الساحل الأفريقي وصعود جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين

بدرية الريامي 06 سبتمبر 2026
InsightImage

الساحل الأفريقي وصعود جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين

بدرية الريامي 06 سبتمبر 2026

شهدت منطقة الساحل الأفريقي خلال العقد الأخير تحولات أمنية وسياسية عميقة جعلتها إحدى أكثر بؤر عدم الاستقرار في العالم، بعدما تداخلت فيها هشاشة الدولة، وضعف الحوكمة، واتساع الفراغات الأمنية، مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والصراعات العرقية والقبلية العابرة للحدود. وفي ظل وجود هذه البيئة الخصبة، برزت جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين بوصفها أحد أخطر وأشرس الفاعلين المسلحين في المنطقة، وممثل تنظيم القاعدة في الساحل الأفريقي، بعدما تمكنت -منذ تأسيسها عام 2017- من الانتقال من تحالف يضم عددًا من الفصائل الجهادية، إلى شبكة إقليمية تمتد عبر مالي وبوركينافاسو والنيجر، مع مؤشرات متزايدة على سعيها إلى توسيع نشاطها نحو الدول الساحلية في غرب أفريقيا.

لا تقتصر خطورة جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين على هجماتها المروعة، سواء ضد العسكريين أو المدنيين، بل تمتد إلى انتشارها الجغرافي الواسع، حيث تنشط في كُلٍّ من مالي والنيجر وبوركينافاسو، وتستهدف بشكل رئيسي القوات الأمنية والعسكرية. هذا إلى جانب محاولتها تكريس هيمنتها، من خلال إقامة محاكم خاصة بها في بعض المناطق، تقمع فيها المدنيين بدعوى تطبيق الأحكام الشرعية، بالتزامن مع فرض الإتاوات على السكان المحليين في المناطق الحدودية بين الدول الثلاث المذكورة، وهو ما يجعل من القضاء عليها في الوقت الراهن أمرًا صعب المنال، ما يطرح العديد من التساؤلات حول أهم الملامح التنظيمية للجماعة، ولماذا يصعب القضاء عليها على الرغم من الجهود المبذولة لذلك؟ خاصة وأن الجماعة تسعى إلى تصدر المشهد الجهادي في منطقة الساحل الأفريقي، في ظل التنافس والصراع الشرس بينها وبين تنظيم داعش على التمدد والانتشار والنفوذ.

ولا يمكن تفسير صعود الجماعة من خلال قوتها العسكرية فقط؛ إذ إن هذا الصعود جاء نتيجة تداخل مجموعة معقدة من العوامل التنظيمية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي مكّنتها من استغلال هشاشة الدولة، والاندماج في بعض البيئات المحلية، وتنويع مصادر تمويلها، وتطوير بنية تنظيمية مرنة عززت قدرتها على التكيف مع الضغوط الأمنية والعسكرية. كما أن قدرتها على الجمع بين الانتماء إلى المشروع الجهادي العالمي والخصوصيات المحلية، إلى جانب توظيف الخطاب الإعلامي والدعوي، أسهما في توسيع قاعدة نفوذها وتعزيز حضورها داخل المجتمعات التي تنشط فيها.

وانطلاقًا من ذلك، يناقش هذا المقال السؤال التالي: كيف تحولت جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين إلى التهديد الإرهابي الأكثر خطورة في الساحل الأفريقي؟ ويتناول المحور الأول العوامل التي أسهمت في صعود جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين، وتحولها من تحالف جهادي إلى شبكة نفوذ إقليمية؛ ما جعلها من أبرز التنظيمات المسلحة في منطقة الساحل، من خلال تحليل عوامل قوتها التي تشمل: البيئة الحاضنة لنشاطها، وبنيتها التنظيمية، وآليات مرونتها وتكيفها. ثم يناقش المقال طبيعة تنافس الجماعة مع تنظيم الدولة (داعش)، وصولًا إلى تفسير أسباب محدودية الجهود الإقليمية والدولية في احتواء انتشارها، بما يتيح فهمًا أشمل للديناميات التي تحكم تطور التهديد الجهادي في منطقة الساحل الأفريقي.

