أُجريت الانتخابات التشريعية في إسرائيل في 27 أكتوبر 2026 لانتخاب 120 عضوًا للكنيست السادس والعشرين، في ظل هيمنة ملف الأمن على الحملات والمنافسة الانتخابية، ووسط ضغوط متزايدة على الاقتصاد الإسرائيلي نتيجة الحروب المستمرة منذ 2023، والتي تسببت بانكماش الاقتصاد الإسرائيلي بنسبة 3.3% خلال الربع الأول من عام 2026.[1]
وشكّلت هذه الانتخابات محطة بارزة في المشهد السياسي الإسرائيلي، إذ أفرزت نتائجها برلماناً منقسماً من دون أغلبية حاسمة لأي معسكر سياسي. ورغم تصدّر حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو للنتائج، فإن معسكره اليميني والديني خسر الأغلبية البرلمانية التي امتلكها منذ انتخابات 2022، ما أعاد إسرائيل إلى مأزق المفاوضات الائتلافية واحتمالات إعادة تشكيل الخريطة السياسية.
ولا تشير النتائج إلى تحول أيديولوجي عميق داخل المجتمع الإسرائيلي، لكنها تكشف عن تراجع قدرة نتنياهو على احتكار المشهد وعودة حالة الانسداد السياسي أو “اللا حسم” المرتبطة بصعوبة تشكيل ائتلافات مستقرة التي طبعت السياسة الإسرائيلية خلال العقد الماضي. وفي المدى المنظور، ستظل هوية الحكومة القادمة أقل أهمية من حقيقة استمرار التوافق الإسرائيلي الواسع حول أولويات الأمن القومي ومواجهة التهديدات الإقليمية، ما يعني أن التغيير المرجح سيكون في القيادة والتحالفات السياسية أكثر منه في جوهر السياسات الاستراتيجية.
يسعى هذا المقال التحليلي إلى تحليل نتائج الانتخابات الإسرائيلية وتداعياتها على السياسة الخارجية والوضع الاقتصادي لإسرائيل.
أولًا- نتائج الانتخابات ودلالاتها:
لم تُسفر الانتخابات الإسرائيلية عن فائز واضح، إذ لم يتمكن كل من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وزعيم المعارضة غادي آيزنكوت من تأمين مسار مباشر للوصول إلى السلطة. وقد تواجه إسرائيل الآن أسابيع من عدم اليقين السياسي.
أعلنت لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية، في الساعات الأولى من صباح الجمعة، النتائج النهائية الرسمية لانتخابات البرلمان (الكنيست) فبعد فرز الأصوات كاملةً في انتخابات الكنيست السادس والعشرين، التي من المقرر إعلانها رسميًا في 4 نوفمبر، جاءت النتائج على النحو التالي:
جدول (1)
نتائج الانتخابات التشريعية الإسرائيلية_ حسب الأحزاب
| الحزب | عدد المقاعد | نتائج انتخابات 2022 |
| الليكود | 27 | 32 |
| يشار | 21 | تأسس عام 2025 |
| معًا “بياحد” | 12 | تأسس الحزب عام 2026 |
| القائمة المشتركة | 11 | “5”(أ) |
| القائمة العربية الموحدة “رعام” | 8 | 5 |
| الديمقراطيون | 8 | تأسس عام 2024 |
| إسرائيل بيتنا | 7 | 6 |
| يهدوت هتوراة | 7 | 7 |
| القوة اليهودية (عوتسما يهوديت- بن غفير) | 7 | 6 |
| شاس | 6 | 11 |
| الصهيونية الدينية (سموتريتش) | 6 | 7 |
ملاحظات:
(أ) حصل تحالف (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والحركة العربية للتغيير) إلى جانب القائمة العربية الموحدة، على 10 مقاعد مناصفة.
المصدر:
Keshet Neev, “Israel Election Results: Netanyahu Bloc Holds Lead with Double Envelopes after 97% of Votes Counted,” Jerusalem Post, October 28, 2026, updated October 30, 2026, https://www.jpost.com/israel-election-2026/article-913164.
