شكل اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 لحظة كاشفة لأزمة الدولة السودانية، لا باعتبارها أزمة عسكرية فحسب، بل بوصفها أزمة عميقة في بنية السلطة وطبيعة القوى التي تسعى إلى احتكارها. فالحرب لم تكشف فقط هشاشة المؤسسات وانهيار وظائف العاصمة، بل أظهرت كذلك قدرة الشبكات الإسلاموية المتحالفة مع البنى العسكرية على استثمار الفوضى لإعادة التموضع داخل الدولة، وإعادة صياغة مركز القرار وفق منطق النفوذ والسيطرة، لا وفق منطق الشرعية الدستورية أو المصلحة الوطنية.
ومع تعطل مؤسسات الدولة في الخرطوم، وانتقال عدد من الوزارات والمؤسسات السيادية والقيادة العسكرية إلى بورتسودان، لم يكن الأمر مجرد انتقال إداري فرضته ظروف الحرب، بل بدا تعبيرًا عن إعادة تشكيل غير معلنة لمركز الدولة. فقد تحولت بورتسودان تدريجيًّا إلى مركز فعلي لإدارة السلطة، بينما تراجعت الخرطوم، العاصمة الدستورية، عن أداء وظائفها السياسية والإدارية. غير أن الأخطر في هذا التحول أنه فتح المجال أمام قوى الإسلام السياسي وشبكاتها داخل أجهزة الدولة لإعادة إنتاج حضورها، مستفيدة من الحرب ومن الحاجة إلى مركز بديل للحكم.
تكشف هذه التحولات أن مركز الدولة في السودان لم يَعُدْ مرتبطًا بالعاصمة الرسمية وحدها، بل أصبح يتحدد من خلال تمركز القوة العسكرية، ومصالح النخب الحاكمة، وشبكات الإسلاموية المتغلغلة في مؤسسات القرار. ومن ثم، فإن الحرب لم تنقل السلطة مكانيًّا فحسب، بل أعادت تعريفها سياسيًّا، حين جعلت مركز الدولة مجالًا قابلًا للاختطاف من قِبَل تحالف العسكرة والإسلاموية.
تنطلق إشكالية هذه الدراسة من السؤال الآتي: إلى أي مدى كشفت الحرب في السودان عن انتقال مركز الدولة من العاصمة الدستورية، إلى فضاء تحكمه شبكات العسكرة والإسلاموية؟ وكيف يُسهم هذا الانتقال في إعادة إنتاج الدولة بوصفها أداة للسيطرة بدلًا من كونها إطارًا وطنيًّا جامعًا؟
وتتناول الدراسة خمسة محاور رئيسية: أولًا، انهيار وظائف الخرطوم بوصفها مركز الدولة التقليدي؛ ثانيًا، انتقال مركز السلطة فعليًّا إلى بورتسودان عبر شبكات النفوذ والمؤسسات العسكرية؛ ثالثًا، دور الإسلاموية، بالتحالف مع العسكرة في إعادة إنتاج مركز القرار؛ رابعًا، تحوّل الدولة من بنية مؤسسية مرتبطة بالعاصمة إلى شبكة سلطة مرتبطة بالقوة والولاء؛ خامسًا، المخاطر التي يطرحها هذا التحول على مستقبل الدولة السودانية، ولاسيّما مخاطر إضعاف الشرعية، وتفكيك المجال الوطني، وإطالة أمد الحرب، وإعادة تمكين الإسلاموية تحت غطاء الدولة.
1. الحرب وانهيار مركز الدولة التقليدي في الخرطوم
لعقود طويلة، كانت الخرطوم المركز التاريخي للحكم والإدارة السياسية والقرار الأمني والاقتصادي، وعكست نموذج الدولة السودانية القائم على تمركز السلطة والثروة والنفوذ داخل المركز النيلي. ولكن مع اندلاع الحرب، تحولت العاصمة السياسية إلى ساحة للصراع المسلح، نتج عنها تفكك مراكز القرار والوظائف الأساسية للدولة. فالحرب التي انفجرت في قلب الدولة، كشفت عن ضعف في الهيكلية داخل نموذج السلطة السودانية.[1]
ومع انتقال الحرب إلى الخرطوم، لم تَعُدْ المؤسسات قادرة على أداء وظائفها الطبيعية في الإدارة وتقديم الخدمات العامة والأمن الداخلي. فنتج عن هذا الانهيار حالة واسعة من الفوضى الأمنية وتدهور في الأوضاع الإنسانية وزيادة في الانتهاكات ضد المدنيين، من قتل واعتقالات تعسفية وعنف موجه ضد السكان. فتدهورت أوضاع ملايين النازحين الذين أصبحوا عرضة لانتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، من مجازر، وانتهاكات جسدية، واعتقالات، وتجنيد قسري. كما تعرضوا للأوبئة في ظل غياب وانهيار المنظومة الصحية والبنية التحتية[2].