أولًا: الساحل الأفريقي.. البيئة المثالية لصعود الجماعات الجهادية

أدت هشاشة الدولة وضعف السيطرة على الحدود في تحويل منطقة الساحل إلى بيئة ملائمة لتمدد التنظيمات المسلحة، إذ تعاني حكومات المنطقة من ضعف قدرتها على فرض سيادتها على المناطق الطرفية وتأمين حدودها الجغرافية الممتدة. وقد أتاح هذا الواقع للتنظيمات المسلحة حرية الحركة عبر الحدود، وإنشاء شبكات لتهريب الأسلحة والوقود والذهب والمخدرات، بما مكّنها من تمويل عملياتها وتوسيع نطاق نفوذها. وفي الوقت نفسه، فإن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية غير المستقرة، والمتمثلة في انتشار الفقر والتهميش وضعف التنمية، إلى جانب النزاعات القبلية والعرقية الناتجة عن الحدود الموروثة من الحقبة الاستعمارية، كُلُّ ذلك وَفَّرَ بيئة خصبة لاستقطاب المجتمعات المحلية، ولاسيّما في المناطق التي تعاني من القطيعة مع السلطة المركزية، الأمر الذي أضعف ثقة المواطنين بالدولة، ودفع بعض الفئات إلى النظر إلى هذه التنظيمات بوصفها قوة قادرة على توفير الحماية أو الدفاع عن مصالحها[1].

كما أسهمت الانقلابات العسكرية المتكررة في مالي وبوركينافاسو والنيجر في إضعاف مؤسسات الدولة وإرباك الأجهزة الأمنية، ما حَدَّ من قدرة الحكومات على مواجهة التنظيمات المسلحة. وفي الوقت نفسه استفادت هذه الجماعات من ضعف الرقابة على مخازن الأسلحة، ونهبتها خلال فترات الاضطراب، فضلًا عن استمرار تدفق السلاح عبر الحدود. وتزامن ذلك مع تراجع النفوذ العسكري والدولي في المنطقة، عقب انسحاب القوات الفرنسية، وإنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في مالي (مينوسما)، وإعادة ترتيب الوجود الروسي، وهو ما أدى إلى اختلال ميزان القوى لمصلحة التنظيمات المسلحة. ونتيجة لتداخل هذه العوامل، تحولت أجزاء واسعة من الساحل إلى فراغ أمني مفتوح، اتسم بعجز الحكومات عن بسط سيطرتها على كامل أراضيها، واتساع المناطق الخارجة عن سلطة الدولة، الأمر الذي أتاح للتنظيمات المسلحة ترسيخ وجودها، وفرض أنماطًا محلية للإدارة والجباية، وتوسيع عملياتها العسكرية مستفيدة من غياب سلطة الدولة وتراجع الحضور الأمني الفاعل[2].

ثانيًا: من تحالف جهادي إلى شبكة نفوذ إقليمية

في شهر مارس عام 2017، أدى اندماج أربع فصائل مسلحة في منطقة الساحل، وهي: “أنصار الدين”، و”إمارة منطقة الصحراء” التابعة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، و”كتيبة المرابطون”، و”جبهة تحرير ماسينا”، إلى تشكيل تنظيم مسلح مُوَحَّد يعرف باسم ” جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين“، مستفيدة من الخبرات القتالية الواسعة التي راكمتها الفصائل المندمجة ضد خصومها في المنطقة، لتصبح بذلك واحدة من أخطر وأشرس التنظيمات المسلحة في الساحل الأفريقي[3]. وتتمثل القيادة الفعلية لـ”جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين” بصورة رئيسية في قائدين من فصائلها الأربعة الأصلية، وهما إياد أغ غالي، قائد “أنصار الدين”، وأمادو كوفا، قائد “كتائب ماسينا”[4].

يتسم الهيكل التنظيمي لـ”جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين” بطابع لامركزي، إذ يجمع تحت مظلته تحالف عدد من الفصائل المسلحة التي تحتفظ بدرجات متفاوتة من الاستقلالية في تحديد أهدافها وإدارة عملياتها ومناطق نفوذها. ورغم وجود قيادة مركزية يمثلها إياد أغ غالي وأمادو كوفا، فإن قدرتها على فرض سيطرة مباشرة تبدو محدودة. وقد أسهمت هذه الهيكلية اللامركزية في تعزيز مرونة الجماعة وقدرتها على التكيف مع الظروف المحلية، وتوسيع نطاق انتشارها الجغرافي، مع الحفاظ على الغموض بشأن حجمها الحقيقي وهيكلها الداخلي. كما صعّبت هذه البنية تحديد مسؤولية كل مُكَوِّن عن الهجمات، لكنها في المقابل تفرض تحديات تتعلق بالانضباط، والخلافات القيادية، واحتمالات الانشقاق وإعادة الاصطفاف.[5]