وكما يتضح من جدول (1)، تراجع التأييد الشعبي للائتلاف الحاكم، برغم تصدر حزب “الليكود” الانتخابات بـ 27 مقعدا، الذي فقد 5 مقاعد مقارنةً بالكنيست السابق. وثمة تراجع غير مسبوق لحزب “شاس” الحريدي الذي نال 6 مقاعد للمرة الأولى منذ عام 1992، وخسر 5 مقاعد مقارنةً بانتخابات نوفمبر 2022.[1] فيما خسر الحزب الصهيوني الديني برئاسة بتسلئيل سموتريش، وحزب عوتسما يهوديت (القوة اليهودية) برئاسة إيتمار بن غفير مقعدًا واحدًا لكل منهما مقارنةً بانتخابات نوفمبر 2022.
في المقابل، حصل حزب “يشار”، بزعامة مرشح المعارضة الرئيسي غادي آيزنكوت، على 21 مقعدًا، فيما حصل حلفاؤه الثلاث (معًا، والديمقراطيين، وإسرائيل بيتنا) على 12 و8 و7 مقاعد على التوالي. ويلاحظ أنّ أحزاب المعارضة التي تشكل كتلة “التغيير”، باستثناء “إسرائيل بيتنا” الذي أضاف مقعدًا واحدًا مقارنةً بانتخابات نوفمبر 2022، هي تشكيلات حزبية جديدة لم تدخل الانتخابات السابقة بهذه المسميات. ولكن حزب الديمقراطيين بزعامة يائير جولان أضاف أربعة مقاعد مقارنةً بأداء مكونيه المندمجين (حزبا العمل وميرتس) في انتخابات نوفمبر 2022. تحالف رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت وزعيم المعارضة يائير لبيد (حزب معًا) خسر نحو 12 مقعدًا مقارنةً بما كان يستحوذان عليه في الكنيست السابق.
ومن ناحيةٍ ثالثة، حققت الأحزاب العربية، المنخرطة في ائتلافين: القائمة العربية الموحدة “رعام” والقائمة المشتركة، المفاجأة في هذه الانتخابات؛ حيث حصلت على 19 مقعدًا (نحو 16% من المقاعد)، وهو أكبر إنجاز تحققه الأحزاب العربية في تاريخها بالكنيست.
جدول (2)
نتائج الانتخابات التشريعية الإسرائيلية_ حسب الائتلافات الانتخابية
| الائتلاف | عدد المقاعد | % من مقاعد الكنيست |
| كتلة ليكود-نتنياهو | 53 | 44% |
| كتلة التغيير-آيزنكوت | 48 | 40% |
| القائمة المشتركة | 11 | 9.2% |
المصدر: سكاي نيوز عربية، “ رسميا.. إعلان النتائج النهائية لانتخابات إسرائيل ،” 30 أكتوبر 2026، https://2u.pw/zpKrtq.
وكما يتضح من جدول (2)، فقدت م كتلة نتنياهو (الليكود – شاس – يهدوت هتوراة – قوة يهودية – الصهيونية الدينية) الأغلبية البرلمانية[2]، لكنها تظل الكتلة الأكبر؛ حيث حصلت على 53 مقعدًا (نحو 44% من مقاعد الكنيست)، بفارق 8 مقاعد عن الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة (61 مقعدً).
فيما حصلت كتلة “التغيير” (يشار – بياحد – إسرائيل بيتنا – الديمقراطيون) على 48 مقعدًا (نحو 40% من المقاعد)، بفارق 13 مقعدًا عن الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة (61 مقعدً).
ويمتلك حزب “رعام” والقائمة المشتركة معًا ميزان القوة، وهما الكتلة الوحيدة القادرة على تمكين أي من الطرفين من تجاوز عتبة 61 مقعدًا. ومن الناحية الحسابية، يجعل ذلك الأحزاب العربية “صانعة للملوك”. ولكن من الناحية العملية، يرى محللون أنه من غير المرجح أن تؤدي هذا الدور، لأن رفض الأحزاب الأخرى مشاركتها في الحكم يشكل نوعًا من الفيتو السياسي. فقد رفض كل من نتنياهو وآيزنكوت إقامة شراكة معها، مستشهدين بغياب القيم المشتركة. بل إنّ نتنياهو وصف الائتلاف مع الأحزاب العربية بأنه “مخزٍ”.