ومع انهيار الأجهزة الأمنية وتعطل المنظومة العقابية، برزت مظاهر الانفلات الأمني بصورة غير مسبوقة، ففي الأسبوع الأول من الحرب، أسهم إطلاق سراح عصابات مسلحة مثل عصابة (الشفشافة) وعصابة (تسعة طويلة) في ظهور حالة من الفوضى والعنف في العاصمة السودانية، حيث بادرت تلك العصابات المسلحة في عمليات النهب، والسرقة، وارتكاب العنف، والاغتصابات التي خلفت وراءها الالاف القتلى[3].
ونتج عن ذلك انهيار المنظومة الصحية بالكامل في الدولة السودانية، بسبب تعرض المستشفيات والمراكز الصحية للقصف والتدمير أو الإغلاق، ما أدى لهروب عدد كبير من الأطقم الطبية لانعدام الأمن وانقطاع الكهرباء وشح الأدوية، واستُخدمت المنشآت الصحية لأغراض عسكرية، سواء بتحويلها إلى مراكز علاج للمقاتلين أو قواعد عسكرية، الأمر الذي أسهم في حرمان المدنيين من الحصول على الرعاية الطبية اللازمة[4]. وعلى ضوء ذلك، شهدت السودان أكبر حركة نزوح في التاريخ، وأخطر الأزمات الإنسانية في العالم[5].
فلم يَعُدْ انهيار المؤسسات مقتصرًا على الجانب الإداري، ولكنه شمل تدهور احتكار الدولة لأدوات قوتها، وصعود جهات ملأت الفراغ الأمني والسياسي الذي خلفه تراجع الدولة المركزية بسبب تشابك الإسلاموية والعسكرة.
ولا ينبغي فهم هذا الانهيار بوصفه نتيجة ظرفية للحرب وحدها، بل باعتباره لحظة كاشفة لهشاشة أكثر عُمقًا في بنية الدولة السودانية، حيث تداخل ضعف المؤسسات المدنية مع تمدد منطق القوة المسلحة داخل المجال العام. وقد أتاح هذا الفراغ المجال أمام شبكات النفوذ، بما فيها الشبكات ذات الخلفية الإسلاموية المرتبطة بمراكز القرار العسكري والأمني، للتحرك داخل فراغ الدولة، وإعادة ترتيب مواقع التأثير والسلطة. ومن ثم، يصبح انهيار الخرطوم كمركز تقليدي للدولة مدخلًا لفهم التحول اللاحق في مركز القرار، لا مجرد نتيجة مباشرة للعمليات العسكرية.[6]
وأدى ظهور بدائل للمراكز الإدارية والاقتصادية في عدد من الولايات إلى تفكيك نموذج المركزية الذي احتكرته الخرطوم منذ الاستقلال، لتتحول من مركز للسلطة والسيادة إلى مسرح للصراعات المسلحة، بينما أُعيد توزيع وظائف الدولة على مراكز جديدة خارجها، في تحول يعكس إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية والإدارية للدولة السودانية. وفي هذا السياق، فقدت العاصمة السودانية قدرتها على أداء وظيفة مركز الدولة، وكشف هذا عن أزمة حقيقية تتعلق بطبيعة الدولة السودانية نفسها، والتي تأسست وبُنيت على مركزية مفرطة وهشاشة في إدارة التنوع والتوازنات الداخلية[7].
