ملامح الذئاب المنفردة وعودة التهديدات الإرهابية: داعش يُلَوّح باستهداف كأس العالم

InsightImage

ملامح الذئاب المنفردة وعودة التهديدات الإرهابية: داعش يُلَوّح باستهداف كأس العالم

يبدو أن تنظيم داعش يحاول إعادة إحياء استراتيجية الذئاب المنفردة، إذ يلجأ إلى تنفيذ هجمات إرهابية في الدول التي لا يستطيع الوصول إليها، وهي الاستراتيجية التي يعول عليها بسبب عدم تواجد تنظيمي له على أراضيها، وذلك من خلال توجيهه خطابًا إعلاميًّا تحريضيًّا لعناصره، ليحفزها على القيام بعمليات إرهابية، تجمع بين سهولة التنفيذ والإعداد، وبين قوة التأثير وإثارة الرعب. ففي مجلته الأسبوعية “النبأ”، العدد 552، بتاريخ 18 يونيو 2026، دعا التنظيم مؤيديه والموالين له إلى استهداف بطولة كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، من خلال استهداف الملاعب والتجمعات الجماهيرية المرتبطة بالبطولة، مع الإشارة إلى ضرورة اتباع أساليب مختلفة في الهجمات المنتظرة، من بينها إشعال الحرائق داخل المدرجات، والتسبب بحالات تدافع جماعي، أو تنفيذ هجمات باستخدام السيارات أو الأسلحة البيضاء في محيط الملاعب ومناطق تجمع المشجعين[1]. وهو ما يطرح تساؤلات حول أهم ملامح الذئاب المنفردة التي يعتمد عليها تنظيم داعش لتنفيذ هجماته في المناطق التي لا يمكنه الوصول اليها، والتداعيات المحتملة لعودة نشاط الذئاب المنفردة في ذلك التوقيت.

وهذه ليست المرة الأولى التي يوجّه فيها تنظيم داعش تهديداته إلى الفعاليات والرموز الرياضية العالمية، إذ سبق للتنظيم أن توعد باستهداف عدد من أبرز نجوم كرة القدم والبطولات الدولية في إطار حملاته الدعائية والتحريضية. ففي عام 2018، نشر التنظيم مواد دعائية عبر شبكة الإنترنت، تضمنت صورة للنجم الأرجنتيني ليونيل ميسي داخل استاد «لوجنيكي» في العاصمة الروسية موسكو، في محاولة لتوظيف رمزية اللاعب والحدث الرياضي الأكبر عالميًّا لتحقيق أكبر قدر من الصدى الإعلامي وإثارة المخاوف الأمنية قُبيل انطلاق بطولة كأس العالم. وامتدت تهديدات التنظيم خلال الفترة ذاتها إلى عدد آخر من نجوم كرة القدم العالميين، من بينهم النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو، حيث تداولت منصات دعائية موالية للتنظيم صورًا ورسائل تهديدية استهدفت اللاعب على خلفية مشاركته في البطولة. كذلك شملت التهديدات النجم البرازيلي نيمار جونيور، في إطار حملة دعائية أوسع، سعت إلى استغلال الشعبية العالمية لهؤلاء اللاعبين لتعظيم الأثر النفسي والإعلامي للرسائل التي يروجها التنظيم.[2]

ولم تقتصر هذه التهديدات على اللاعبين فحسب، بل شملت أيضًا البطولة نفسها والدول المنظمة لها، حيث توعد التنظيم آنذاك بتنفيذ أعمال إرهابية خلال منافسات كأس العالم في روسيا، في محاولة لإبراز قدرته على تهديد الفعاليات الدولية الكبرى، من خلال اعتماده على ذئابه المنفردة التي كان يُتوقع أن تكون متواجدة في روسيا في ذلك التوقيت لتنفيذ التهديدات الإرهابية، رغم الضغوط الأمنية والعسكرية التي كان يواجهها. هذا النمط من التهديدات يعكس إدراك التنظيم للقيمة الرمزية والإعلامية للأحداث الرياضية العالمية، وسعيه إلى توظيفها كمنصات دعائية تمنحه حضورًا إعلاميًا يتجاوز بكثير قدراته العملياتية الفعلية.[3]

