مراجعة كتاب: “تفكيك السلفية: تَحَوُّلاتها وتَحَوُّراتها من مجالس العلم إلى جبهات القتال”

InsightImage

مراجعة كتاب: “تفكيك السلفية: تَحَوُّلاتها وتَحَوُّراتها من مجالس العلم إلى جبهات القتال”

يُعَدُّ كتاب “تفكيك السلفية: تحوُّلاتها وتحوُّراتها من مجالس العلم إلى جبهات القتال” لمؤلفه الباحث المغربي الدكتور محمد بوشيخي، والصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، من الدراسات المهمة التي تسعى إلى تفسير المسار التاريخي والفكري، الذي انتقلت عبره السلفية من فضاء العلم الشرعي والاشتغال بالحديث والفقه، إلى فضاء الجهاد المسلح والعنف السياسي.

وينطلق المؤلف من فرضية أساسية مفادها “أن السلفية لم تكن منظومة فكرية ثابتة عبر التاريخ، بل خضعت لسلسلة من التحوُّلات الداخلية التي أعادت تشكيل هويتها وأولوياتها ووظائفها الاجتماعية والسياسية”. ويرى صاحب الكتاب، الدكتور محمد بوشيخي، أن هذا الانتقال من العلم إلى القتال حصل نتيجة تراكمات على مستوى قراءة المتن الديني وطرائق تطبيقاته، معتبرًا أن “الفكرة السلفية” لم تَثْبُت على هوية واحدة منذ أن تبلورت في مجالس المحدثين الأوائل خلال العهد الأول للإسلام. ويوضح الكاتب أن هذا التحوُّل تجسد بدايةً في شكل التفاعل والتمازج بين الوهابية والمحدّثين الهنود، الذي تولَّد عنه تيار “الحديثية الإحيائية”، وخاصة “الألبانية”، نسبة إلى الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الذي تبنى القراءة الظاهرية للنصوص، وحارب المذهبية والتقليد، ووضع الحديث في مرتبة القرآن، ما جعله في مواجهة مع مدرسة الدعوة النجدية والفقهاء.

وفي مقابل خلافه مع علماء الدعوة النجدية والفقهاء، يرى الكاتب أن الألباني أحرز تقاربًا مع التيار الحركي، وخاصة القطبي -نسبة إلى سيد قطب- حيث حقَّق تطابقًا على مستوى فِكْرِه باستلهام مفاهيمه حول الجاهلية والحاكمية. كما حقَّق تماثلًا على مستوى أداة التغيير من خلال منح صفة القتال للطائفة المنصورة، الأمر الذي جعلها تتماهى مع فكرة قطب حول “الجيل القرآني الفريد”. وبحسب رؤية المؤلف، فإن الألباني شرع الأبواب أمام السلفيين للتفاعل مع الفكر القطبي الذي كان محاصرًا في الوسط الإخواني منذ صدور كتاب “دعاة لا قضاة”، فأضفى على “القطبية” الشرعية الدينية التي كانت تعوزها.

ويلفت الباحث إلى أن الحركة الحديثية التي أججها الألباني مسَّت دوائر “الحركية الجهادية” في مصر، ممثلة أساسًا في تنظيميْ “الجهاد” و”الجماعة الإسلامية”، فصارت هوية هذه التنظيمات -تحت وقع الاهتمام بالحديث النبوي- أكثر ميلًا للرؤية السلفية بدل الرؤية الحركية. فكانت الحصيلة، وفقًا للتحليل الفكري الذي يقدمه الكتاب، اعتماد سيد قطب مرجعًا في الوسط السلفي، واعتماد الحديث مقومًا للفقه الحركي، ومن هنا تبلورت أولى الإرهاصات لتشكل “السلفية الجهادية”.

بيد أن “السلفية الجهادية” التي قامت على السرديات “الألبانية” والأدبيات “القطبية”، كما يقرر المؤلف، لم تتحول إلى تيار فكري منسجم، بل ظلت تيارًا هجينًا يُقاوم خطر التصدع والانشقاق داخل نخبته، بين حَمَلة القلم وحَمَلة السيف. ويشرح الكاتب هذا الانقسام مبينًا أن حملة القلم -أي أهل الاختصاص الشرعي- قرؤوا القطبية من خلال الألبانية؛ فطوقوها بمفاهيمه الشرعية ومنهجه في “التصفية والتربية”. أمّا حملة السيف -أي القيادات الجهادية الميدانية- فقد قرؤوا الألبانية من خلال القطبية وفقًا للمؤلف، ومن ثَمّ لم يقتصروا على تبني المفاهيم القطعية التي شرعنها الألباني، بل طوقوها بمنهج قطب التغييري القائم على قاعدة “التلازم بين الفكر الحركي والفكر النظري”، إلى جانب قواعد فرعية أخرى تتمثل في “رفض الفقه” و”أسبقية الجهاد على الفقه” و”مرحلية الأحكام الشرعية”. ومن هنا، حسبما يستنتج الدكتور بوشيخي، انطلق التنظير السلفي للجهاد إلى فكرة جعل القتال “مُنْتِجًا للفقه”، وسُمُوّ “المجاهد” على “العالم القاعد”، فنشأت مقولة “لا يُفتي قاعد لمجاهد”، وهي المعضلة التي واجهت بها “السلفية الجهادية” تحدي الصراع بين مُكَوِّنَيْها: “الشرعي” و”الميداني”.

