الإخوان المسلمون والسلفية الجهادية.. امتداد الفكر وتحولات العنف

InsightImage

الإخوان المسلمون والسلفية الجهادية.. امتداد الفكر وتحولات العنف

تأسست جماعة الإخوان المسلمين، باعتبارها المنظمة المركزية للإرهاب الإسلاموي، بهدف إقامة دولة الخلافة. ومن هذا الجذر نشأت السلفية الجهادية؛ لأن تفعيل جميع مفاهيم الحاكمية والجاهلية المعاصرة، ورفض الحكومات القائمة، والدولة الوطنية، والجمود الفكري، والمفهوم التراثي لدار الإسلام ودار الحرب -وهي شعارات السلفية الجهادية- هي أفكار انبثقت من كتابات وتعاليم جماعة الإخوان المسلمين[1]، التي ابتدعها سيد قطب أثناء وجوده خلف القضبان، من خلال سلسلة الكتب التي وضعت الأساس الأيديولوجي للحركة الجهادية السلفية. ولذلك؛ يقول الإخواني عبدالله عزام: وَضَّح سيد قطب معاني غابت عن الأذهان طويلًا، وَضَّح معاني ومصطلحات الطاغوت، والجاهلية، والحاكمية، والعبودية، والألوهية، والولاء والبراء، والتوحيد[2].

ومن المعروف أن جماعة الإخوان المسلمين، عندما صاغت هدف “أستاذية العالم”، افترضت أن تحقيقه لن يتم إلّا عبر استقطاب الأفراد والعائلات والسيطرة على المجتمع -وهو ما تعتبره إصلاحًا- وأنها من خلال هذه السيطرة سوف تتمكن من بلوغ السلطة المطلقة الدائمة التي تسميها “الخلافة”. ومنذ البداية، أعلنت الجماعة أساليبها وشعاراتها جهارًا، واعتبرت استخدام العنف تحت شعارات “الجهاد سبيلنا” و”الموت في سبيل الله أسمى أمانينا” أسلوبها في الوصول إلى الهدف. ومن منطلق أن هذا الهدف وتلك الشعارات نشأت في مجتمع إسلامي تحكمه روح الشريعة الإسلامية، ويفخر بالأزهر، المؤسسة الدينية الأسمى في العالم الإسلامي، فإن ذلك يثير حتمًا التساؤل: ضد من سيخوض هؤلاء الأفرادُ الجهادَ؟ وكيف سيُستشهدون في معركة ضد مسلمين مثلهم، أو ضد مواطني أي دولةٍ في العالم الإسلامي؟

ومن هنا، سوف يَتَّضِح أن الأيديولوجيا القائمة على التطرف والإرهاب، وتصورات جميع الجماعات الإسلامية اللاحقة، كلها تستند إلى أيديولوجيا هذه الجماعة، كما سيتضح أن “السلفية الجهادية” ليست إلّا تطبيقًا عمليًّا لهذه الأيديولوجيا، التي وُضعت أصلًا لتنفيذ أفكار جماعة الإخوان المسلمين. وبما أن جميع قادة السلفية الجهادية كانوا في مرحلةٍ ما أعضاءً في جماعة الإخوان المسلمين، فإن الفرق بينهم يكمن فقط في أسلوب استخدام الوسائل لتحقيق الهدف، ألا وهو هدف الاستيلاء على السلطة، والجهاد المسلح ضد أي حكومة قائمة على العقل. وعليه، فإن هذا البحث سيتناول جذور السلطة الفكرية وتاريخ سلوك هاتين الجماعتين.