ملامح متعددة لظاهرة الذئاب المنفردة الداعشية

يمكن القول إن مصطلح «الذئاب المنفردة» يُطلق على الأفراد المتعاطفين أو الموالين لتنظيم داعش الذين ينفذون هجمات إرهابية بصورة مستقلة، وهو يختلف عن مفهوم الخلايا أو المجموعات الداعشية المنظمة التي تعمل ضمن أطر تنظيمية أكثر وضوحًا، وتتمثل أبرز ملامح ما يُعرف بظاهرة «الذئاب المنفردة الداعشية» فيما يلي:

أولًا: الهجوم الفردي: تُعَدُّ الفردية السمة الأبرز للفاعل الإرهابي الذي يُوصف بـ«الذئب المنفرد»، إذ يعتمد بصورة رئيسية على قدراته الذاتية في اختيار الهدف والتخطيط للهجوم وتنفيذه، دون حصوله على دعم لوجستي أو توجيه عملياتي مباشر من التنظيم، نظرًا لأنه لا يتلقى أوامر مباشرة من القيادة المركزية للتنظيم، بل يستلهم قراره من التوجهات العامة والخطاب الدعائي للتنظيم، ويتحرك في إطار الأهداف التي يروج لها، كما أنه قد يتحول من الحالة الخامدة إلى الحالة الهجومية في أي لحظة، بشكل يجعل من المستحيل تعقبه قبل أن يقرر القيام بعمل إرهابي، ما يَحُدُّ من القدرة على تحييده قبل أن تسيل دماء الأبرياء [4]. ويقول الخبراء الأمنيون إن المقصود بهذا المصطلح الاستخباراتي هم الأفراد الذين ينفذون عمليات قتل بشكل انفرادي دون وجود بنية تنظيمية توجهها وتخطط لها، أو يتحركون بتأثير من دعاية تنظيمٍ ما، ولكنهم ليسوا مكلفين بهذه المهمة من قبل قيادته بأي طريقة، وغالبًا ما يكون هؤلاء أشخاصًا عاديين لا يثيرون ريبة في حركاتهم وسلوكهم، وتتسم العمليات التي ينفذونها بطابع «الضربة الواحدة» أو «العملية أحادية المرحلة»، حيث تنتهي غالبًا بمقتل المنفذ أو القبض عليه عقب تنفيذ الهجوم[5].

ثانيًا: التشبع الأيديولوجي عبر الفضاء الرقمي: يرتبط ظهور الذئاب المنفردة في الغالب بعمليات تطرف ذاتي تتم داخل البيئة الرقمية، حيث يتعرض الأفراد بصورة مكثفة للمحتوى الدعائي المتشدد قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ العملي. وتتم عملية التحوُّل نحو العنف عبر ثلاث آليات مترابطة، تتمثل الأولى في التأثير النفسي، حيث يجد الفرد في الخطاب المتطرف إجابات مبسطة لأزماته الشخصية وإحساسًا بالانتماء والهوية، أمّا الثانية فتتمثل في التطبيع مع العنف من خلال الاستهلاك المتكرر لمضامين دعائية تعمل على نزع الإنسانية عن الضحايا وتبرير القتل والتخريب باعتبارهما أفعالًا مشروعة، فيما تتمثل الآلية الثالثة في الانتقال من القناعة الفكرية إلى الممارسة العملية، حيث تُفَعَّل الدوافع النفسية لدى الفرد عندما يقتنع بوجود تهديد مباشر لهويته أو معتقداته أو الجماعة التي يتخيل الانتماء إليها، فيندفع نحو تنفيذ أعمال عنيفة خلال فترة زمنية قصيرة، مدفوعًا بخطاب دعائي يقنعه بأن أي فعل إرهابي، مهما كان محدودًا، يمثل إنجازًا كبيرًا يخدم أهداف التنظيم ويستحق المكافأة والثواب[6].

ثالثًا: الاعتماد على الإمكانيات المتاحة: تُعَدُّ محدودية الإمكانيات التشغيلية من السمات الرئيسية المرتبطة بظاهرة «الذئاب المنفردة»، إذ إن هذا النمط من الفاعلين يرتبط بالتنظيمات المتطرفة ارتباطًا فكريًّا وأيديولوجيًّا أكثر من ارتباطه بها تنظيميًّا، فغالبًا ما يتبنى الفرد أفكار التنظيم وخطابه الدعائي إلى الحَدّ الذي يدفعه إلى تنفيذ عمل إرهابي بصورة مستقلة، دون وجود صلة تنظيمية مباشرة أو تلقي أوامر محددة من قيادة التنظيم، استجابةً لما تروج له التنظيمات المتطرفة تحت مسميات مثل «الاستجابة للنداء» أو «نصرة القضية»، وبالتالي يعتمد منفذو هذا النوع من العمليات على الوسائل والإمكانيات المتاحة لهم محليًّا، والتي يسهل الحصول عليها واستخدامها، نظرًا لافتقارهم إلى البنية التنظيمية والدعم اللوجستي اللازميْن لتنفيذ عمليات معقدة. لذا تتسم عمليات الذئاب المنفردة في الغالب بالبساطة من حيث التخطيط والتنفيذ، حيث تركز أساسًا على إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر البشرية، أو إثارة حالة من الذعر المجتمعي، بدلًا من تنفيذ عمليات واسعة النطاق تتطلب قدرات تنظيمية وموارد بشرية ومادية كبيرة.[7]