وهكذا، تشير نتائج انتخابات الكنيست الـ 26 إلى استمرار حالة عدم اليقين السياسي، حيث لم يتمكن أي من معسكري نتنياهو وآيزنكوت من بلوغ أغلبية 61 مقعدًا، ومن ثم تشكيل حكومة جديدة. فآيزنكوت يحتاج إلى التحالف مع الأحزاب العربية أو توحيد الصفوف مع نتنياهو في حكومة وحدة وطنية، فيما يحتاج نتنياهو استقطاب حلفاء من المعارضة، وفي ظل صعوبة هذه الخيارات، كما سيتضح لاحقًا، قد تطول مفاوضات تشكيل الحكومة وصولًا إلى احتمال إجراء انتخابات جديدة ؛ ما يعيد الحديث عن أزمة حكم مستمرة، أو مسار بقاء نتنياهو في السلطة.
وقد يتمكن نتنياهو في البقاء في السلطة في حالة تشكيل حكومة ائتلافية باستمالة أحزاب أو نواب من المعارضة اليمينية، أو تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم آيزنكوت أو بينيت مع استبعاد بعض حلفاء اليمين المتطرف. أما الخيار الثالث، فيتمثل في الاستعانة بحزب عربي لتأمين أغلبية برلمانية، رغم صعوبة هذا الخيار سياسيًا. بل إنّ نتنياهو، نفسه، حذّر من تشكيل “حكومة خطرة” تضم أحزابًا عربية.
وبلغت نسبة المشاركة العامة في الانتخابات للكنيست السادس والعشرين 77.97%، وهي الأعلى منذ 1999، فيما بلغت نسبة المشاركة في القطاع العربي بإسرائيل نحو 80%؛ حيث شهدت هذه الانتخابات زيادة كبيرة في تصويت المواطنين العرب، الذين كانت معدلات مشاركتهم تقليديًا أقل من معدلات اليهود الإسرائيليين. وقد دفعت الرغبة الملحّة في إسقاط ائتلاف نتنياهو اليميني المواطنين العرب في إسرائيل، الذين يشكلون نحو 20% من السكان، إلى المشاركة بكثافة. وقد منح الإقبال القياسي للناخبين العرب أحزابهم ثقلًا برلمانيًا غير مسبوق. ووفقًا لنير حسون، شارك الفلسطينيون في القدس الشرقية في التصويت بأعلى نسبة منذ عام 1967. وارتفع عدد الناخبين في بلدة صور باهر بمقدار ثلاثة أضعاف ونصف مقارنة بانتخابات عام 2022.[3]
وتعكس نتيجة الانتخابات إعادة تموضع لكل من أيزنكوت ونتنياهو، فقد أظهرت ضعف قدرة نتنياهو على تشكيل الحكومة، لكنها لم تنه مركزيته كزعيم لأكبر حزب إسرائيلي، ومنحت أيزنكوت شرعية المنافس الرئيسي لنتنياهو. كما تمثل النتائج اختبارًا لكل من أيزنكوت ونتنياهو؛ حيث تختبر قدرة الأول في الحفاظ على تماسك معسكره “غير المتجانس”، وحدود وفائه بالتزاماته الانتخابية، بينما ستختبر قدرة نتنياهو أيضًا في الحفاظ على تماسك كتلته، وإمكانية اجتذاب أو استقطاب أطراف من معسكر التغيير لتشكيل حكومة، ومدى التنازلات التي قد يقدمها مقابل الاحتفاظ بمنصب رئيس الحكومة في أي تشكيل ائتلافي محتمل.
وقد أظهرت الانتخابات حجم الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي. ويعكس ذلك نظامًا سياسيًا تقلصت فيه بشدة إمكانات تشكيل الائتلافات بسبب الاستقطاب الأيديولوجي، واتجاه الناخبين اليهود نحو اليمين، وتنامي تطبيع تيار “الصهيونية الدينية” في المجتمع، والخلاف بشأن شرعية المشاركة السياسية العربية[4].
وبشكل عام، فقد عززت نتائج الانتخابات قوة الأحزاب الأصغر من الحزبين الكبيرين (ليكود ويشار)، ومنحتهم قوة تفاوضية تتجاوز قوتهم السياسية.