2. إعادة تموضع مركز السلطة من الخرطوم إلى بورتسودان
لم يكن انتقال القيادة العسكرية والوزارات والبعثات الدبلوماسية إلى بورتسودان مجرد إعادة توزيع للمراكز الإدارية، بل جسّد انتقالًا فعليًّا لمركز صنع القرار السياسي والعسكري. فمع تمركز القيادة العسكرية ومؤسسات الدولة والجهات الدبلوماسية والإنسانية في المدينة، أصبحت بورتسودان تؤدي وظائف كانت تمارسها الخرطوم، ما جعلها المركز الفعلي للدولة خلال الحرب، على الرغم من عدم صدور قرار رسمي بنقل العاصمة. ويشير ذلك إلى أن مركز السلطة في السودان بات يتحدد عبر تمركز القوة وشبكات النفوذ، بما فيها الشبكات الإسلاموية المتحالفة مع مراكز القرار العسكري والأمني، أكثر من ارتباطه بالموقع الدستوري للعاصمة.[8]
كما انتقلت قيادة القوات المسلحة إلى بورتسودان، وشُكّلت حكومة جديدة، واتُّبعت سياسة أمنية مشددة، شملت فرض حظر التجول وإجراءات رقابية صارمة؛ للسيطرة على جوانب مختلفة من الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وفي ظل استمرار العنف والفوضى في الخرطوم، انتقلت مقرات بعض الوزارات الحكومية والبعثات الدبلوماسية والمنظمات الإغاثية، ولاسيّما تلك المعنية بتنسيق المساعدات الإنسانية، إلى بورتسودان باعتبارها مدينة أقل تأثرًا بشكل مباشر بالحرب[9].
3. الإسلامويين والعسكرة وإعادة إنتاج مركز الدولة
لم يكن انتقال مركز السلطة إلى بورتسودان مجرد تحول جغرافي فرضته ظروف الحرب، بل مَثّل فرصة لإعادة تشكيل بنية الدولة وإعادة توزيع مراكز النفوذ داخلها. ففي ظل تراجع المؤسسات المدنية وتزايد الاعتماد على المؤسسة العسكرية، برز تشابك أوثق بين العسكرة والإسلاموية، بحيث لم يَعُدْ نفوذ الحركة الإسلامية يقتصر على المجال السياسي، وإنما امتد إلى دوائر صنع القرار العسكري والإداري والاقتصادي. ومن ثم، لم تقتصر الحرب على نقل مركز الدولة، بل أسهمت في إعادة إنتاجه من خلال شبكات سلطة جديدة أعادت تنظيم العلاقة بين المؤسسة العسكرية والإسلامويين، ورسخت أنماطًا جديدة من التحكم في القرار السياسي ومؤسسات الدولة.
في هذا السياق، سيطر الإسلامويون على القرار العسكري والسياسي، وأحكموا سيطرتهم على ميناء بورتسودان، وعلى الرسوم الضريبية والجمركية. وأصبحت المدينة رهينة لقرارات التنظيم بسبب سيطرته على مفاصل الدولة ومؤسساتها الأمنية والدبلوماسية، وتعذر الفصل بين الحركة الإسلامية في السودان والمؤسسة العسكرية. ولم يَعُدْ التنظيم يقتصر في التأثير على القرار العسكري فقط، بل أصبح يصوغ السياسات والقرارات من خلال شبكات داخل مؤسسات الدولة، وتحديدًا وزارة الخارجية التي ارتبطت بالتنظيم أكثر من ارتباطها بالدولة[10].
لم تقتصر آثار الحرب السودانية على إعادة تموضع النخب العسكرية والسياسية وإعادة تشكيل مراكز القرار داخل الدولة، ولم تنحصر في إعادة توزيع السيطرة الميدانية بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني. بل امتدت مع انتقال مؤسسات الحكم وإدارة الدولة إلى بورتسودان، حيث برزت تحولات واضحة في بنية السلطة، تمثلت في صعود قيادات عسكرية جديدة، وإعادة توزيع الصلاحيات داخل المؤسسة العسكرية، بما يعزز مركزية القرار في ظل ظروف الحرب[11].
وقد اسهمت هذه التغييرات التي شهدتها قيادة الجيش السوداني خلال عام 2026 في عملية إعادة هيكلة أوسع، هدفت إلى إعادة توزيع مراكز القوة داخل هرم القيادة التقليدي، وتحديد الاختصاصات بين القيادات العليا، الأمر الذي ساعد المؤسسة العسكرية على إدارة الحرب وإعادة ترتيب التحالفات الداخلية[12]. وعلى ضوء ذلك، برزت شخصيات عسكرية جديدة في مواقع مؤثرة، من بينها الفريق ياسر العطا، في مؤشر على صعود مراكز نفوذ جديدة داخل الجيش، وإعادة تشكيل توازنات القوة بين القيادات العسكرية المختلفة[13].