رابعًا: التمويل الذاتي: من السمات البارزة الأخرى لعمليات الذئاب المنفردة اعتمادها على التمويل الذاتي، حيث يتحمل المنفذ بمفرده تكاليف العملية التي يعتزم تنفيذها، مستندًا إلى موارده الشخصية، ودون الحصول على دعم مالي مباشر من التنظيم الذي يتبنى أفكاره، ما يترتب عليه أن تكون هذه العمليات محدودة التكلفة والإمكانيات مقارنةً بالعمليات التي تنفذها التنظيمات الإرهابية المنظمة، وهو ما يدفع المنفذ الإرهابي إلى استخدام وسائل بسيطة ومتاحة لا تتطلب نفقات كبيرة أو ترتيبات معقدة، على غرار الذئب الداعشي الذي هجم على أحد القطارات في ألمانيا بفأس وسكين في عام 2016، ما أسفر عن جرح عدد من الأشخاص. وتسهم هذه الخصائص في جعل هذا النمط من التهديدات أكثر صعوبة من حيث الرصد المبكر، نظرًا لعدم ارتباطه عادةً بشبكات تمويل أو إمداد يمكن تتبعها أو كشفها من خلال الإجراءات الأمنية التقليدية[8].

خامسًا: صعوبة رصد الذئاب المنفردة: تمثل هجمات الذئاب المنفردة أحد أكثر التحديات الأمنية تعقيدًا في مواجهة الإرهاب المعاصر، إذ تزداد صعوبة إحباطها عندما يكون المنفذ مُقِيمًا داخل الدولة المستهدفة أو مندمجًا في بيئتها الاجتماعية، بما يتيح له معرفة دقيقة بطبيعة الأماكن العامة والفعاليات الجماهيرية وأنماط الحركة اليومية. وتوفر هذه المعرفة المحلية للفاعل القدرة على اختيار أهداف ذات رمزية أو كثافة بشرية مرتفعة بما يحقق أكبر قدر من التأثير النفسي والإعلامي، مع تقليل احتمالات اكتشاف مخططاته قبل التنفيذ. لذا تُعَدُّ صعوبة الرصد والكشف المبكر من أبرز الخصائص المرتبطة بظاهرة «الذئاب المنفردة»، إذ إن العديد من الأفراد الذين ينفذون هذا النوع من الهجمات لا تكون لهم في كثير من الأحيان سوابق جنائية أو ارتباطات تنظيمية مباشرة مع الجماعات الإرهابية[9]،الأمر الذي يجعلهم خارج دوائر الاشتباه الأمني التقليدية، كما أن غياب التواصل التنظيمي المباشر، وافتقارهم إلى شبكات دعم أو تمويل يمكن تتبعها، كل ذلك يَحُدُّ من قدرة الأجهزة الأمنية على اكتشاف نواياهم أو إحباط مخططاتهم قبل مرحلة التنفيذ، فـ”الذئب المنفرد” يكون عمله فرديًّا في الغالب، إذ ينفذ عادة عملية واحدة ثم يختفي، ولا يكون له أي سجل أمني أو تـُعرف له سوابق من تصرفات أو آراء “متطرفة”، ما يجعل هجمات الذئاب المنفردة تشكل تهديدًا مباشرًا لمناطق مختلفة في العالم، وتحديدًا لمنطقتي أوروبا والشرق الأوسط[10].