ثانيًا- سيناريوهات تشكيل الحكومة الجديدة:
تفتح نتائج الانتخابات الباب أمام سيناريوهات لتشكيل الحكومة[5] ومنها:
- الفشل في تشكيل الحكومة والذهاب إلى انتخابات جديدة:
ثمة احتمال ألا نتمكن أيٌّ من الكتلتين من تشكيل حكومة، ما قد يؤدي إلى إجراء انتخابات جديدة، وربما عدة جولات انتخابية خلال الأشهر أو حتى السنوات المقبلة، كما حدث مرارًا بين عامي 2019 و2022. ويتعزز هذا الاحتمال إذا استمر رفض قادة معسكر التغيير الائتلاف الحكومي مع نتنياهو، وتعذر استقطابه قوى من خارج معسكره، بالتزامن مع رفضه للتعاون مع الأحزاب العربية.
وإذا اتجهت إسرائيل إلى انتخابات جديدة، فمن المرجح أن يحاول آيزنكوت تشكيل الحكومة للمرة الثانية. لكن إذا أخفق مجددًا، فسيخرج نتنياهو من هذه العملية أكثر قوة، ما قد لا يترك أمام آيزنكوت خيارًا سوى الرضوخ لحكومة يقودها الليكود أو تقديم دعم ضمني لها. وفي غضون ذلك، سيبذل نتنياهو، بصفته رئيسًا لحكومة تصريف الأعمال، كل ما في وسعه لإبقاء اهتمام الرأي العام منصبًا على الحرب، مع المضي قدمًا في تشديد سياساته المتشددة.
وهذا السيناريو ليس حتميًّا؛ فقد تدفع كلفة الانتخابات الجديدة، والخشية من خسارة المقاعد، بعض الأطراف إلى مراجعة تعهداتها. ولذلك، تتوقف فرص هذا السيناريو على مدى صلابة المواقف بعد بدء المفاوضات، لا على المواقف الانتخابية وحدها التي أعلنت مسبقًا في سياق الحملات الانتخابية.
- تشكيل حكومة وحدة وطنية:
قد يؤدي تعذر تشكيل حكومة من كتلة واحدة إلى تفاهم بين الليكود وأطراف من معسكر التغيير، سواء برئاسة نتنياهو أو ضمن صيغة تناوب مدفوعًا بكلفة الذهاب لانتخابات جديدة، والضغوط الداخلية، والتدخل الأمريكي. ويتوقف نجاح هذا المسار على الاتفاق بشأن ترتيب رئاسة الحكومة وضمانات تنفيذ التفاهمات، وهوية الشركاء، وتوزيع الصلاحيات، والحقائب، وقد توسع هذه الحكومة قاعدة اتخاذ القرار، ولكنها أيضًا لا تضمن الاستقرار تلقائيًّا.
ويرجح استمرار المفاوضات المعقدة خلال الأسابيع المقبلة، مع بقاء حكومة الوحدة الوطنية كأكثر السيناريوهات واقعية. ويتطلع بعض الإسرائيليين إلى تدخل الرئيس ترامب لكسر الجمود عبر دعم حكومة وحدة وطنية، باعتبارها المخرج الأكثر واقعية للأزمة ويخدم المصالح الأمريكية. ويرى هؤلاء أن حكومة تستبعد اليمين المتطرف ستمنح ترامب فرصة للمضي بخطته بشأن قطاع غزة. غير أن نجاح هذا السيناريو يبقى مرهونًا بتجاوز أزمة الثقة، في ظل اتهامات نتنياهو بعدم الالتزام باتفاق التناوب مع بيني غانتس عام 2020.
- احتمال تشكيل حكومة أقلية
ثمة احتمال لتشكيل حكومة أقلية يمكنها الفوز بثقة الكنيست من دون امتلاك أغلبية مطلقة من 61 مقعدًا. وفي هذا السيناريو، قد توافق الأحزاب العربية على دعم كتلة المعارضة من خارج الحكومة.
وأبدى كلٌ من رئيس القائمة المشتركة، يوسف جبارين، ورئيس كتلتها البرلمانية، أحمد الطيبي، الاستعداد لدعم حكومة أقلية إذا استُجيب لمجموعة من المطالب، للحؤول دون استمرار نتنياهو في منصبه. ولكن اعتراض بعض أحزاب المعارضة على الاعتماد عليها قد يعقّد هذا الخيار، إذ رفض زعيم حزب “إسرائيل بيتنا”، أفيغدور ليبرمان، صراحةً مثل هذا الترتيب قبل الانتخابات.