ومع انتقال مؤسسات الدولة إلى بورتسودان، أعيد تشكيل الجهاز الإداري والبيروقراطي للدولة، الأمر الذي أدي لظهور شبكات مصالح جديدة مرتبطة ومتداخله، مع فاعلين محليين وشركات نقل وخدمات لوجستية ومجموعات اقتصادية، استفادت من إعادة توجيه النشاط الاقتصادي نحو الساحل. كما ساعد اقتصاد الحرب في إعادة توزيع مراكز النفوذ من خلال التحكم في الموارد الحيوية ومسارات التجارة والتمويل[14]، بما في ذلك الذهب والوقود والسلع الاستراتيجية، الأمر الذي أوجد أنماطًا جديدة من التأثير داخل بنية الدولة وخارجها[15]. وتعكس هذه التحولات كيف أسهمت الحرب بشكل كبير في تشكيل شبكات قوة اقتصادية ومحلية جديدة أصبحت جزءًا من معادلة النفوذ وصنع القرار في مرحلة الحرب وما بعدها.
ولم تقتصر الحرب على تفكيك شبكات النفوذ داخل الدولة السودانية بقدر ما أعادت ترتيبها وإعادة تموضعها داخل بيئة سياسية وأمنية جديدة، حيث برزت مدينة تقع في الساحل الشرقي بوصفها مركزًا فعليًّا لإدارة الدولة، وأصبحت هي العاصمة الاقتصادية للبلاد؛ لوجود مينائها الحيوي الذي يُعَدُّ أحد المنافذ الرئيسية للاستيراد والتصدير[16].
وفي المقابل، أعادت الحرب تشكيل التحالفات وشبكات النفوذ داخل الدولة السودانية، فمع بروز فاعلين جدد، وتراجع أدوار القوى التقليدية التي كانت جزءًا من ترتيبات المرحلة الانتقالية، أسهمت الانقسامات داخل التحالفات السياسية والعسكرية في إعادة إنتاج التحالفات بين مختلف الفاعلين من مدنيين وعسكريين بأن جعلت عملية صنع القرار أكثر تعقيدًا وتفككًا بين المستويات السياسية والعسكرية والأمنية. وانعكست هذه التحولات على الصراع الذي لم يَعُدْ يقتصر على التنافس بين قوات الدعم السريع والجيش، بل أصبح مرتبطًا بإعادة توزيع مراكز القوة وإعادة تشكيل بنية النفوذ داخل الدولة، في ظل تنافس مستمر على الموارد والشرعية ومواقع التأثير في مرحلة ما بعد الخرطوم[17].
كما ظهرت تحالفات ومنصات سياسية جديدة تسعى إلى إعادة تعريف شكل الدولة ومستقبل الحكم في السودان، في ظل تراجع قدرة المركز التقليدي في الخرطوم على احتكار القرار السياسي. وبرز في هذا الإطار تحالف “قمم”، وهو أحد أبرز المشاريع الوطنية السياسية التي تهدف إلى تسوية سياسية شاملة وإنهاء الحرب وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة، بما يعكس محاولات إعادة تشكيل المجال السياسي خارج التحالفات التقليدية التي حكمت المشهد السوداني خلال العقود الماضية[18].
نتج عن الحرب السودانية فقدان العاصمة الخرطوم قدرتها على أداء مهامها، فانتقلت القيادات العسكرية والمؤسسات الحكومية والبعثات الدبلوماسية إلى بورتسودان، كما انتقلت معها شبكات النفوذ التي تدير عملية صنع القرار. وأصبحت بورتسودان المركز الفعلي للدولة، واحتضنت النخب المسيطرة والمؤسسات التي تمارس وظائف الحكم والقرار. ويعكس هذا الأمر أن مركز الدولة أصبح يتحدد بمكان تمركز شبكات السلطة القادرة على التحكم في المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وليس بالموقع الدستوري للعاصمة وحده. وبذلك لم يَعُدْ مركز الدولة في السودان مرتبطًا بالموقع الجغرافي للعاصمة بقدر ارتباطه بشبكات النفوذ التي تسيطر على مراكز السلطة والقرار.