سادسًا: صعوبة إحباط هجمات الذئاب المنفردة: تعود خطورة هذا النمط من الهجمات إلى اختلافه الجوهري عن العمليات التي تنفذها التنظيمات الإرهابية التقليدية، فقد اعتادت الأجهزة الأمنية على تطوير آلياتها الاستخباراتية لمواجهة التنظيمات التي تمتلك هياكل قيادية وشبكات اتصال وتمويل، وعناصر تنفيذية يمكن تتبعها ورصد تحركاتها وتحليل أنماط نشاطها، حيث إن وجود بنية تنظيمية واضحة يوفر مؤشرات استخباراتية تساعد في الكشف المبكر عن المخططات الإرهابية، فضلًا عن إمكانية إضعاف قدرات التنظيم من خلال استهداف قياداته أو موارده أو بنيته اللوجستية[11]. أمّا في حالة الذئاب المنفردة، فإن معظم هذه المؤشرات تكون غائبة أو محدودة للغاية، حيث يتم التخطيط والتنفيذ بصورة فردية بعيدًا عن الهياكل التنظيمية التقليدية، الأمر الذي يقلص حجم المعلومات المتاحة للأجهزة الأمنية، ويجعل عملية التنبؤ بالهجمات أو إحباطها أكثر صعوبة، لاسيّما وأن المنفذ غالبًا ليس له سجل أمني أو ارتباطات تنظيمية مباشرة تثير الشبهات حوله، ما يَحُدُّ من قدرة الجهات المختصة على رصده مسبقًا. لذلك فإن هذا النمط من الإرهاب يفرض تحديات استثنائية على المنظومات الأمنية والاستخباراتية، نظرًا لاعتماده على أفراد يعملون بصورة مستقلة ويحتفظون بسرية عالية في مراحل التخطيط والإعداد والتنفيذ.[12]

تداعيات محتملة لعودة الذئاب المنفردة

تكشف السمات السابقة التي تميز ظاهرة «الذئاب المنفردة»، أن هذا النمط من التهديدات الأمنية مرشح للاستمرار والتوسع خلال المرحلة المقبلة، لاسيّما في ظل التحولات التي شهدتها التنظيمات الإرهابية خلال السنوات الأخيرة من ناحية، ومحاولتها تعويض هذا التراجع بالاعتماد على الذئاب المنفردة من ناحية أخرى. فمع تراجع القدرات العملياتية لتنظيم داعش، وفقدانه مساحات واسعة من نفوذه الجغرافي في العراق وسوريا، وتعرض فروعه وشبكاته في عدد من مناطق آسيا وأوروبا لضغوط أمنية وعسكرية متزايدة، في ظل كل ذلك بات التنظيم أكثر ميلًا إلى تبني أنماط منخفضة التكلفة وعالية التأثير، وفي مقدمتها هجمات الذئاب المنفردة.[13]

يعود ذلك إلى أن هذا النموذج يوفر للتنظيم العديد من المزايا الاستراتيجية، فهو لا يتطلب بنية تنظيمية معقدة أو شبكات تمويل واتصال واسعة، كما يمنحه القدرة على المحافظة على حضوره الإعلامي وإظهار قدرته على التأثير رغم التراجع التنظيمي الذي يواجهه. لذا، من المحتمل أن يعتمد داعش بصورة متزايدة الفترة القادمة على توظيف الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الإلكتروني في نشر دعايته الأيديولوجية، واستقطاب الأفراد المتعاطفين معه، وتشجيعهم على تنفيذ أعمال عنيفة بصورة فردية ومستقلة، بما يسمح له بالاستفادة من نتائج تلك العمليات دعائيًّا دون تحمل أعباء التخطيط المركزي أو المخاطر الأمنية المرتبطة به.

تزداد خطورة هذا التَّوَجُّه في ظل التطور المستمر لوسائل الاتصال الحديثة واتساع نطاق المحتوى المتطرف على المنصات الرقمية، الأمر الذي يُسهم في تسريع عمليات الاستقطاب والتأثير الفكري، ويعزز من احتمالات انتقال بعض الأفراد من مرحلة التعاطف الأيديولوجي إلى مرحلة الفعل العنيف، لاسيّما وأن الطبيعة اللامركزية لهذا النمط من الهجمات تمنح التنظيم قدرة أكبر على تجاوز الضربات الأمنية والعسكرية التي تستهدف هياكله التنظيمية التقليدية، بما يجعله خيارًا مفضلًا لتعويض تراجعه العملياتي في عدد من الساحات.[14]