ويلاحظ أنّ حكومة نفتالي بينيت ويائير لابيد، التي تشكلت عام 2021، كانت أول حكومة في تاريخ إسرائيل تضم حزبًا عربيًا، هو رعام، بزعامة منصور عباس، لكن التجربة كانت قصيرة ومثيرة للجدل. واتخذ بينيت منذ ذلك الحين موقفًا حازمًا ضد إشراك أي حزب عربي في ائتلاف مستقبلي.
ومن ثم، يبقى مسار تشكيل حكومة أقلية بزعامة آيزنكوت وبتأييد عربي صعبًا للغاية، في ضوء مواقف أطراف داخل معسكر التغيير، والكلفة السياسية للإقدام على هذه الخطوة.
ولكن قد ينجح معسكر المعارضة في تشكيل الحكومة، عن طريق استمالة عدد من أعضاء الليكود إلى صفه. وفي هذا الصدد، يسعى ليبرمان إلى استغلال علاقاته داخل حزب الليكود لاستمالة عدد من أعضائه. ومع ذلك، فإن فرص نجاح هذه المبادرة ضئيلة، لأنها تتطلب انشقاق 11 عضوًا من الكنيست، رغم تأكيد ليبرمان وجود أعضاء مستعدين لاتخاذ هذه الخطوة.[6]
ثالثًا- آفاق السياسة الخارجية الإسرائيلية بعد الانتخابات:
تشير الصورة العامة التي أفرزتها الانتخابات إلى أنه من غير المرجح حدوث تغييرات جوهرية في السياسة الخارجية الإسرائيلية على المدى القريب.[7] فسواء نجح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أو معسكر المعارضة في تشكيل الحكومة، لا يُتوقع أن يُقدم أي منهما على تغييرات جذرية في الهدف الاستراتيجي الإسرائيلي طويل الأمد، المتمثل في إعطاء الأولوية للحرب الوقائية، والعمليات الاستباقية، والدفاع المتقدم، بدلًا من الردع التقليدي، وتوسيع النطاق الأمني الإسرائيلي إلى ما وراء الحدود المعترف بها، من خلال إنشاء مناطق عازلة مرنة وغير محددة المعالم، والحفاظ على وجود عسكري مستدام فيها. ومن المرجح أيضًا استمرار التوترات مرتفعة المستوى مع تركيا، مع بقاء احتمال ضئيل للغاية لاندلاع مواجهة مسلحة بشأن سوريا، أو قبرص، تبعًا للدور الذي قد تؤديه اليونان.
ومن المرجح أن تستمر الحرب مع إيران لفترة طويلة، تتخللها موجات من التصعيد والتوترات الحادة والعمليات العسكرية المحدودة، دون التوصل إلى تسوية حاسمة. ويُتوقع أن يواجه نتنياهو قيودًا أكبر بوصفه رئيسًا لحكومة تصريف الأعمال، لكن خبراء يرون أن حكومته قد تحتفظ بصلاحيات واسعة، من بينها سلطة خوض حرب ضد إيران. ويرى خبراء أن نتنياهو قد يستغل اندلاع حرب شاملة جديدة للضغط باتجاه تشكيل حكومة وحدة وطنية تبقيه في رئاستها.[8]
وقد يؤدي ذلك إلى تأجيل ما قاومه نتنياهو طويلًا: إجراء تحقيق علني في الإخفاقات الأمنية التي سبقت هجوم 7 أكتوبر 2023، وهو الهجوم الأكثر قوةً في تاريخ إسرائيل، والذي أشعل حرب غزة.
ووفقًا للمفهوم الأمني الناشئ في إسرائيل، فإن “الولايات المتحدة قوة آخذة في التراجع، وبالنظر إلى التحولات الاجتماعية والسياسية الجارية فيها، فإنها ستتخلى عن إسرائيل في نهاية المطاف، وفي وقت ليس ببعيد”. ولذلك، بدأت إسرائيل إعادة ضبط استراتيجيتها لضمان قدر أكبر من الاعتماد على الذات في ظل احتمالات تراجع الدعم الأمريكي، وترسيخ مكانتها بوصفها قوة إقليمية مهيمنة. ويتجلى هذا التحول الاستراتيجي في إقرار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأن الاعتماد على المساعدات العسكرية الأمريكية سوف “يتراجع تدريجيًا” خلال العقد المقبل، بما يؤذن بمرحلة جديدة من توطين القدرات الاستراتيجية وتعزيز النشاط العسكري.