المنطلق والتداخل

تستمد النظريات المتعلقة بالسلفية الجهادية جذورها من فكر جماعة الإخوان المسلمين؛ لأن المنهج الفكري لحسن البنا، مؤسس هذه الجماعة، ولاسيّما في أواخر حياته، كان يقوم على أن التغيير لا يتحقق إلّا بالقوة والمواجهة، إذ كان -من منظوره- لا يمكن تغيير الأنظمة سلميًّا. كما اعتبر سيد قطب جاهلية القرن العشرين أسوأ أنواع الجاهلية التي عرفتها البشرية على مر التاريخ. وبناءً على ذلك، دعا إلى الجهاد ضد الوضع الراهن، واعتباره واجبًا على كل مسلم، سواء ضد الكفار أو ضد حكام المسلمين. ومن هنا، تبنت جماعة الإخوان المسلمين مواقف جهادية ضد الحكومة المصرية على مر التاريخ.

ومن خلال توسيع المفهوم الإخواني عن الشرك والكفر، استبعدت السلفية الجهادية شريحة واسعة من المسلمين من دائرة الإسلام، وأعطت الأولوية للعمليات العنيفة، باعتبار معظم المسلمين أعداءً. ولمّا كانت جماعة الإخوان المسلمين تستمد شرعيتها في الواقع من السلاح والعنف -تحت مسمى الجهاد- فقد وظّفت جماعات سلفية جهادية، مثل القاعدة وداعش، وقبلهما الجماعة الإسلامية المصرية، وجماعة الجهاد، لخدمة برنامجها، واستغلت انحرافهم الفكري في سبيل تحقيق أهدافها[3].

ولذلك، فإن الحركات الجهادية التي ظهرت في سبعينيات القرن الماضي تمثل امتدادًا لتقاليد “الجهاز الخاص” الذي أسسه حسن البنا، من حيث التزامها الراسخ بالمبادئ السلوكية والأخلاقية والعقائدية، التي تطورت لتعكس تَصَوُّر جماعته للواقع الداخلي في مصر والوضع الإقليمي، لاسيّما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. ثم تعزز الأساس الفكري لحركات “السلفية الجهادية” من خلال التفعيل الإضافي لـ”النظام الخاص” من قِبَل سيد قطب عام 1965. وظهر أن التكتيكات العملياتية لهذه الجماعات واستراتيجياتها في التجنيد هي نفسها التي تستخدمها جماعة الإخوان المسلمين، والتي تقوم على السرية والطاعة المطلقة والولاء الأعمى[4].

ولذلك، فإن فهم الجماعات السلفية الجهادية من خلال منظور أيديولوجيا جماعة الإخوان المسلمين، التي تُعارض جوهريًّا مفاهيم الحرية والدولة الوطنية، وتتسم بطبيعتها بعدم التسامح مع الآراء ووجهات النظر المخالفة، يطمس الفجوة بين الحركتين. ومن هذا المنطلق العملي، نرى في الغالب أن هذه الجماعات يدعم بعضها بعضًا أو تنسق فيما بينها، كما كان الحال في مصر خلال ما يُسمى بـ”الربيع العربي”. وقد تجلى هذا التوافق بين السلفية الجهادية وجماعة الإخوان منذ ثمانينيات القرن العشرين وحتى مطلع الألفية الجديدة، على أيدي شخصيات مثل مصطفى مشهور، وكمال السنانيري، وعبدالله عزام، وأيمن الظواهري، وأسامة بن لادن، وأبومحمد المقدسي، وأبوقتادة الفلسطيني[5]، الذين كانوا جميعًا، في مرحلةٍ ما أو حتى النهاية، منتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين؛ لأن هذا الارتباط الفكري (المستند إلى نظريات حسن البنا، وكتاب المودودي “المصطلحات الأربعة في القرآن”، وكتب سيد قطب، خاصة “معالم في الطريق” و”في ظلال القرآن”) فيما يتعلق بمفهوم “الحاكمية” (أي السيادة الإلهية)، وعودة جميع السلطات التشريعية -العامة والخاصة- إلى الله عَزّ جَلّ، والتي يجب تحقيقها من خلال إقامة دولة إسلامية، كل ذلك كان هدفًا مشتركًا يمكن أن يزيل العديد من الاختلافات الطفيفة بينهم.