شهدت جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين توسعًا ملحوظًا في مالي والنيجر وبوركينافاسو، مستفيدة من ضعف سيطرة الدولة وهشاشة الأوضاع الأمنية على المناطق الحدودية والريفية. وفرضت سيطرتها على مساحات واسعة، خصوصًا في جنوب شرقي بوركينافاسو وجنوب غربي النيجر، إلى جانب مناطق واسعة في مالي، مستغلة ضعف التنسيق الأمني بين دول الساحل. كما أسهمت في تعزيز مواردها من خلال فرض الضرائب غير المشروعة، وتهريب الموارد، إلى جانب استقطاب مقاتلين جدد نتيجة الهجمات الكبرى[6].

وفي هذا السياق، انتقلت جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين من فصيل مسلح إلى شبكة مسلحة عابرة للحدود، وامتد نفوذها وسيطرتها في بوركينافاسو ومالي والنيجر، مع تزايد نشاطها في منطقة الساحل. مستفيدة من هيكلها اللامركزي وهشاشة السيطرة الأمنية على المناطق الحدودية للدول؛ لتوسيع نطاق عملياتها ونشاطها، وتكثيف الضغوط على مراكز ومدن استراتيجية، الأمر الذي أتاح لها الوصول إلى موارد وقدرات واسعة، ومنحها تلك المكانة السياسية التي تتمتع بها الدول[7].

ويعكس ذلك انتقال الجماعة من مرحلة نموذج التنظيم المحلي إلى نموذج الشبكة الإقليمية، حيث لم تَعُدْ تقتصر في سيطرتها على مساحات جغرافية محددة، بل توسعت عملياتها حتى وصلت إلى موارد ومسارات لوجستية جديدة ومجندين جدد.

وتعتنق الجماعة الفكر القاعدي، بغضّ النظر عن التنوع العقائدي والقبلي والعرقي الذي تتسم به، حيث حرصت الجماعة على أن تكون مرجعيتها الفكرية الأولى هي المظلة الفكرية القاعدية القائمة على أولوية قتال اليهود والصليبيين. وجديرٌ بالذكر أن الالتزام بهذه المرجعية لم يمنع الجماعة من اعتماد مبدأ أولوية قتال العدو القريب المتمثل في جيوش المنطقة، وهذا ما يفسر الهجمات شبه المستمرة للجماعة على جيوش كُلٍّ من مالي والنيجر وبوركينافاسو، سواء بهجمات تقليدية أو هجمات انتحارية.

لذا فإن الجماعة تُعَبِّر عن أكبر تحالف قاعدي على مستوى العالم، لأنها -تحت المظلة القاعدية- جمعت بين عدد من المجموعات العرقية التي ترفع شعارات جهادية، وبعض المجموعات الإرهابية الأخرى المنتشرة في أكثر من دولة من دول الساحل الأفريقي؛  وهو ما جعل الجماعة تتحول إلى تنظيم عابر للحدود، عبر الانتشار في أكثر من دولة، واستطاعت استغلال الحدود الهشة بين هذه الدول لتعزيز جهودها في هذا السياق، خاصة المنطقة الحدودية بين كل من مالي والنيجر وبوركينافاسو وتشاد وموريتانيا، إذ باتت الجماعة تسيطر على بعض المناطق فيها، وتؤسس ما يشبه الإمارات الجهادية الصغيرة، وإن لم تُعلن عن ذلك بشكل صريح؛ حتى تتجنب الأخطاء التي وقع فيها تنظيم داعش في كل من العراق وسوريا.

ثالثًا: عوامل قوة جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين

لم يكن اتساع نفوذ جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين نتاجًا لقوتها العسكرية فحسب، بل ارتبط بامتلاكها عددًا من المقومات التنظيمية والاقتصادية والاجتماعية التي عززت قدرتها على الصمود والتكيف مع الضغوط الأمنية. وقد أسهمت هذه العوامل في تنويع مصادر التمويل للجماعة، واستقطاب المقاتلين، والاستفادة من هشاشة الحدود، وتوسيع شبكة علاقاتها المحلية والإقليمية.