4. هل أصبح مركز الدولة مرتبطًا بشبكات السلطة أكثر من العاصمة؟
يُشار إلى مفهوم مركز الدولة بأنه هو الموقع الذي تتمركز فيه مؤسسات صنع القرار والهيئات الحكومية والسلطات السيادية في الدولة، وتمارس فيه شؤون البلاد والحكم. وليس بالضرورة أن يرتبط هذا المركز بالعاصمة الدستورية، ولكنه قد ينتقل مؤقتًا لمدينة أخرى مع انتقال الحكم ومركز صنع القرار في الأزمات والحروب[19].
الفرق بين العاصمة القانونية ومركز السلطة الفعلي
يشير مفهوم العاصمة القانونية أو الدستورية إلى المدينة التي يحددها الدستور أو القوانين، وتكون مقرًّا للحكومة، وتضم مؤسسات القيادة والحكم ومراكز صناع القرار، وتمارس منه وظائف الدولة[20]. وفي الظروف الطبيعة تكون العاصمة الدستورية هي مركز السلطة الفعلي، إلّا أن الحروب والأزمات في الدولة قد تؤدي إلى انتقال مركز السلطة ومؤسسات الدولة إلى مكان آخر دون تغيير مسمى العاصمة.
وهذا ما حدث في الحالة السودانية، حين انتقلت مراكز القرار والقيادة العسكرية والوزارات ومؤسسات الدولة من الخرطوم إلى بورتسودان، التي أصبحت مركز السلطة الفعلي للدولة السودانية خلال فترة الحرب عام 2023، وانتقلت إدارة شؤون الدولة واتخاذ القرارات إلى المدينة الساحلية في تلك الفترة. ومع استعادة القوات المسلحة السيطرة على العاصمة الخرطوم، سارعت الحكومة إلى إعادة المؤسسات والوزارات تدريجيًّا إليها، فعاد مركز القرار دون أي تغيير في الإطار الدستوري للدولة[21]. وأثبتت التجربة السودانية أن مركز السلطة لم يَعُدْ يرتبط بالعاصمة الدستورية بقدر ارتباطه بتمركز الإسلامويين وتغلغلهم المباشر في تحديد مستقبل الدولة السودانية[22].
وعليه، فإن عودة بعض مؤسسات الدولة إلى الخرطوم لا تعني انتهاء التحول الذي كشفت عنه الحرب، بل تؤكد أن مركز الدولة في السودان أصبح قابلًا لإعادة التموضع وفق ميزان القوة وشبكات النفوذ. فالعاصمة قد تستعيد موقعها الإداري والدستوري، غير أن مركز القرار يظل مرهونًا بالفاعلين القادرين على التحكم في المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية. ومن ثم، فإن ما أظهرته الحرب ليس مجرد انتقال مؤقت من الخرطوم إلى بورتسودان، بل أظهرت تحوّلًا أعمق في طبيعة مركز الدولة، حيث باتت السلطة تُمارس من خلال شبكات نفوذ متشابكة، في مقدمتها تشابك العسكرة والإسلاموية.
5. مخاطر إعادة إنتاج مركز السلطة على مستقبل الدولة السودانية
أتاحت الحرب لشبكات النفوذ السياسية والإدارية -التي تشكلت على مدى عقود- أن تُعيد تموضعها داخل مؤسسات الدولة. وقد أسهم انتقال المؤسسات إلى بورتسودان في عودة شخصيات ارتبطت بالنظام السابق لتسيطر على مراكز صنع القرار، مستفيدة من الفراغ الأمني الذي خلفته الحرب وأعدت بناء التحالفات؛ ما سمح للقيادات التقليدية بالاستمرار في إدارة شؤون الدولة، وتقليص تجديد قيادات النخبة السياسية للحد من الإصلاحات الشاملة. ويعكس هذا الواقع مخاوف من استمرار هيمنة الشبكات القديمة لإعادة إنتاج أنماط الحكم السابقة، الذي سينعكس سلبًا على مستقبل بناء دولة ديمقراطية مستقلة سياسيًّا[23].