الأصل الوجودي والجذور العقائدية

1. الأصل الوجودي:

ظهرت النواة الأولى للجهادية بين عامي 1938 و1940، عندما أسست جماعة الإخوان المسلمين جناحها العسكري، المعروف محليًّا باسم “النظام الخاص”، ودوليًّا باسم “الجهاز السري”[6]. وقد تمثلت مهمة هذه الجماعة -شبه العسكرية- في حماية قادة الإخوان، والمساعدة في تحقيق أهدافهم السياسية بالقوة عند الضرورة. ومن المعروف أن حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، انتهج في البداية نهجًا تدريجيًّا في تطبيق مشروعه، غير أنه سرعان ما أنشأ جهازًا عسكريًّا سريًّا، يعكس اعتقاد الجماعة الداخلي بأن العنف ضروري لتحقيق أهدافها السياسية، ومُنْذُئِذٍ بدأ لجوء جماعة الإخوان المسلمين إلى السلاح والعنف. ومن أدلة ذلك اكتشاف مخبأ أسلحة تابع للجماعة في عام 1947، والقبض على سيارة جيب تحتوي على وثائق وذخيرة وخطط تنظيمية في عام 1948؛ ما أدى إلى حل الجماعة. وتمثّل رَدُّ جماعة الإخوان المسلمين في اغتيال القاضي الخازندار الذي أصدر الحكم القضائي، ثم رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي، الذي أمر بحل الجماعة. واستمر هذا الأسلوب حتى مواجهتهم الشهيرة مع جمال عبدالناصر عام 1954، والقبض على تنظيم سيد قطب عام 1965، واكتشاف صلة الإخوان المسلمين بتنظيم الكلية الفنية العسكرية عام 1973. وفي عام 1971، تفرعت جماعة التكفير والهجرة، بقيادة شكري مصطفى، عن جماعة الإخوان المسلمين، وقام أعضاؤها باختطاف وقتل الشيخ الذهبي، وزير الأوقاف المصري[7]. وابتداءً من عام 1979، وتحت غطاء “الإغاثة الإنسانية”، بدأت أفرعها الجهادية تُدير أكبر معسكرات التدريب للجماعات الإرهابية في العالم في أفغانستان، على أيدي كمال السنانيري، وأحمد الملط، وعبدالله عزام، وأيمن الظواهري، وأسامة بن لادن. وبالطبع، من خلال القيام بذلك، فتحت جماعة الإخوان المسلمين الباب أمام جميع الجهاديين الإسلامويين الذين لجؤوا إلى العمل المسلح منذ ذلك الحين.

وفيما يتعلق بأصول السلفية الجهادية، يعتقد كثيرون أن محمد عبدالسلام فرج، وهو عضو سابق في جماعة الإخوان، وصاحب كتاب “الفريضة الغائبة” الصادر عام 1980، هو من أطلق الفكر السلفي الجهادي[8]، فيما يعتقد آخرون أن أبومحمد المقدسي (عصام محمد طاهر البرقاوي) هو الأب الروحي للسلفية الجهادية، حيث صاغ الأيديولوجيا الجهادية المعاصرة، عندما كان في أفغانستان في ثمانينات القرن العشرين، ضمن الحركة الوهابية الجهادية للزعيم الجهادي الأفغاني، جميل الرحمن في ولاية كونار بأفغانستان؛ وكانت كتاباته بمثابة الدستور الفكري الذي استندت إليه هذه التنظيمات في تبرير عملياتها وتحديد مسارها العقدي[9]. وهكذا نرى أن أبرز الشخصيات الفكرية للسلفية الجهادية، مثل أبومحمد المقدسي، وأبوقتادة الفلسطيني، وأبومصعب السوري، وعبدالله عزام، وأيمن الظواهري، تأثروا جميعًا بكتابات سيد قطب، الذي جادل بأن الجهاد وسيلة ضرورية للقضاء على الجاهلية[10].