ويُعَدُّ توفير الموارد البشرية أحد أهم عناصر قوة الجماعة. فمنذ تأسيس جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين وهي تتبع النهج العام لتنظيم القاعدة في كسب تأييد بعض القبائل المحلية، مستفيدة من المجموعات العرقية الضعيفة أو المهمشة في المجتمعات المحلية، مثل الطوارق والفولاني. ولم يقتصر الأمر على التجنيد فقط، بل امتد إلى تقديم الجماعة نفسها كبديل للحكومة في غرب أفريقيا باعتبارها القوة القادرة على توفير الحماية، الأمر الذي جعل الانضمام إليها خيارًا عمليًّا لبعض القبائل التي تعاني من غياب سبل العيش والحماية التي توفرها الدولة[8].

وفي الجانب المالي، نجحت الجماعة في تنويع مصادر تمويلها، معتمدةً على فرض الإتاوات والضرائب، وعمليات الاختطاف مقابل الفدية، وتهريب الوقود والأسلحة والذهب والثروة الحيوانية، إضافة إلى عائدات الأنشطة الاقتصادية غير المشروعة؛ ما وفر لها موارد مستقرة، مكّنتها من شراء الأسلحة، واستقطاب المقاتلين، والحفاظ على قدرتها العملياتية[9].

كما عززت تحالفاتها مع بعض القبائل المحلية، واستفادت من النزاعات المجتمعية وغياب الدولة لتوسيع نفوذها. وفي الوقت نفسه، أسهمت الطبيعة الجغرافية والحدود المفتوحة وضعف التنسيق الأمني بين دول الساحل في منحها حرية الحركة وإعادة الانتشار ونقل المقاتلين والإمدادات، بينما عزز ارتباطها اللوجستي والأيديولوجي بتنظيمَيْ القاعدة وداعش من خبراتها وقدراتها القتالية واعتمادها على أساليب حرب العصابات.[10]

إلى جانب ذلك، أقامت الجماعة تعاونًا قائمًا على المصالح المتبادلة مع شبكات الجريمة المنظمة الناشطة في المنطقة، دون أن تندمج معها تنظيميًّا. وتعاونت معها في تأمين طرق التهريب، وتبادل الخدمات اللوجستية عبر الحدود. وقد أسهم هذا الأمر في حصول الجماعة على مصادر تمويل إضافية وشبكات نقل فعالة، بينما استفادت الشبكات الإجرامية من الحماية التي يوفرها التنظيم في المناطق التي يسيطر عليها[11].

وتشير هذه العوامل إلى أن قوة جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين لا ترتبط فحسب بحجم قوتها العسكرية أو عدد مقاتليها، بل بقدرتها على بناء شبكة نفوذ متكاملة، ترتكز على الاندماج في البيئات المحلية، وتأمين مصادر تمويل مستدامة، واستغلال هشاشة الدولة، والحدود الجغرافية المفتوحة، لتعزيز مرونتها العملياتية. وعليه، فإن الحد من نفوذ الجماعة يتطلب مقاربة شاملة، تعالج الاختلالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أسهمت في صعودها، إلى جانب الجهود العسكرية والأمنية.

رابعًا: المرونة التنظيمية والتكيف العملياتي: مقومات الاستمرار والبقاء

اتسمت جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين بقدرتها العالية على التكيف مع التطورات السياسية والأمنية والعسكرية. ولم تعتمد هذه القدرة على ما تمتلكه من موارد بشرية ومالية وعسكرية فحسب، بل ارتكزت أيضًا على نموذج تنظيمي مرن، مكّنها من التكيف مع الضغوط الأمنية والعسكرية، وإعادة بناء قدراتها، والاستمرار في التوسع رغم الضغوط المستمرة. وأسهم هذا النموذج في تعزيز قدرتها على الانتشار وإعادة التموضع، والحفاظ على وحدتها التنظيمية، الأمر الذي جعلها من أكثر التنظيمات الجهادية قدرة على البقاء في منطقة الساحل.

وقد أظهرت جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين قدرتها ومرونتها على الدمج بين الانتماء إلى المشروع الجهادي العالمي، والتكيف مع الخصوصيات المحلية في منطقة الساحل. فعلى الرغم من ارتباطها بتنظيم القاعدة واندراجها ضمن شبكته الإقليمية، حرصت الجماعة على توسيع قاعدة تأييدها داخل المجتمعات المحلية من خلال استقطاب مجموعات عرقية متعددة، مثل العرب والطوارق والفولاني، ثم وسعت حضورها ليشمل جماعات أخرى في النيجر وبوركينافاسو. وقد مكنها هذا النهج من تقديم نفسها بوصفها “خيمة كبيرة”[12]، في ظل التنوع الاجتماعي للمناطق التي تنشط فيها الجماعة، مع توظيف قضايا التهميش والصراعات المحلية وضعف مؤسسات الدولة لتعزيز شرعيتها المجتمعية وتوسيع نفوذها. وبذلك نجحت في الجمع بين أهداف تنظيم القاعدة ذات الطابع العابر للحدود، وبين الأولويات المحلية المرتبطة بالأمن والخدمات ومعالجة احتياجات السكان الاجتماعية والمحلية، وهو ما أسهم في ترسيخ وجودها داخل بعض البيئات المحلية وتعزيز قدرتها على التمدد.[13]