وهنا تبرز الفعاليات الدولية الكبرى والتجمعات الجماهيرية واسعة النطاق باعتبارها أهدافًا محتملة تسعى التنظيمات المتطرفة إلى استغلال رمزيتها الإعلامية وحجم التغطية المصاحبة لها؛ لتحقيق أكبر قدر من الدعاية والتأثير النفسي، فضلًا عن كونها تمثل فرصة ثمينة بالنسبة للتنظيم لإسقاط أكبر عدد ممكن من الضحايا الأبرياء، وبالتالي فإن الأحداث الرياضية العالمية، وفي مقدمتها بطولة كأس العالم 2026، تفرض تحديات أمنية استثنائية تتطلب درجات عالية من اليقظة والتنسيق الدولي، خصوصًا في ظل الدعوات التحريضية التي تصدر بين الحين والآخر عن المنصات الإعلامية التابعة للتنظيمات الإرهابية أو المؤيدة لها، والتي تسعى إلى تشجيع الأفراد المتعاطفين على تنفيذ أعمال عنيفة بصورة مستقلة[15].

 لذا، فإن مواجهة هذا التهديد لم تَعُدْ تقتصر على الأدوات الأمنية التقليدية، بل أصبحت تعتمد على مقاربة شاملة، تجمع بين الرصد الاستخباراتي المبكر، ومراقبة الفضاء الإلكتروني، وتفكيك شبكات الاستقطاب والتطرف الرقمي، وتعزيز التعاون الدولي في تبادل المعلومات، إلى جانب تطوير برامج الوقاية الفكرية والمجتمعية التي تستهدف الحَدّ من فرص التجنيد الذاتي. كما أن الجهود الرامية إلى عزل الأفراد المعرضين للتطرف عن البيئات والمحفزات الداعمة له باتت تكتسب أهمية متزايدة، بما يُسهم في تقليص احتمالات تحوُّل الأفكار المتشددة إلى تهديدات أمنية فعلية. لذلك فإن نجاح الدول في مواجهة ظاهرة الذئاب المنفردة سيظل مرهونًا بقدرتها على الجمع بين المعالجات الأمنية والتقنية والفكرية، في إطار استراتيجية متكاملة تستجيب للطبيعة المتغيرة للتهديدات الإرهابية المعاصرة[16].

الخاتمة

في ضوء ما سبق، يتضح أن ظاهرة «الذئاب المنفردة» تمثل أحد أكثر أنماط التهديدات الإرهابية تعقيدًا وتحوُّلًا في البيئة الأمنية المعاصرة، نظرًا لارتباطها بالأفراد أكثر من ارتباطها بالبنى التنظيمية التقليدية. فهذه الظاهرة لا تعكس تَوَجُّهًا أيديولوجيًّا محددًا، بقدر ما تُعبر عن نمط من الفاعلين الذين يتبنون دوافع سياسية أو دينية أو اجتماعية أو نفسية تدفعهم إلى ممارسة العنف بصورة مستقلة، مستفيدين من سهولة الوصول إلى المحتوى المتطرف عبر الفضاء الرقمي، ومن محدودية المؤشرات الأمنية التي يمكن من خلالها رصدهم أو التنبؤ بسلوكهم قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ. في الوقت نفسه تتميز الذئاب المنفردة بمجموعة من الخصائص التي تزيد من خطورتها، من أبرزها العمل الفردي، والتشبع الأيديولوجي عبر الوسائط الرقمية، والاعتماد على الإمكانيات الذاتية والتمويل الشخصي، فضلًا عن صعوبة رصدها وإحباط هجماتها في مراحلها المبكرة، كما أن غياب الارتباط التنظيمي المباشر بين المنفذ وقيادة داعش لا ينفي وجود تأثير أيديولوجي يمارس دورًا محوريًّا في توجيه السلوك العنيف وتحفيزه، الأمر الذي يجعل الحدود الفاصلة بين الفاعل الفردي والتنظيم المتطرف أكثر تعقيدًا وتشابكًا.[17]

تكتسب هذه الظاهرة أهمية متزايدة في ظل التحوُّلات التي شهدتها التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم داعش، خلال السنوات الأخيرة، فمع تراجع قدراته العسكرية والتنظيمية وخسارته العديد من معاقله التقليدية، يبدو أن التنظيم سيتجه إلى تبني استراتيجيات أكثر لامركزية، تقوم على التحريض والتعبئة الفكرية بدلًا من التخطيط العملياتي المباشر، بما يسمح له بالحفاظ على حضوره الدعائي، وإثبات استمرارية تأثيره رغم الضغوط الأمنية والعسكرية المتزايدة. ولذلك، فمن المُرَجَّح أن يظل نموذج الذئاب المنفردة أحد الخيارات المفضلة لدى التنظيم خلال المرحلة المقبلة، باعتباره وسيلة منخفضة التكلفة وعالية الأثر الإعلامي والنفسي. ومن ثَمّ فإن مواجهة ظاهرة الذئاب المنفردة تتطلب الانتقال من المقاربات الأمنية التقليدية القائمة على استهداف الهياكل التنظيمية، إلى استراتيجيات أكثر تكاملًا تجمع بين الأبعاد الأمنية والفكرية والتقنية والاجتماعية، حيث إن نجاح جهود مكافحة الإرهاب في المستقبل لن يرتبط فقط بقدرة الدول على تفكيك التنظيمات المتطرفة، وإنما أيضًا بقدرتها على الحَدّ من إنتاج الفاعلين المنفردين، الذين يمثلون الامتداد الأكثر مرونة واستدامة للتهديد الإرهابي في صورته المعاصرة.