ويمكن القول إن السلفية الجهادية تبلورت عمليًّا خلال الجهاد في أفغانستان، بين العرب الأفغان، بقيادة الإخواني الفلسطيني عبدالله عزام، حيث يقول: “يرى من دخلوا أفغانستان الأثر العميق لأفكار سيد قطب على الجهاد الإسلامي وعلى هذا الجيل. فبعضهم، حتى وإن كانوا عراة، لا يطلبون منكم ملابس، وإن كانوا جائعين، لا يطلبون منكم طعامًا. وإن لم يكن لديهم سلاح، لا يطلبون منكم سلاحًا، بل يطلبون كتب سيد قطب”[11]. كما يحاول عزام أيضًا إبراز أوجه التشابه بين سيد قطب وابن تيمية، وتأثره بهما كسلفي جهادي، من خلال قوله: “لم أتأثر بكاتب في مجال الفكر الإسلامي بقدر تأثري بسيد قطب، وفي هذا الأمر أشعر أن الله قد أنعم عليّ إذ فتح قلبي وعقلي لدراسة كتب سيد قطب. لقد وجهني سيد قطب فكريًّا، وابن تيمية عَقَديًّا، وابن القيم رُوحيًّا، والنووي فقهيًّا. هؤلاء الأربعة أثروا في حياتي أثرًا عميقًا”[12]. ولذلك، يمكن القول إن جماعة الإخوان المسلمين -كجماعة عابرة للحدود- هي التي أسست السلفية الجهادية، تمهيدًا لإقامة “دولة الخلافة” من خلال أفغانستان.

2. الجذور العقائدية:

عندما وضع حسن البنا الإطار النظري الأَوَّلِيّ للسلفية الجهادية، جعل الجهاد أحد أركان البيعة العشرة لجماعة الإخوان المسلمين، ورفع شعاريْ “الجهاد سبيلنا” و”الموت في سبيل الله أسمى أمانينا”. ثُمَّ نَظَّر لهذه الأيديولوجيا سيد قطب في كتابيه “معالم في الطريق” و”في ظلال القرآن”، وأبو الأعلى المودودي في كتابيه “المصطلحات الأربعة في القرآن” و”الجهاد في سبيل الله”، والتي تعتبر أُولى البيانات الجهادية السلفية.

بالنظر إلى أن أيديولوجيا جماعة الإخوان المسلمين طغت على ما يُسمى بـ”الحركة الإسلامية” بأكملها، ولكونها حركة تسعى إلى أسلمة المجتمع والقوانين والحكومة، وتفكيك الدول القومية، وإقامة “الخلافة”؛ فقد أصبحت الجماعة مصدر إلهام أيديولوجي لمجموعة متنوعة من الجماعات السلفية الجهادية، وأثر تفسير الإخوان الأصولي للإسلام بشكل مباشر على مئات من قادة الجهاد على مدى الستين عامًا الماضية -مثل أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وعبدالله عزام- وشكل إطارهم اللاهوتي المعتمد[13].

ومن المُسَلَّم به أن أدبيات الحركات “الجهادية” المتطرفة -في كل مراحلها- تؤكد حجم الاندماج والتداخل بين مختلف تيارات ما يُعرف بـ”الصحوة الإسلامية”، بشقيها الدعوي والمسلح، رغم ما يعتريها من تباينات “شكلية”. بيد أن سيد قطب ظل بـ”معالمه وظلاله” باعثًا ومحركًا لمختلف التنظيمات الراديكالية والإرهاب العالمي، بدءًا من التنظيم السري لجماعة الإخوان المسلمين والقاعدة وجماعة الجهاد والجماعة الإسلامية بمصر، مرورًا بجماعة الدعوة والقتال السلفية في الجزائر، والجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، والجماعة المقاتلة المغربية، وجند أنصار الله، ومنظمة التوحيد والجهاد في غزة، وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق، وصولًا إلى جماعة التوحيد والجهاد في مالي[14]، وأخيرًا وليس آخرًا تنظيم “داعش”[15].