ولم تقتصر مرونة الجماعة على التكيف مع الخصوصيات المحلية، بل امتدت إلى توظيف الإعلام والخطاب الدعوي باعتبارهما من أهم أدوات تعزيز النفوذ وكسب التأييد المجتمعي. ومن ثم اعتمدت الجماعة على خطاب دعوي يركز على بناء الثقة مع السكان المحليين، واستثمار الخطب الدينية والتجمعات العامة والأنشطة الدعوية لإبراز حضورها خارج نطاق سيطرة الدولة. كما سعت إلى تصوير نفسها باعتبارها تحالفًا يحظى بقبول اجتماعي واسع، مستفيدة من خطاب يركز على حماية المجتمعات المحلية ومعالجة قضاياها، الأمر الذي أسهم في توسيع دائرة التأييد الشعبي وترسيخ نفوذها في مناطق متعددة. ويعكس هذا النهج قدرة الجماعة على تكييف رسائلها الإعلامية والدعوية مع التحولات الاجتماعية والسياسية في منطقة الساحل، بما يخدم أهدافها في التجنيد، وتعزيز الشرعية المحلية، واستدامة حضورها في بيئة أمنية وسياسية متغيرة.[14]

تشير هذه المعطيات إلى أن صعود جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين في ترسيخ حضورها لم يكن نتيجة تفوقها العسكري فحسب، بل كان حصيلة قدرتها على توظيف المرونة التنظيمية، والجمع بين المشروع الجهادي العالمي والواقع المحلي، وتكييف خطابها الإعلامي والدعوي مع التحولات الاجتماعية والسياسية. وقد مكّنها هذا المزيج من الحفاظ على استمرارية نشاطها وتوسيع نفوذها في بيئة أمنية وسياسية شديدة التعقيد.

 خامسًا: التنافس مع داعش (الصراع الجهادي – الجهادي)

تجاوز المشهد الجهادي في منطقة الساحل الأفريقي حدود مواجهة الجماعات المسلحة للحكومات والقوات الدولية، ليشمل بذلك تنافسًا متصاعدًا في الساحل، بين جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، وبين تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. وتمحور هذا التنافس حول تعزيز الحضور داخل المجتمعات المحلية، وتوسيع مناطق النفوذ، والسيطرة على الموارد الاقتصادية ومسارات التهريب، الأمر الذي جعل الصراع بين التنظيميْن أحد أهم العوامل الرئيسية في تصاعد العنف في منطقة الساحل[15].

ولم يكن هذا التنافس مقتصرًا على السيطرة الميدانية فحسب، بل كشف عن اختلاف جوهري في أساليب العمل والاستراتيجية التي تبناها كل من التنظيمين. ففي حين اعتمدت جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين على بناء التحالفات التنظيمية والقبلية، وتعزيز الحاضنة المحلية بما يدعم انتشارها واستمرار نشاطها، اتجه تنظيم الدولة الإسلامية إلى توسيع نطاق حضوره الجغرافي، من خلال فرض السيطرة والدخول في مواجهات مباشرة مع القوى المختلفة في مناطق نفوذه. وقد انعكس هذا التباين على طبيعة التنافس بين التنظيمين، إذ اتجه كل منهما إلى تعزيز موارده البشرية، ما جعل استهداف التنظيم المنافس يحتل مرتبة متقدمة ضمن أولويات كُلٍّ منهما، حتى أصبحت المواجهات بينهما في بعض الفترات أكثر دموية من الاشتباكات مع القوات الحكومية. إذ سعى كل منهما إلى تعزيز موارده البشرية عبر توسيع نفوذه وكسب التأييد داخل البيئات التي ينشط فيها، الأمر الذي أسهم في حدة المواجهة بين الطرفين، ورسخ حالة من الصراع المستمر على النفوذ والموارد في منطقة الساحل[16].