نتج عن مشاركة المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية السودانية، منذ أكتوبر 2021، إضعاف عملية التحول الديمقراطي وتعميق الأزمة السياسية التي سبقت بداية الحرب. فقد أدى تعطيل بعض أحكام الوثيقة الدستورية، وحل مؤسسات الحكم الانتقالي، واحتجاز رئيس الوزراء وعدد من القيادات المدنية، إلى إنهاء الشراكة بين السلطتين المدنية والعسكرية، وإعادة حصر السلطة بيد المؤسسة العسكرية. كما أدى تصاعد الاستقطاب السياسي وتراجع التوافق بين القوى السياسية إلى إضعاف المؤسسات الانتقالية، وإضعاف فرص استكمال الإصلاحات الدستورية وبناء نظام حكم مدني. وقد انعكس ذلك سلبًا على استقرار الدولة، وأسهم في تهيئة البيئة السياسية التي قادت لاحقًا إلى اندلاع الحرب وتعثر عملية الانتقال الديمقراطي [24].
نتيجة لذلك، استمرت أطراف النزاع السوداني في رفض التنازل عن الخيار العسكري، الأمر الذي أدى إلى إطالة أمد الحرب، وجعل احتمالية التوصل إلى تسوية سياسية شاملة أكثر تعقيدًا. وقد ارتبطت استراتيجية القيادة العسكرية بتعزيز قدراتها العسكرية لدعم عملياتها، من خلال الاستفادة من شبكة علاقاتها الدولية والإقليمية؛ للحصول على الدعم السياسي والعسكري واللوجستي، والاستمرار في المهام العسكرية عبر مسارات التفاوض المتعثرة. بينما من ناحية أخرى، أدى وجود الشروط المسبقة والجولات التفاوضية المتكررة غير الحاسمة إلى تقليل احتمالية التوصل لتسوية تضمن تحقيق السلام؛ ما فاقم عمق الأزمة الإنسانية، واستنزف موارد الدولة، وأضعف فرص إعادة بناء المؤسسات وتحقيق السلام المستدام [25].
وبالتزامن مع إعلان قوات الدعم السريع وحلفائها عن إنشاء حكومة موازية تَرَسَّخ واقع جديد، تتعدد فيه مراكز السلطة داخل السودان، وذلك بعد إنشاء مجلس رئاسي، ومجلس وزراء، وإقرار دستور انتقالي، ومؤسسات حكم موازية للمؤسسات الرسمية التي يقودها الجيش. وقد ارتبط هذا التحول بتعميق أزمة الشرعية السياسية، وظهور ازدواجية في مؤسسات الحكم؛ ما أضعف احتكار الدولة لممارسة السلطة على كامل المنطقة. يُضاف إلى ذلك وجود تهديدات نابعة من مخاوف إقليمية ودولية لتجنُّب انتقال الصراع من التنافس على القدرات العسكرية إلى إنشاء سلطتين متوازيتين، ما يُعَقِّد جهود التوصل إلى تسوية سياسية، ويزيد من مخاطر تفكك الدولة السودانية.[26]
تكشف التطورات الأخيرة في السودان إلى أن إعادة توزيع مراكز النفوذ داخل المؤسسة العسكرية قد لا تمثل تحولًا حقيقيًّا في مركز السلطة، بقدر ما تمثل استمرار الشبكات التقليدية في إعادة تموضعها بما يحافظ على نفوذها العسكري والسياسي. وفي هذا السياق، فإن ما يحدث في السودان لا يمثل عملية تفكيك وإضعاف لنفوذ الإسلامويين، بل هو إعادة تموضع مُعقد داخل مركز السلطة، لمواجهة أي مخرج سياسي يؤدي إلى نظام حكم مدني. ومن المؤكد أن استمرار هذه الشبكات، وتمركز القرار داخل المؤسسة العسكرية، يُسهمان في عرقلة فرص الإصلاح المؤسسي، بما يؤخر الانتقال إلى نظام الحكم المدني، الأمر الذي قد ينتهي بإعادة إنتاج الأزمة مستقبلًا في حال توقفت العمليات العسكرية[27].