وليس من باب المصادفة اعتراف يوسف القرضاوي، رئيس اتحاد علماء المسلمين، وخطيب جماعة الإخوان، بأن أبوبكر البغدادي زعيم “داعش”، كان من جماعة الإخوان المسلمين، حيث قال في لقاء متلفز معه: “هذا الشاب كان من الإخوان في أول أمره، إلّا أنه كان يميل إلى القيادة، وأغراه هؤلاء بعد عدة سنوات، كان مسجونًا وانضم إليهم”[16]. وهو ما يفسر اتصال “داعش” بمُنَظِّره القطبي، أي الإخوان المسلمين.

جديرٌ بالذكر أن الحركات السلفية الجهادية المختلفة لا تُولي اهتمامًا يُذكر بالقضايا العقائدية والفقهية والجدلية التي تُثيرها السلفية الدينية، باستثناء مسألة واحدة، وهي اعتبار الحاكم الذي لا يحكم وفقًا لشريعة الله (بحسب فهمهم) مرتدًا. وهي فكرة تُفسّرها المدرسة السلفية التقليدية في ضوء مفهوم طاعة الحكام، وتضع شروطًا صارمة للتمرد عليهم، بما في ذلك إعلانها الصريح رفض الشريعة والحكم بالقانون بما يُخالف الأوامر الإلهية. ولذلك، فإن السلفية الجهادية -تحت التأثير الأيديولوجي لجماعة الإخوان المسلمين- باتت تُعنى بالسياسة أكثر من الفقه[17].

لذلك، فإن المحتوى الأيديولوجي لجماعة الإخوان المسلمين والسلفية الجهادية، والذي هو مزيج من نظريات ابن تيمية وسيد قطب، لا يجعل هناك فرقًا بين الإخوان والسلفية الجهادية من حيث تكفير الآخر، والسعي للإطاحة بالدولة الوطنية[18]. ومن أجل فهم التوافق الفكري بين السلفيين الجهاديين وجماعة الإخوان المسلمين لا بُدّ من الرجوع أولًا إلى كتابات وخطابات حسن البنا، الذي انتقد الهيمنة الثقافية والسياسية الغربية على المجتمع المصري، ولاسيّما على النخبة المثقفة، التي كانت تُعْلِي من شأن القيم “العلمانية” الغربية القائمة على الحرية والمواطنة. ولذلك، كان يعتقد أن الإسلام في خطر بعد تفكك الدولة العثمانية عام 1924، وأن على جميع المسلمين مهمة العودة إلى الإسلام الحق أفرادًا وجماعات -بحسب رؤيته- وأن ذلك يتطلب أيديولوجيا سياسية إسلامية قادرة على تطهير المجتمع من “الغزو الفكري الغربي والممارسات غير الإسلامية”. وحسب رؤيته هذه، فإن الإسلام هو الأساس الذي تُبنى عليه الدولة والمجتمع، لأنه نظام شامل ومُكْتَفٍ ذاتيًّا، إذ يتضمن حلولًا للمشاكل السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية. ولذلك، أصبح مفهوم “الإسلام هو الحل” شعارًا لمعظم المنظمات والجماعات الإسلاموية في العالم الإسلامي.

وهكذا، نجد أن أفعال السلفيين الجهاديين على مدى الأربعين عامًا الماضية تستند، أولًا، إلى أيديولوجيا حسن البنا، الذي أسس “النظام الخاص” لتطبيق نظامه الشمولي، والذي تَبِعَه لاحقًا سيد قطب، الذي طور هذه الأيديولوجيا إلى مستوى أساسي بصفته مهندس النظريات الجهادية. ومن قطب استلهم جميع السلفيين الجهاديين تقسيم المجتمع إلى نوعين فقط: مسلم وكافر. وهم مثل قطب، يعتقدون أن “المسلم” هو من يلتزم بمعتقدات الإسلام وممارساته، ويسعى إلى تطبيق الشريعة -حسب تفسير جماعة الإخوان المسلمين- في جميع جوانب الحياة، وأن أي مسلم يقبل الحياة في ظل أنظمة سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية أخرى فهو يعيش في حالة “جهل” (جهل ما قبل الإسلام) وكفر[19]. ويستند هذا التوجه التكفيري إلى فكرة أن “حاكمية الله تعالى” تعني أن سن القوانين في جميع جوانب الحياة، في عمومها وتفاصيلها، هو حق حصري لله، وأن سن القوانين من قِبَل البشر وفقًا للضرورات الدنيوية والمكانية يُعَدُّ كفرًا وشركًا.