وفي المقابل، تبنّت جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين خلال السنوات الأخيرة نهجًا أكثر مرونة في إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها، إذ خففت من استخدامها للعنف العلني والترهيب ضد السكان المحليين، وركزت بصورة أكبر على كسب تأييد المجتمعات المحلية، من خلال نشر خطابها الديني، وجمع الضرائب، وتقديم بعض الخدمات، مثل توزيع الغذاء والأدوية والمساعدات على السكان. كما أبدت قدرًا أكبر من الانفتاح على الأعراف المحلية وإدارة النزاعات، بهدف تعزيز شرعيتها وترسيخ نفوذها في المناطق التي تفرض سيطرتها عليها. ويعكس هذا التحول سعي الجماعة إلى الانتقال من مجرد تنظيم يعتمد على القوة المسلحة إلى فاعل يسعى إلى ترسيخ نموذج للحكم المحلي يضمن استمرارية نفوذه وتوسيع قاعدة مؤيديه.[17]

سادسًا: لماذا فشلت الجهود الدولية في احتواء الجماعة؟

على الرغم من تعدد المبادرات الدولية والإقليمية الرامية إلى مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، فإنها لم تنجح في الحَدّ من تمدد جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين، حيث كشفت التجربة الأمنية في الساحل عن محدودية الاعتماد على المقاربة العسكرية وحدها، إذ أسهمت الانتهاكات واستخدام القوة التي ارتكبتها قوات الدفاع والأمن في زعزعة ثقة السكان والمجتمعات المحلية بالمؤسسات الأمنية، الأمر الذي عزز شعور السكان بعدم الأمان، ودفع بعض المجتمعات والقبائل إلى تشكيل مجموعات للدفاع الذاتي، في حين استفادت جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين من هذا الأمر في عمليات التجنيد واندماج التنظيم داخل المجتمعات المحلية.[18]

ولم يقتصر إخفاق جهود مكافحة الإرهاب على محدودية المقاربة العسكرية، بل ارتبط أيضًا بغياب استراتيجية شاملة تعالج العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي غذّت انتشار الجماعات الجهادية. فعلى الرغم من تنفيذ عمليات عسكرية واسعة بدعم من الأمم المتحدة وفرنسا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، واستحداث أطر إقليمية مثل القوة المشتركة لدول الساحل الخمس، فإن هذه الجهود ركزت بصورة رئيسية على البُعْد الأمني والعسكري، ولم تحقق سوى نتائج محدودة ومؤقتة[19]، في حين استمرت الجماعات المسلحة في استغلال الثغرات السياسية والأمنية وهشاشة الدولة وضعف مؤسساتها لتوسيع نطاق نفوذها وانتشارها. الأمر الذي ساعدها في نقل الصراع إلى مناطق متفرقة وجديدة، بما يعكس قدرتها على استغلال ضعف نفوذ الدولة في المناطق النائية، وتعزيز حضورها الميداني رغم الجهود العسكرية المبذولة[20].

وفي السياق نفسه، أسهم ضعف مؤسسات الدولة ومحدودية حضورها في العديد من المناطق الحدودية والريفية في تقويض فعالية جهود مكافحة الإرهاب، إذ أدى ضعف الخدمات العامة وهشاشة الحوكمة إلى تعزيز شعور قطاعات واسعة من السكان بالتهميش، وهو ما استغلته الجماعات المسلحة لتعزيز حضورها المحلي وكسب التأييد داخل بعض المجتمعات. كما تداخلت هذه العوامل مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، بما في ذلك الفقر والبطالة والتفاوت التنموي والصراعات على الموارد، ما وفر بيئة خصبة للتجنيد واستقطاب عناصر جديدة، وهو ما يؤكد أن الاقتصار على المقاربة العسكرية دون معالجة الأسباب الجذرية للصراع يَحُدُّ من فاعلية جهود المكافحة.[21]

وازداد المشهد تعقيدًا عقب موجة الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينافاسو والنيجر، التي أدت إلى توتر العلاقات مع الشركاء الدوليين وقطع عدد من أوجه التعاون العسكري، بالتزامن مع تراجع النفوذ الغربي وتبدل التحالفات الأمنية في المنطقة، وهو ما أضعف مستوى التنسيق الدولي والإقليمي في مواجهة التهديدات العابرة للحدود. وفي المقابل، استفادت الجماعات الجهادية من هذا الواقع، مستغلةً هشاشة الحُكْم، وضعف التنسيق بين الفاعلين، واستمرار المظالم المحلية، بما عزز قدرتها على التمدد وترسيخ نفوذها في منطقة الساحل.[22]

وتؤكد هذه المؤشرات أن فشل احتواء الجماعة لم يكن نتيجة قصور عسكري فحسب، بل بسبب محدودية المقاربات التي تعاملت مع الإرهاب بوصفه مشكلة أمنية منفصلة عن أزمة الدولة والحُكْم والتنمية. ولذلك، فإن أي استراتيجية مستقبلية لمواجهة الجماعة ينبغي أن تجمع بين تعزيز القدرات الأمنية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحقيق التنمية المحلية، وتسوية النزاعات المجتمعية التي تستغلها التنظيمات الإرهابية والمتطرفة.