ومع ذلك، يظل الاستثمار في القوة الناعمة لتحسين صورة إسرائيل خارجيًّا أولوية لدى أي ائتلاف جديد، على ألا يأتي ذلك على حساب المساس العميق بمحددات الأمن الإسرائيلي وضمانه، وحدود ما قد تراه إسرائيل “استقلالًا لقرارها”.
رابعًا- التداعيات الاقتصادية:
بعيدًا عن حالة عدم اليقين المباشرة، سترث الحكومة المقبلة، أيًّا كان الطرف الذي سيشكلها، ضغوطًا مالية متزايدة، وارتفاعًا في تكاليف المعيشة، ونقصًا في العمالة، فضلًا عن هجرة الكفاءات والعقول الشابة. وعلى الرغم من تسجيل نمو سنوي متواضع في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.4%، يظل الاقتصاد الإسرائيلي عرضة للهشاشة الداخلية والاعتماد على التجارة الخارجية.
ومن اللافت أن القضايا الاقتصادية تأتي في مرتبة متأخرة بفارق كبير عن القضايا الأمنية في سلم أولويات الناخبين الإسرائيليين، الذين يمنحون الأمن الأولوية القصوى. ومع ذلك، يحذر اقتصاديون من أن قدرة الاقتصاد على الصمود في زمن الحرب تخفي وراءها تدهورًا في المؤشرات الأساسية للاقتصاد الكلي. فقد أدى ارتفاع الإنفاق الحكومي إلى زيادة الضرائب، والضغط على دخول الأسر، فيما أسهم تصاعد الدين العام في زيادة الأعباء المالية المستقبلية.
ومن المرجح أن يحافظ أي ائتلاف حكومي بقيادة نتنياهو على أولويات الموازنة القائمة، بما في ذلك تمويل المجتمعات اليهودية المتشددة دينيًا (الحريديم)، والمستوطنات غير المشروعة في الضفة الغربية. وتسهم هذه المخصصات في دعم فئات تتسم بانخفاض معدلات مشاركتها في سوق العمل، فضلًا عن تحويل الموارد المالية بعيدًا عن الخدمات العامة.
في المقابل، قد تعطي حكومة تقودها المعارضة الأولوية لخفض تكاليف المعيشة، وتوسيع فرص العمل، واستعادة الثقة بالمؤسسات. ويقترح حزب “ياشار” الذي يتزعمه غادي آيزنكوت تقليص الحواجز أمام الواردات، وتعزيز المنافسة في الأسواق، وإعطاء الأولوية للأسر العاملة والشباب وجنود الاحتياط في الحصول على مساعدات الإسكان ودعم تكاليف رعاية الأطفال. ومع ذلك، فإن تنفيذ هذه السياسات سيعتمد على الاتفاقات الائتلافية والقيود المالية.
وبصرف النظر عن هوية الحكومة المقبلة، ستظل حماية قطاع التكنولوجيا أمرًا أساسيًا، في ظل ارتفاع تكاليف استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها، وتزايد اتجاه الشركات الناشئة إلى تسجيل أعمالها في الولايات المتحدة. كما سيواصل ارتفاع الإنفاق الدفاعي فرض ضغوط على المالية العامة، في حين أن أي توسع إضافي في الاستيطان قد يؤدي إلى تعميق العزلة الدولية لإسرائيل، وتعريض تجارتها الخارجية لمزيد من القيود واسعة النطاق.
خاتمة:
تُظهر نتائج الانتخابات الإسرائيلية أن تراجع التأييد للائتلاف الحاكم لم يتحول إلى تفويض واضح للمعارضة، بما يعكس استمرار أزمة إنتاج أغلبية قادرة على الحكم في ظل الاستقطاب السياسي والأيديولوجي والمجتمعي. فقد احتفظ نتنياهو بموقعه محورًا رئيسيًا في المعادلة السياسية، بينما برز آيزنكوت منافسًا رئيسًا يواجه اختبار تحويل المكاسب الانتخابية إلى توافق ائتلافي. كما كشف الصعود البرلماني للأحزاب العربية عن مفارقة بين تنامي وزنها الانتخابي واستمرار القيود السياسية على مشاركتها في تشكيل السلطة. ومن ثم، ستتحدد مآلات الانتخابات بقدرة القوى المتنافسة على تقديم التنازلات وبناء الثقة، بقدر ما تتحدد بتوزيع المقاعد.