وبناءً على ذلك، لا يوجد مجتمع إسلامي يستحق الرحمة والتسامح، لأن الناس قد قَبِلُوا حكومات تَحْكُم وتُنظم المجتمعات وفقًا للقانون الوضعی، وهو ما يعني إنكار ربوبية الله وألوهيته، إذ يرى قطب والإخوان أن الحاكمية التشريعية من الصفات الأساسية والمتأصلة للربوبية، فمن يحكم وفقًا للقوانين الوضعية لا يُنكر ألوهية الله وصفاته فحسب، بل يدّعي أيضًا حق الربوبية والصفات المرتبطة بها، وإذا لم يكن ادعاء الألوهية والربوبية كفرًا، فما هو الكفر إذنْ؟ وما قيمة دعوى الإيمان أو الإسلام باللسان، إذا كان العمل -وهو أقوى تعبيرًا من الكلام- ينطق بالكفر؟[20]. واستكمالًا لهذا النهج الفكري، لم يعتبر شكري مصطفى، مؤسس جماعة التكفير والهجرة، مجرد النطق بالشهادتين كافيًا لدخول المرء في الإسلام. بل شدد على ضرورة الانضمام إلى جماعته، وترك المدارس والجامعات النظامية، وجميع المساجد، وعَدَّها مساجد ضرار. وبالمثل، تَبَنَّى عبدالسلام فرج، مؤسس حركة الجهاد الإسلامي المصرية، نفس الفكر، واستند إلى أفكار سيد قطب، فوضع إطارًا نظريًّا لمفهوم “الجهاد”، وألّف كتاب “الفريضة الغائبة”، الذي اعتبر فيه أن الجهاد هو السبيل الوحيد لتحقيق الحكم الإسلامي[21].

وكما كانت أيديولوجيا جماعة الإخوان المسلمين -عبر سيد قطب- محوريةً لدى الجماعات الجهادية السلفية في جميع المراحل التاريخية المنظورة، فهي كذلك محورية لدى أهم الجماعات الجهادية السلفية، كالقاعدة وداعش. وقد عبّر أبومحمد المقدسي، أحد أبرز منظري الجماعات الجهادية السلفية، عن هذا التأثير في وصفه لكتاب بعنوان “نقاط الارتكاز بين الشهيد سيد قطب والشيخ أسامة بن لادن”، قائلًا: “في هذا الكتاب وُضِعَ المنهج الذي يجب على الأمة اتباعه كي تسترجع أمجادها، وهو ضرورة الجمع بين القرآن والحديث، أو القول والعمل، أو الدعوة إلى الإسلام والجهاد، وأنه لا بُدّ لأحدهما من الآخر، ولا تتحقق آمال الأمة إلّا بالجمع بينهما”[22].

يتجلَّى أيضًا تأثير سيد قطب -وبمعنًى آخر تأثير الإخوان المسلمين- على تنظيم داعش من خلال اختيار المصادر الفكرية لهذا التنظيم. فبالنظر إلى قائمة المصادر الفكرية التي اختارها مفتي التنظيم في عدة أقسام، والتي تناولت مواضيع التوحيد والعقيدة، والمدارس الفكرية، والقيادة، والنظرية السياسية الإسلامية، والجهاد، يتضح أن هذه القائمة تصدّرتها ثلاثة كتب لسيد قطب هي: “معالم في الطريق”، و”المستقبل لهذا الدين”، و”جاهلية القرن العشرين”. كما شملت هذه المصادر كتاب “واقعنا المعاصر” لأخيه محمد قطب، وكتاب “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين” لأبي الحسن الندوي، بالإضافة إلى مؤلفات أخرى لعدد من الشخصيات المنتمية إلى الحركة الجهادية وجماعة الإخوان المسلمين[23].