الخاتمة

تكشف تجربة جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين أن تطور الجماعات الجهادية في منطقة الساحل ليس مرتبطًا بالتفوق العسكري وحده، بل يأتي انعكاسًا لقدرتها على التكيف مع البيئات السياسية والأمنية والاجتماعية المتغيرة، واستثمار هشاشة وضعف المؤسسات التي تعاني منها دول المنطقة. فقد استطاعت الجماعة أن تتحول من مجرد تحالف يضم عدة فصائل مسلحة، إلى شبكة إقليمية عابرة للحدود، مستفيدة من هيكل تنظيمي مرن، ومصادر تمويل متنوعة، وعلاقات محلية واسعة، إلى جانب قدرتها على الجمع بين أهدافها الأيديولوجية العابرة للحدود ومتطلبات البيئة المحلية. كما أسهمت مرونتها التنظيمية، وتوظيفها للإعلام والخطاب الدعوي، في تعزيز حضورها المجتمعي واستمرار نشاطها رغم الضغوط العسكرية المتواصلة. غير أن تنافسها مع تنظيم الدولة الإسلامية أدّى إلى إعادة تشكيل خريطة العنف والنفوذ داخل الساحل.

وفي المقابل، أظهرت التجربة أن المقاربات التي ركزت على الأدوات العسكرية والأمنية لم تحقق سوى نتائج محدودة، لأنها تعاملت مع الجماعة باعتبارها تهديدًا أمنيًّا منفصلًا عن السياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أسهمت في نشأتها وتمددها. كما أن استمرار هشاشة الدولة، وضعف مؤسسات الحُكْم، وتراجع التنسيق الإقليمي والدولي، وفر بيئة خصبة لاستمرار نشاط الجماعة وتعزيز نفوذها.

وعليه، فإن الحَدّ من خطر جماعة نُصرة الإسلام والمسلمين يقتضي تبني استراتيجية شاملة، تتجاوز منطق الاستجابة العسكرية، وتقوم على إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز كفاءتها، وسيادة القانون، وتحقيق التنمية في المناطق النائية، ومعالجة النزاعات المحلية، وتحسين التنسيق الأمني بين دول المنطقة. والخلاصة أن معالجة أسباب الأزمة التي أنتجت هذا التهديد تظل شرطًا أساسيًّا لإضعاف قدرة الجماعة على إعادة إنتاج نفوذها والحَدّ من استمرارها بوصفها أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار في منطقة الساحل الأفريقي.


[1] خالد مجدوب، وسط انقلابات وضعف مؤسسات.. الجماعات المسلحة تتوسع بدول الساحل (تقرير)، 25نوفمبر2025، وسط انقلابات وضعف مؤسسات.. الجماعات المسلحة تتوسع بدول الساحل

[2] خالد مجدوب، وسط انقلابات وضعف مؤسسات.. الجماعات المسلحة تتوسع بدول الساحل (تقرير)، 25نوفمبر2025، وسط انقلابات وضعف مؤسسات.. الجماعات المسلحة تتوسع بدول الساحل

[3] الجزيرة نت، جماعة الإسلام”.. تنظيم يتبع القاعدة بمنطقة الساحل، 4/3/2018، “جماعة الإسلام”.. تنظيم يتبع القاعدة بمنطقة الساحل | موسوعة | الجزيرة نت

[4] D.Eizenga & W. Williams, The Puzzle of JNIM and Militant Islamist Groups in the Sahel, December 1, 2020, https://africacenter.org/publication/puzzle-jnim-militant-islamist-groups-sahel/

[5] D.Eizenga & W. Williams, The Puzzle of JNIM and Militant Islamist Groups in the Sahel, December 1, 2020, https://africacenter.org/publication/puzzle-jnim-militant-islamist-groups-sahel/

[6] مجلة ADF، جماعة نُصرة الإسلام تواصل الزحف إلى الدول الساحلية، مارس 2026، جماعة نُصرة الإسلام تواصل الزحف إلى الدول الساحلية – Africa Defense Forum