وعلى صعيد السياسة الخارجية، يرجح أن تكون مساحة التغيير في أدوات إدارة الصراع وأولويات التحرك الدبلوماسي أوسع منها في التصورات الأمنية الأساسية، مع استمرار مركزية مواجهة إيران والحفاظ على التفوق العسكري. ومع ذلك، تظل تركيبة الحكومة المقبلة ومدى اعتمادها على أحزاب اليمين المتطرف عاملين مؤثرين في قدرتها على التعامل مع المبادرات الإقليمية والضغوط الدولية. ولذلك، فإن تشكيل حكومة جديدة، حتى بصيغة وحدة وطنية، لا يعني بالضرورة الانتقال إلى نهج أكثر تهدئة، ما لم تصاحبه مراجعة لحسابات استخدام القوة وتكاليف استمرار الصراع.
اقتصاديًا، ستواجه الحكومة المقبلة معضلة التوفيق بين الإنفاق الدفاعي المتزايد ومتطلبات الاستقرار المالي وتحسين مستويات المعيشة، في وقت تضيق فيه مساحة المناورة بفعل الالتزامات الائتلافية وأعباء الحروب. ويجعل ذلك التعافي الاقتصادي مرتبطًا باستعادة قدر من الاستقرار السياسي والأمني والثقة بالمؤسسات. وتبقى المسألة الحاسمة مدى قدرة التسوية الحكومية المرتقبة على معالجة هذه الاختلالات، أم أنها ستقتصر على إدارة الجمود وإعادة إنتاجه، بما يحمله ذلك من تداعيات على إسرائيل وبيئتها الإقليمية.
[1] Israel’s economy shrinks in first quarter but seen rebounding after Iran war | reuters, n.d. https://www.reuters.com/world/middle-east/israel-q1-gdp-shrinks-33-annualised-iran-war-weighs-2026-05-17/.
[1] Gerry Shih and Lior Soroka, “Israeli Election Results Show Netanyahu Is Far from Defeated,” Washington Post, October 28, 2026, https://www.washingtonpost.com/world/2026/10/28/latest-israeli-results-show-netanyahu-is-far-defeated/.
[2] France 24, “Israeli Election: PM Loses a Significant Number of Seats since 2022 Election,” October 28, 2026, video, https://www.france24.com/en/video/20261028-israeli-election-pm-loses-a-significant-number-of-seats-since-2022-election. soz6.
[3] Nir Hasson, “Breaking a Decades-Old Taboo, East Jerusalem Palestinians Turn Out in Force,” Haaretz, October 28, 2026, https://www.haaretz.com/israel-news/elections/2026-10-28/ty-article/.premium/breaking-a-decades-old-taboo-east-jerusalem-palestinians-turn-out-in-force/000001a1-838d-d852-a7bf-ab9dbfb40000.
[4] Shira Efron, “‘Israeli Electorate Has Moved Rightward: Many Underestimated Extent of Fracture in Israeli Society,’” interview by Erin Ogunkeye, France 24, October 28, 2026, video, https://www.france24.com/en/israeli-electorate-has-moved-rightward-many-underestimated-extent-of-fracture-in-israeli-society.
[5] Rachel Nelson et al., “How Israel Forms a Government: Coalition Scenarios and the Timeline Ahead,” Middle East Policy Council, October 27, 2026, https://mepc.org/principals-brief/how-israel-forms-a-government-coalition-scenarios-and-the-timeline-ahead/ك Tom Bennett, “How Could Israel Break Election Deadlock? Here Are Four Scenarios,” BBC News, October 30, 2026, https://www.bbc.com/news/articles/cm62y46d97wwo.
[6] ILH Staff, “Partial Count Gives Netanyahu’s Bloc 53 Seats to Eisenkot’s 48,” Israel Hayom, October 28, 2026, https://www.israelhayom.com/2026/10/28/netanyahu-likud-largest-party-exit-polls/. Israel Hayom.
[7] France 24, “Israeli Election: Lebanon Expects Little Change in Israeli Policy,” October 28, 2026, video, https://www.france24.com/en/video/20261028-israeli-election-lebanon-expects-little-change-in-israeli-policy.
[8] France 24, “Israel Election: What Impact on Iran as the War in the Middle East Continues?,” October 28, 2026, video, https://www.france24.com/en/video/20261028-israel-election-what-impact-on-iran-as-the-war-in-the-middle-east-continues. soz6.