وعليه، فإن الخطر الأعمق لا يتمثل فقط في انتقال مركز السلطة من الخرطوم إلى بورتسودان، بل في إعادة إنتاج مركز الدولة على أساس شبكات مغلقة من النفوذ العسكري والإسلاموي. فاستمرار هذا النمط من السلطة يهدد بإضعاف فرص الانتقال المدني، وتعطيل الإصلاح المؤسسي، وترسيخ اقتصاد الحرب، وإدامة تعدد مراكز الشرعية داخل الدولة. وبذلك قد لا تنتهي الحرب بمجرد توقف العمليات العسكرية، لأن أسبابها البنيوية ستظل قائمة ما دامت الدولة تُدار من خلال شبكات القوة والولاء، لا من خلال مؤسسات وطنية جامعة وقادرة على احتكار الشرعية والقرار.
الخاتمة
أظهرت التجربة السودانية أن الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت اختبارًا عميقًا لبنية الدولة المركزية ولمركز السلطة الذي تَأَدْلَجَ وتَعَسْكَرَ على مدى عقود. ومع انتقال مركز السلطة إلى مدينة بورتسودان، بعد انهيار وظائف العاصمة الخرطوم، انكشفت قدرة شبكات النفوذ العسكرية والسياسية والاقتصادية على إعادة التموضع والتحكم في القرار، حتى مع بقاء العاصمة الدستورية دون تغيير.
وفي المقابل، بيّنت التطورات اللاحقة، بما في ذلك العودة التدريجية لبعض مؤسسات الدولة إلى الخرطوم، أن انتقال مركز الدولة كان مرتبطًا بالمتغيرات العسكرية والسياسية أكثر من كونه تحوُّلًا دستوريًّا. ومن ثم، فإن استمرار إعادة إنتاج شبكات النفوذ التقليدية، وازدواجية مراكز السلطة واتخاذ القرار، وتعثر مسار الانتقال السياسي، كل ذلك يمثُل تحديات جوهرية أمام مستقبل الدولة السودانية.
وعليه، فإن استعادة الاستقرار لا تتوقف على إعادة المؤسسات إلى العاصمة فحسب، بل تتطلب إعادة بناء الدولة على أسس الشرعية المؤسسية، والفصل بين السلطة السياسية والعسكرية، وتفكيك تشابك العسكرة والإسلاموية داخل مراكز القرار، وتعزيز الحكم المدني. فمن دون ذلك، ستظل الدولة السودانية عرضة لإعادة إنتاج أزماتها، حتى لو توقفت العمليات العسكرية أو استعادت الخرطوم موقعها الإداري والدستوري.
والخلاصة أن استدامة الدولة السودانية لن تتحقق بإعادة مركز السلطة إلى العاصمة، بل بإعادة السلطة نفسها إلى الدولة ومؤسساتها الشرعية؛ فما لم يُكْسَر تشابك العسكرة والإسلاموية داخل مؤسسات الدولة، لن يكون أي انتقال جغرافي لمركز السلطة سوى إعادة إنتاج للأزمة في مكان آخر.
[1] د. مريم محمد عبدالله، الخرطوم في قلب الحرب: عامان على انهيار مركز السلطة في سودان ما بعد الاستعمار، سودانايل، 18أبريل 2025، الخرطوم في قلب الحرب: عامان على انهيار مركز السلطة في سودان ما بعد الاستعمار – سودانايل
[2] المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الحرب تنهك السودانيين مع دخول الأزمة عامها الرابع، https://www.unhcr.org/ar/news/briefing-notes/three-years-war-weary-sudanese-remain-move
[3] المرجع السابق.