لذلك، تُعَدُّ جماعة الإخوان المسلمين بمثابة “بوابة” (The Gateway) لجميع الحركات السلفية الجهادية. بمعنى أن عناصر السلفية الجهادية -في البداية- يتعرفون على الإسلام السياسي وفكرة الخلافة من خلال جماعة الإخوان المسلمين، ويقتنعون برؤيتها في كون “الخليفة” مناط كثير من الأحكام في دين الله، وأن “الإسلام وطن وجنسية، ودين ودولة، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف”[24]. وبهذا الحمل الدلالي المستوحى من أدبيات وأفكار جماعة الإخوان المسلمين، يمكن القول إن المنتمين إلى الجماعات السلفية الجهادية ما هم إلّا فروع عسكرية لهذه الجماعة في كل مرحلة، وفقًا لمتطلبات الزمان والمكان.

الخاتمة:

منذ تأسيس جماعة الإخوان المسلمين -بهدف الوصول إلى السلطة- أصبحت أول جماعة في القرن العشرين ترفض حكم العقل في تنظيم الحياة، وفي الوقت نفسه لا تطرح برنامجًا واضحًا وحَلًّا قائمًا على التجارب الإنسانية. وإنما لجأت إلى شعارات براقة مثل إقامة “الخلافة” و”الإسلام هو الحل”، ظَنًّا منها أن هذه الشعارات تُشكّل مخرجًا من تعقيدات وتحديات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمعات. ولأن جماعة الإخوان المسلمين لم تستطع قط الإجابة عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بأنظمة الحكم، والتنمية والاستقرار والعلاقات الدولية، فقد سعت باستمرار إلى إثارة مسألة “الحاكمية الإلهية”؛ لصرف أنظار المسلمين عن قضاياهم وحياتهم اليومية ومستقبل الأجيال القادمة، بتأصيل الحرب والقتال وإراقة الدماء. ولذلك، تُظهر الجماعة -من خلال السلفيين الجهاديين- أن العودة إلى الماضي شرط أساسي لتحقيق رؤيتهم عن “الحاكمية الإلهية”. وبطبيعة الحال، ووفقًا لطبيعتها البراغماتية، فإن الجماعة تستخدم “السلفية” لتفسير النصوص الدينية، بينما تتخذ “الجهادية” مُبَرِّرًا سلوكها العنيف والإرهابي استنادًا إلى هذه النصوص أيضًا. غير أن هذا السلوك الذي اتسمت به جماعة الإخوان والسلفية الجهادية -في ضوء السياق التاريخي والمفاهيمي لهذه النصوص- لا يستند إلى أي مبرر، لاسيّما أن أيديولوجيا جماعة الإخوان المسلمين والجهادية السلفية مرفوضة من جميع المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي، ومن المسلمين عمومًا. لذا، فإن هذا التفسير الخاطئ للنصوص الدينية من قِبَل جماعة الإخوان المسلمين والجهاديين السلفيين يستدعي الكشف عن تحريفاتهم الفكرية، حتى لا يقتصر الكفاح ضد الإرهاب والعنف الإسلاموي على التدابير الأمنية فحسب.


[1] Bruce Livesey, “The Salafist Movement,” FRONTLINE: Al Qaeda’s New Front, PBS, January 25, 2005,

https://tinyurl.com/25ay34gb

[2] عبدالله عزام، عملاق الفكر الإسلامي (الشهيد سيد قطب) (د.م.: د.ن.، د.ت.)، على الرابط:

https://tinyurl.com/2cvarqr6

[3] مرتضى أخلاقي فرد، «رویکردهای کلامی وزمینه‌های شکل ‌گیری سلفی‌ گری تکفیری»، فصلنامه اندیشه‌های فلسفی وکلامی 2، العدد 3 (صيف 1401): 129–149.على الرابط:

https://tinyurl.com/28fuhglw

[4] المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، «الإخوان المسلمون في أوروبا ـ ما علاقة الإخوان بالجماعات “الجهادية”؟»، بون: وحدة الدراسات والتقارير (24)، 2 يونيو 2023، على الرابط:  https://tinyurl.com/24nno8af