[7] سكاي نيوز عربية، من التمرد إلى “الدولة”.. كيف توسعت القاعدة في الساحل؟، 17 يونيو2026، من التمرد إلى “الدولة”.. كيف توسعت القاعدة في الساحل؟ | سكاي نيوز عربية

[8] Australian National Security, Jama’at Nusrat al-Islam wal-Muslimin, 22 September 2024, https://www.nationalsecurity.gov.au/what-australia-is-doing/terrorist-organisations/listed-terrorist-organisations/jamaat-nusrat-al-islam-wal-muslimin

[9] خالد مجدوب، وسط انقلابات وضعف مؤسسات.. الجماعات المسلحة تتوسع بدول الساحل (تقرير)، 25نوفمبر2025، وسط انقلابات وضعف مؤسسات.. الجماعات المسلحة تتوسع بدول الساحل

[10] خالد مجدوب، وسط انقلابات وضعف مؤسسات.. الجماعات المسلحة تتوسع بدول الساحل (تقرير)، 25نوفمبر2025، وسط انقلابات وضعف مؤسسات.. الجماعات المسلحة تتوسع بدول الساحل

[11] سكاي نيوز عربية، من المناجم إلى البنادق.. “الذهب يمول الإرهاب في أفريقيا، 29يونيو2026، من المناجم إلى البنادق.. “الذهب يمول الإرهاب في أفريقيا” | سكاي نيوز عربية

[12] حمدي عبدالرحمن حسن، تصعيد الهجوم الجهادي: هل أصبح الساحل الأفريقي بؤرة جديدة للإرهاب العالمي؟، مركز الإمارات للسياسات، 29أبريل2024، https://epc.ae/ar/details/featured/taseid-alhujum-aljihadi-hal-asbah-alsahil-alafriqi-burat-jadida-lil-irhab-alalami

[13] المرجع السابق.

[14] المرجع السابق.

[15] لاسينا ديارا، الساحل بين تنظيمي “داعش” و“القاعدة” – تنافر أم تمويه؟، التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، 13/6/2021، https://www.imctc.org/ar/eLibrary/Articles/Pages/article13062021.aspx

[16] علي بكر، تحوُّلات أولويّات الاستهداف عند التنظيمات الإرهابيّة، تريندز للبحوث والاستشارات، 22مارس2023، TRENDS Research & Advisory – تحوُّلات أولويّات الاستهداف عند التنظيمات الإرهابيّة

[17] Corey-Boulet R., Lewis D., Crowe P., Al Qaeda-linked militants curb their brutality in seized Malian territory, Reuters, 13June2026, https://www.reuters.com/world/africa/militants-mali-linked-al-qaeda-curb-brutality-they-tighten-control-2026-06-13/

[18] لاسينا ديارا، الساحل بين تنظيمي “داعش” و“القاعدة” – تنافر أم تمويه؟، التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، 13/6/2021، https://www.imctc.org/ar/eLibrary/Articles/Pages/article13062021.aspx

[19] حمدي عبدالرحمن حسن، تصعيد الهجوم الجهادي: هل أصبح الساحل الأفريقي بؤرة جديدة للإرهاب العالمي؟، مركز الإمارات للسياسات، 29أبريل2024، https://epc.ae/ar/details/featured/taseid-alhujum-aljihadi-hal-asbah-alsahil-alafriqi-burat-jadida-lil-irhab-alalami

[20] عادل بن إبراهيم، جمهورية مالي.. مشهد ضبابي لمآلات الصراع المسلح ، وكالة الأناضول، 30أبريل2026، جمهورية مالي.. مشهد ضبابي لمآلات الصراع المسلح

[21] حمدي عبدالرحمن حسن، تصعيد الهجوم الجهادي: هل أصبح الساحل الأفريقي بؤرة جديدة للإرهاب العالمي؟، مركز الإمارات للسياسات، 29أبريل2024، https://epc.ae/ar/details/featured/taseid-alhujum-aljihadi-hal-asbah-alsahil-alafriqi-burat-jadida-lil-irhab-alalami

[22] حمدي عبدالرحمن حسن، تصعيد الهجوم الجهادي: هل أصبح الساحل الأفريقي بؤرة جديدة للإرهاب العالمي؟، مركز الإمارات للسياسات، 29أبريل2024، https://epc.ae/ar/details/featured/taseid-alhujum-aljihadi-hal-asbah-alsahil-alafriqi-burat-jadida-lil-irhab-alalami