[4] النور أحمد النور، الحرب تخنق المؤسسات الصحية بالسودان، الجزيرة نت، 11/1/2025، الحرب تخنق المؤسسات الصحية بالسودان | صحة | الجزيرة نت
[5] المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الحرب تنهك السودانيين مع دخول الأزمة عامها الرابع، https://www.unhcr.org/ar/news/briefing-notes/three-years-war-weary-sudanese-remain-move
[6] محيي الدين، شيماء. (2024). الصراع في السودان: الأسباب والتداعيات والمآلات المستقبلية. مجلة الدراسات الأفريقية، 46(1)، 343–394. https://doi.org/10.21608/mafs.2024.334486
[7] د. مريم محمد عبدالله، الخرطوم في قلب الحرب: عامان على انهيار مركز السلطة في سودان ما بعد الاستعمار، سودانايل، 18أبريل 2025، الخرطوم في قلب الحرب: عامان على انهيار مركز السلطة في سودان ما بعد الاستعمار – سودانايل
[8] محمد ميرغني، عودة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم.. هل استعادت العاصمة دورها؟، 21/5/2026، عودة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم.. هل استعادت العاصمة دورها؟ | سياسة | الجزيرة نت
[9] Small Arms Survey, Context, Available at: https://www.smallarmssurvey.org/port-sudan-political-economy-potential-administrative-capital/context
[10] محمد بصيلة، بورتسودان وعبء الحركة الإسلامية.. هل يفاقم نفوذ الإخوان العزلة الدولية؟، العين الإخبارية، 17/5/2026،
، https://al-ain.com/article/portsudan-international-isolation-army-brotherhood
[11] حسن الحاج على أحمد، فترة انتقالية مضطربة: تحولات التحالف الهجين في السودان، مجلة عمران، المجلد12، العدد47، ديسمبر 2023، Omran-47-2024-Ali-Ahmad.pdf
[12] إسلام عصام الدين، إعادة توزيع مراكز القوة في الجيش السوداني (1)، الجزيرة نت، 12/4/2026، إعادة توزيع مراكز القوة في الجيش السوداني (1) | الجزيرة نت
[13] المرجع السابق.
[14] Amar Jamal, Port Sudan: The Political Economy of a Potential Administrative Capital, Small arm Survey, April2024, https://www.smallarmssurvey.org/resource/port-sudan-political-economy-potential-administrative-capital
[15] محمد صلاح عبدالرحمن، حرب السودان الأخرى: موقع الذهب في اقتصاديات الحرب، المرصد السوداني للشفافية والسياسات، يوليو 2023، Gold-in-Sudans-War-Economy-Arabic_Final.pdf
[16] الشرق، مدينة بورتسودان.. ما الأهمية الاستراتيجية؟، 6مايو2025، مدينة بورتسودان.. ما الأهمية الاستراتيجية؟ | NOW الشرق
[17] حسن الحاج على أحمد، فترة انتقالية مضطربة: تحولات التحالف الهجين في السودان، مجلة عمران، المجلد12، العدد47، ديسمبر 2023، Omran-47-2024-Ali-Ahmad.pdf
[18] القوى المدنية المتحدة، من نحن، 2026، من نحن | القوى المدنية المتحدة
[19] جريدة الوطن، عودة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم، 22/5/2026، عودة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم – جريدة الوطن
[20] م. رانيا، تعريف مصطلح العاصمة،10يناير2020، تعريف مصطلح العاصمة – سطور
[21] الجزيرة نت، عودة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم.. هل استعادت العاصمة دورها؟، عودة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم.. هل استعادت العاصمة دورها؟ | سياسة | الجزيرة نت
[22] د. أنور قرقاش، لا يمكن للجماعات المتطرفة المرتبطة بـ”الإخوان” تحديد مستقبل السودان، جريدة الإمارات اليوم، 25نوفمبر2025، https://www.emaratalyoum.com/local-section/other/2025-11-25-1.1991489
[23] أبرار النجار، الحركة الإسلامية داخل الصراع السوداني: إعادة هندسة النفوذ، 27/12/2025، الحركة الإسلامية داخل الصراع السوداني: إعادة هندسة النفوذ – معهد السياسة والمجتمع
[24] مركز المستقبل، مستقبل الانتقال السياسي في السودان بعد إجراءات “البرهان“، 28 أكتوبر، 2021، مركز المستقبل – مستقبل الانتقال السياسي في السودان بعد إجراءات “البرهان”
[25] حفريات، دبلوماسية البرهان القائمة على السلاح تطيل حربًا لا يمكن كسبها، 11/6/2026، دبلوماسية البرهان القائمة على السلاح تطيل حربا لا يمكن كسبها | حفريات
[26] محمد خليفة صديق، الحكومة الموازية في دارفور.. سيناريوهات الوحدة أم التقسيم في السودان؟،منصة دراسات الأمن والسلام، 15 أغسطس 2025، الحكومة الموازية في دارفور.. سيناريوهات الوحدة أم التقسيم في السودان؟ | منصة دراسات الأمن والسلام
[27] سكاي نيوز عربية، السودان.. إعادة هيكلة الجيش تعيد الإخوان إلى قلب السلطة، 6 أبريل 2026، السودان.. إعادة هيكلة الجيش تعيد الإخوان إلى قلب السلطة | سكاي نيوز عربية