[5] علاء الفزاع، «الإخوان المسلمون والسلفية الجهادية بين العداء والتداخل»، الأردن 24، دون تاريخ نشر، على الرابط:

https://tinyurl.com/29ftmrmf

[6] مركز صواب، «الإخوان المسلمون»، 23 يناير 2024، على الرابط: https://tinyurl.com/2xthx56z

[7] Livesey, “The Salafist Movement,” FRONTLINE: Al Qaeda’s New Front, PBS, January 25, 2005, المرجع السابق، على الرابط: https://tinyurl.com/25ay34gb

[8] نادر رزق، «كتاب الفريضة الغائبة لمحمد عبدالسلام فرج: دليل إرهابي»، حفريات، 11 مارس 2026، على الرابط:

https://tinyurl.com/2b8wrt6q

[9] عبدالفتاح الحيداوي، «أبومحمد المقدسي: من الأب الروحي للسلفية الجهادية إلى تراجع النفوذ بعد صعود داعش»، رصد المغرب، 11 يناير 2026، على الرابط:  https://tinyurl.com/23683ks7

[10] مركز صواب، «الإخوان المسلمون»، مرجع سابق.

[11] عبدالله عزام، عملاق الفكر الإسلامي (الشهيد سيد قطب) مرجع سابق.

[12] عبدالله عزام، عملاق الفكر الإسلامي (الشهيد سيد قطب)، المرجع السابق.

[13] Sawab Center, “Muslim Brotherhood,” Sawab Center, January 23, 2024, على الرابط: https://tinyurl.com/28vttu93

[14] صبري محمد خليل، «السلفية الجهادية: أصولها الفكرية والمواقف المتعددة منها»، الموقع الرسمي للدكتور صبري محمد خليل خيري، 19 يوليو 2012، على الرابط:  https://tinyurl.com/2deeoxgq

[15] موازين نيوز، «هكذا أصبح سيد قطب.. لسان البغدادي وملهمه»، 30 مايو 2019. على الرابط:  https://tinyurl.com/22c75b5y

[16] CNN بالعربية، «القرضاوي: البغدادي كان من الإخوان وقد أغراه “داعش” بالزعامة»، 16 أكتوبر 2014، على الرابط:

https://tinyurl.com/2ccpwlv6

[17] Thomas Hegghammer, “The Ideological Hybridization of Jihadi Groups,” Hudson Institute, November 18, 2009, على الرابط:  https://tinyurl.com/2yel4fjy

[18] عبدالرحمن الخطيب، «توازي الفكريْن السلفي والإخواني وتقاطعهما»، X، 10 سبتمبر 2026، على الرابط: https://tinyurl.com/2bkcuqx8

[19] مركز صواب، «الإخوان المسلمون»، مرجع سابق.

[20] سيد قطب، في ظلال القرآن، تفسير سورة المائدة، الآية 44، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، الموسوعة الشاملة للتفسير، ص. 115، على الرابط: https://tinyurl.com/22eyy6or

[21] ماهر فرغلي، «شكري مصطفى: الشاعر الرقيق والقاتل المتوحش الذي أنجب التكفير والهجرة»، حفريات، 8 أغسطس 2026، على الرابط:

https://tinyurl.com/2accnous

[22] موازين نيوز، «هكذا أصبح سيد قطب.. لسان البغدادي وملهمه»، مرجع سابق. على الرابط:

https://tinyurl.com/22c75b5y

[23] موازين نيوز، «هكذا أصبح سيد قطب.. لسان البغدادي وملهمه»، المرجع السابق.

[24] Nader Hashemi, “Political Islam: A 40-Year Retrospective,” Religions 12, no. 2 (2021): 130

https://tinyurl.com/22b4eykn