كتب

الاستقلال الاستراتيجي لدولة الإمارات العربية المتحدة… إعادة تعريف الاستقلالية في عصر صراعات القوى الكبرى

17 سبتمبر 2026

شَهِدَ النظام العالمي منذ نهاية الحرب الباردة في مطلع تسعينيات القرن الماضي تحولات جذرية وبارزة في مختلف المجالات المحورية السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية والأمنية والاستراتيجية، أفضت إلى إعادة تشكيل موازين القوى وطبيعة صنع القرارات السياسية الدولية. وأدى النظام العالمي الثنائي القطب الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية إلى انقسام الدول بين قطبي القوة الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. إذ اعتمدت كلتا القوتين على سباق التسلح وتنامي القوة العسكرية والسياسية للسيطرة على النظام العالمي كله بالاعتماد على توظيف مختلف أدوات السياسة الخارجية والحفاظ على كافة مصالحهما الخارجية؛ ولاسيما في مناطق نفوذ كل من القوتين. وأدى هذا التقسيم بين قطبي القوى العالمية إلى نشوء التنافسية والصراعات والتوازنات الدولية، كما تأثرت الأحداث العالمية تأثرًا جليًا بسياسات القطبين في مختلف المناطق كالشرق الأوسط، وأوروبا الشرقية وفي مناطق النفوذ الاستراتيجي للقوتين العالميتين.

لقد أدى انهيار الاتحاد السوفيتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي إلى ظهور نظام عالمي أحادي القطب بزعامة الولايات المتحدة وقيادتها للنظام العالمي التي بسطت نفوذها عالميا بالاعتماد على ما تمتلكه من القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية والفكرية. وقد أدى ذلك إلى تنامي القوة الأمريكية التي روجت لسياسات ومعايير دولية حديثة تضمنت إنشاء الأسواق الحرة والتدخل في الأزمات الدولية، ونشر القيم الليبرالية والاقتصادية والسياسية الملائمة لتوجهاتها السياسية، وقد أسهم ذلك في جعل الولايات المتحدة تؤدي دورًا محوريا مؤثرًا في تشكيل النظام العالمي المعاصر وهو ما عزز مكانتها وحضورها بوصفها الفاعل الأكثر تأثيرا في النظام العالمي، مع تأطير القوى العالمية الأخرى وفقًا لأدوار محددة بحسب طبيعة السياسات الأمريكية لإدارة النظام العالمي.

بالرغم من النفوذ العالمي لنظام أحادي القطب، فإن هذا النظام لم يتسم بالثبات المطلق؛ ولاسيما في مطلع القرن الحادي والعشرين، إذ بدأت تظهر ملامح قوى عالمية ناشئة تنذر بظهور نظام عالمي متعدد الأقطاب مع صعود قوى عالمية مختلفة. لقد مثّل صعود القوة الصينية

تحولا واضحا في بنية النظام العالمي، وهو ما مكن الصين من إعادة رسم ملامح النفوذ العالمي مدفوعة بقوة استثمارية وصناعية واقتصادية وعسكرية وسياسية وتكنولوجية أثبتت تفوق الصين وتنامي قوتها الداخلية والخارجية. كما ظهرت القوة الروسية التي تمكنت من استعادة مكانتها في النظام الدولي لما امتلكته من قوة عسكرية وطاقوية وعلاقات سياسية مع دول العالم، جعلتها تبدو قوةً عظمى في النظام العالمي. من جانب آخر تنامت المطالبات الدولية في كل من إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية بأدوار أكثر فاعلية في صوغ النظام العالمي، وأكثر عدالة في امتلاك القوة المؤثرة عالميًا. أما فيما يتعلق بدول الاتحاد الأوروبي المتحالفة مع الولايات المتحدة الأمريكية، فقد شهدت تحولات متسارعة في بنيته، كان من أبرزها خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، علاوة على التوترات والنزاعات القومية بين هذه الدول، نتيجة لتنامي تيار اليمين المتطرف ذي الصبغة القومية، وتخلي الولايات المتحدة عن أدوارها الفاعلة في المنظمات الدولية كشريك استراتيجي مع دول الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي أدى إلى إضعاف وحدة العالم الغربي بقيادة الولايات المتحدة، وهو ما مثل أحد العوامل التي أسهمت في تشكل نظام عالمي متعدد الأقطاب.