ما بعد الأصولية والعلمانية: البحث عن الطريق الثالث
إن العقل العربي الإسلامي، في كثير من بقاعه وليس كلها لايزال يدور في ساقية قديمة تجرها أفكار ميتة، ويستقي من مستنقعات آسنة، يحسبها ينابيع حية تتفجر ماء.
فكيف لهذا العقل أن يخطو إلى الأمام، وفي أحشائه ألغام تحريفية عقائدية مزروعة، تنتظر لحظة البناء لتنفجر ، وتُفَتِّتَ أركان ما يُرَادُ له أن يقوم؟
I ومن وجهة نظرنا، أن الأزمة الحضارية التي تعيشها معظم مجتمعاتنا اليوم، في جذرها، هي أزمة في طريقة التفكير»، وأزمة في «رؤية العالم»، وأزمة خلط مزمن بين المقدس الإلهي والبشري السياسي. وإذا لم نعالج هذه الأزمة في منشئها المعرفي، فإن كل إصلاح سياسي أو اقتصادي لن يكون أكثر من طلاء يُعاد وضعه على جدار آيل للسقوط.
يأتي هذا الكتاب حلقة رابعة في مشروع فكري متواصل ومتراكم البناء. بدأت حلقته الأولى في کتاب «نحو تأسيس عصر ديني جديد، وربما قبل ذلك في كتب تطور الأديان»، و«للوحي معان أخرى»، و«المجتمع المدني»، و«فلسفة المواطنة». لكننا نقف عند نحو تأسيس عصر ديني جديد» الذي دعا إلى تجاوز عصر الجمود الديني والخروج من دائرة الكهنوت الذي صنعه البشر، رافضا تجديد الخطاب الديني التقليدي بوصفه ترميما لبناء قديم، ومؤكدًا أن الأجدى إقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة ولغة جديدة. وذلك في دعوته إلى العودة إلى الإسلام النقي المنسي، قرآنا وسنة متواترة وعقلا نقديا، وليس إلى الإسلام المشوه بالموروثات الاجتماعية وقاع التراث. إن الدين هو الوحي الكريم فقط، أما التراث فهو اجتهادات بشرية، والمقدس هو الوحي فحسب.
ثم جاءت الحلقة الثانية في موسوعة الأديان العالمية الصادرة في ستة مجلدات التي سعت إلى تقديم معالجة شاملة للأديان الكبرى والصغرى، والملل والنحل، والمذاهب والفرق والطوائف، إضافة إلى التيارات الروحانية والأسطورية. ويعتمد هذا العمل على تحليل الأديان في تفاعلها مع التاريخ والفلسفة واللاهوت والتطورات الفكرية الحديثة. وما أضافه هذا العمل الموسوعي هو منهج عقلاني مركب، يجمع بين الوصف الموضوعي والنقد الفلسفي والتحليل التاريخي، دون أن يفقد الاحترام للظاهرة الدينية بوصفها مُكوّنًا مقدسا ومركزيا في الوجود الإنساني. وقد حظيت الموسوعة بجائزة الشيخ زايد العالمية للكتاب في دورتها العشرين، تقديراً لكونها مشروعًا معرفيا استراتيجيا، يدعم الرؤية الحضارية لترسيخ ثقافة التنوع والتعددية. إن التنوع والتعددية سنة كونية وطبيعة وقدر إلهي.