عمليًّا أن ينشئ الاتفاق آلية تتشاور من خلالها الأطراف لتحديد نوع المساعدة التي يمكن تقديمها إلى الطرف الذي يتعرّض للهجوم، سواء كانت عسكرية، أو لوجستية، أو استخباراتية، أو دبلوماسية، أو اقتصادية.

وقد يكون هذا الترتيب متوافقًا أيضًا مع التفضيل الأمريكي الطويل الأمد بأن يتحمّل الشركاء الإقليميون مسؤولية أكبر عن أمنهم من دون الحاجة إلى نشر قوات أمريكية إضافية. ولا يعني ذلك بالضرورة أن الولايات المتحدة صمّمت الاتفاق أو رعته، وإنّما يعكس تزايد الشكوك بشأن مدى القدرة على التنبّؤ بالمظلّة الأمنية الأمريكية، إلى جانب اتجاه أوسع نحو بناء آليات أمنية إقليمية تقودها دول المنطقة نفسها.

وربّما تكون السعودية الطرف الذي يحقق أكبر مكسب سياسي مباشر من الاتفاق. فهو يعزز موقع الرياض في قلب بنية أمنية إقليمية آخذة في التشكّل، ويجمع بين الثقل المالي والدبلوماسي السعودي، والقدرات التركية في الصناعات الدفاعية، والخبرة العسكرية الباكستانية. كما أن توقيع الاتفاق في مكة المكرمة يحمل رمزية كبيرة، إذ يعزز مكانة السعودية بوصفها راعية للحرمين الشريفين، وقوة قيادية في العالم الإسلامي.

وفي المحصلة، يمثّل الاتفاق تطورًا مهمًّا، لكن دلالته الحقيقية ستعتمد على الكيفية التي ستترجم بها الدول الثلاث لغة الدفاع الجماعي الواسعة الواردة فيه إلى إجراءات ملموسة، وخطط عملياتية، وقرارات فعلية عند وقوع أول أزمة خطيرة، والتي قد يكون مسرحها الأول، على الأرجح، البحر الأحمر واليمن.

ومن ثم، قد تكون مشاركة المعلومات الاستخباراتية، ونشر الوحدات البحرية، وتقديم دعم للدفاع الجوي، والمساندة اللوجستية، وإجراء تدريبات مشتركة في البحر الأحمر وباب المندب من بين النتائج العملية المبكرة المحتملة. كما يمكن أن يمتدّ التعاون إلى خارج الشرق الأوسط، ولاسيّما إلى السودان والصومال، حيث تمتلك الدول الثلاث مصالح سياسية واقتصادية وأمنية.


[1] Institute for the Study of War (ISW) and Critical Threats Project (CTP). “Iran Update Special Report, August 7, 2026.” August 7, 2026. Institute for the Study of War.

[2] أشرف محمد عبدالحميد كشك، «مستقبل الأمن الإقليمي في الخليج العربي والشرق الأوسط»، مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة (دراسات)، 22 يوليو 2026، مركز دراسات؛

Nadim Houry, “After the War: Rethinking Regional Security in the Middle East,” Arab Reform Initiative, March 13, 2026, Arab Reform Initiative; Shorooq Al Zaabi, “Symbolic States: Role Performance and Security in the Middle East Regional Security Complex,” Anthropology of the Middle East 21, no. 1 (2026): 109–132, https://doi.org/10.3167/ame.2026.210107.

[3] Saudi Press Agency (SPA), “Ministry of Defense: Pakistani Military Force Arrives in Saudi Arabia Under Strategic Mutual Defense Agreement,” April 11, 2026, https://www.spa.gov.sa/en/N2557387; Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI), “Global Military Spending Rise Continues as European and Asian Expenditures Surge,” April 27, 2026, https://www.sipri.org/media/press-release/2026/global-military-spending-rise-continues-european-and-asian-expenditures-surge.

[4] Associated Press. “A Roundup of the Latest Developments in the Middle East.” August 7, 2026. AP News.

[5] Reuters, “Turkey, Pakistan, Saudi Arabia Defence Pact Technically Same as NATO’s Article 5, Turkish Minister Says,” August 8, 2026, Reuters article.

[6] CNN عربية، “وزير الخارجية التركي يتوقع انضمام مصر إلى تحالف “اتفاقية مكة” للدفاع المشترك”، 8 أغسطس 2026، CNN بالعربية.

[7] Reuters, “Turkey, Pakistan, Saudi Arabia Defence Pact.”

[8]  Serhat S. Çubukçuoğlu, “Saudi Arabia-Turkey-Pakistan Pact,” (London), Reuters Turkey Bureau, August 7, 2029.

[9] Reuters, “Turkey, Pakistan, Saudi Arabia Defence Pact.”

[10]  Çubukçuoğlu, “Saudi Arabia-Turkey-Pakistan Pact”.

[11] Asif Shahzad, Saad Sayeed, and Mubasher Bukhari, “Pakistan Deploys Jet Squadron, Thousands of Troops to Saudi Arabia during Iran War,” Reuters, May 18, 2026, Reuters article

[12] Government of Pakistan, Press Information Department, “20th Round of Pakistan–Türkiye High Level Military Dialogue Group,” April 7, 2026, Press Information Department; Çubukçuoğlu, “Saudi Arabia-Turkey-Pakistan Pact”.

[13] وكالة الأنباء السعودية (واس)، “البيان المشترك الصادر في ختام زيارة رئيس جمهورية تركيا للمملكة”، فبراير 2026، https://www.spa.gov.sa/w2504554

[14] Çubukçuoğlu, “Saudi Arabia-Turkey-Pakistan Pact”.

[15] Times of India, “‘Paper Agreement Will Not Bring Security’: Iranian Lawmaker Attacks Saudi-Turkey-Pakistan Pact,” August 8, 2026, Times of India article.

[16] Reuters, “Saudi Arabia, Turkey, Pakistan Pledge Mutual Defence as Middle East Turmoil Escalates,” August 7, 2026, Reuters article; NBC News, “Saudi Arabia, Turkey, Pakistan Pledge Mutual Defense,” August 7, 2026, NBC News article.

[17] S. Sager, “Why Saudi Arabia, Pakistan, and Turkey Just Signed a Defense Pact,” Atlantic Council, August 8, 2026, Atlantic Council article.

[18] محمد السامعي، “الجيش اليمني يعلن تنفيذ عمليات عسكرية ضد الحوثيين بعدة محاور”، وكالة الأناضول، 8 أغسطس 2026، وكالة الأناضول.

[19] U.S. Department of State, “Saudi Arabia Travel Advisory,” updated May 21, 2026, U.S. Department of State.

[20] ISW and CTP, “Iran Update Special Report, August 7, 2026.”

[21] International Maritime Organization (IMO), “The Djibouti Code of Conduct,” accessed August 8, 2026, International Maritime Organization.

[22] Edmarverson A. Santos, “Saudi Arabia–Turkey–Pakistan Defense Pact: Is It a New ‘Islamic NATO’?,” Diplomacy and Law, August 8, 2026, Diplomacy and Law;