[1] داعش يهدد كأس العالم 2026.. التنظيم يحرض على استهداف الملاعب والمشجعين، موقع القاهرة الإخبارية، بتاريخ 19 يونيو 2026، على الرابط: https://short-url.cc/1sdao

[2] داعش يهدد ميسي ورونالدو بصورة “مرعبة”، موقع سكاي نيوز عربية، بتاريخ 17 مايو 2018، على الرابط: https://short-url.cc/1xHxw

[3] روسيا تنظم مونديال 2018 تحت تهديد داعش، موقع i24NEWS، بتاريخ 8 يونيو 2018، على الرابط: https://short-url.cc/1sdGo

[4] هكذا تخطط “الذئاب المنفردة” لعملياتها .. وهذه سُبُل مواجهتها، موقع هيسبريس، بتاريخ 26 ديسمبر 2015، على الرابط: https://short-url.cc/1sdsC

[5] سمات خاصة: كيف تختلف الذئاب المنفردة عن المجموعات الإرهابية؟، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، بتاريخ 31 أغسطس 2016، على الرابط: https://short-url.cc/1sdaA

[6] “الذئاب الداعشية المنفردة” في المغرب… من هم؟ وكيف تواجههم السلطات؟، موقع إندبندنت عربية، بتاريخ 26 نوفمبر 2025، على الرابط: https://short-url.cc/1sdb4

[7] الذئاب المنفردة.. التعريف والأهداف، مرصد الازهر لمكافحة التطرف، بتاريخ 12 نوفمبر 2022، على الرابط: https://short-url.cc/1sddG

[8] تنظيم الدولة “الإسلامية” يتبنى الهجوم على قطار في ألمانيا، موقع بي بي سي عربي، بتاريخ 19 يوليو 2016، على الرابط: https://short-url.cc/1sdeq

[9] الذئب المنفرد ومغالطة التحليل، موقع استراتيجكس، بتاريخ 27 مارس 2023، على الرابط: https://short-url.cc/1sdto

[10] الذئاب المنفردة.. تحدّ أمني يقلق استخبارات العالم، موقع الجزيرة نت، بتاريخ 16 يونيو 2016، على الرابط: https://short-url.cc/1sdg-

[11] ظاهرة “الذئاب المنفردة” هي التحدي الأكبر للأمن في الغرب، موقع بي بي سي عربي، بتاريخ 24 أكتوبر 2014، على الرابط: https://short-url.cc/1sdtT

[12] المرجع السابق

[13] الذئاب المنفردة: هل هو إرهاب عشوائي بالفعل؟، موقع حفريات، بتاريخ 23 يونيو 2026، على الرابط: https://short-url.cc/1xHlX

[14] رؤية تحليلية: تنظيم داعش وقضية “الذئاب المنفردة”، موقع حفريات، بتاريخ 10 يناير 2023، على الرابط: https://short-url.cc/1sdvf

[15] كيف تواجه أمريكا تهديدات “المسيّرات المفخخة” و”الذئاب المنفردة” في كأس العالم؟.. مهمة “لا تحتمل الفشل”، موقع سي إن إن عربي، بتاريخ 13 يونيو 2026، على الرابط: https://short-url.cc/1sdw0

[16] مواجهة «الذئاب المنفردة».. الطريق من الآليات الفكرية إلى المواجهات الأمنية والاستخباراتية، موقع صحيفة الشرق الأوسط، بتاريخ 9 أكتوبر 2017، على الرابط: https://short-url.cc/1sdwj

[17] أسرار صناعة الذئاب المنفردة.. أوراق استخباراتية وموسوعات علمية، موقع صحيفة العرب، بتاريخ 1 مارس 2020، على الرابط: https://short-url.cc/1sdCF