وينبه المؤلف إلى أن علاقة الصراع بين “الشرعي” و”الميداني”، نتيجة طموح الثاني في مصادرة اختصاص الأول، تطورت إلى قاعدة ناظمة للعلاقة بينهما في مختلف تجارب التنظيمات الإسلامية حتى قبل تشكل السلفية الجهادية، مستشهدًا بنموذج الشيخ عمر عبدالرحمن وعلاقته بتنظيمات الحركية الجهادية المقتنعة بالمنهج القطبي. ويذكر الكاتب أن الفكرة القطبية التي تقوم على أولوية “العسكري” على حساب “الشرعي” كانت ثابتة في وعي عدد من القيادات الجهادية الميدانية الخاضعة لسطوة الموقف القطبي من الجهاد، بوصفه “مصدر إلهام للفقيه”. ويضيف الباحث أن هذه القيادات اشترطت في الأمير ليس فقط الإيمان بالجهاد والدعوة إليه، بل اشترطت أيضًا انخراطه في ساحة القتال، وهو ما لا يتوافر عادة في القيادات الشرعية المدنية، وعلى رأسها الشيخ عمر عبدالرحمن. ويرصد الكتاب في هذا السياق موقف عصام القمري الذي فجََّر داخل السجون جدلًا فقهيًّا حول إمارة عمر عبدالرحمن بمبرر أنه رجل ضرير، حيث يرى القمري أن المدنيين ليس لهم أن يقودوا أي جماعة أو تنظيم، ولذلك طالب بتأمير عبود الزُمر باعتباره رجلًا عسكريًّا.

ويؤكد المؤلف أن هذا التوجه نَجَمَ عنه تغليب الأولويات العسكرية لدى التنظيمات الجهادية على حساب المهام الشرعية، وتكريس سلطة “الجهادي الثائر” على حساب “الفقيه المفتي” في صياغة الرؤية الشرعية للجهاد. ويدلل الكاتب على ذلك بمركزية عبدالسلام فرج في تنظيم الجهاد بدل عمر عبدالرحمن؛ إذ يحكي الجهادي هاني السباعي أن فرج كان الأمير الفعلي للتنظيم. وبناءً على معطيات الكتاب، فإن الشيخ عمر عبدالرحمن لم يكن له سوى حضور صوري ورمزي، دون أي سلطة فعلية في صنع الأحداث ولا في سيرها في تنظيميْ الجهاد والجماعة الإسلامية. ويرى المؤلف أن الاختلاف في لقبه يعكس حقيقة تقزيم وظيفته أمام القيادات الجهادية الميدانية التي تقمصت دور المشيخة وصارت تصدر الفتاوى نيابة عنه. ويعلق الباحث على رفض علماء آخرين للإمارة قبل الشيخ عمر عبدالرحمن، مثل الشيخ أحمد المحلاوي والشيخ حافظ سلامة، بالقول إن الأمر كان ينطوي على خديعة بإقامة “إمارة صورية”، تُوَظَّف للتبرير وليس للتأصيل، وهو ما يعكس -وفقًا للمؤلف- ملامح التأثير القطبي في تدبير العلاقة بين هؤلاء الجهاديين والعلم الشرعي.

ويتابع الكاتب تحليله مبينًا أن صراع “الشرعي” و”الميداني” يظهر بشكل أكثر وضوحًا في حالة “السلفية الجهادية” ومشايخها، على شاكلة الدكتور سيد إمام ابن عبدالعزيز الشريف في علاقته بأيمن الظواهري، فبينما انخرط الظواهري في مسار الإعداد للقتال الميداني معلنًا أنه محب للعلماء وليس منهم، انصرف اهتمام سيد إمام، وفقًا للكتاب، إلى التأليف الشرعي، مُسَلِّفًا الفكرة الجهادية، ومؤسسًا لمركزية الحديث في الخطاب الجهادي، باعتماد تراث المدرسة النجدية، ومنهج الألباني القائم على القراءة الظاهرية ورفض المذهبية والتقليد. ويشير المؤلف إلى التوجه السلفي لسيد إمام، الذي جعله يؤمن بالفصل التام بين ساحة الجهاد الموكولة للقتال وميدان العلم المسخر لتخريج العلماء، وبالتالي نسف مقولة “لا يُفتي قاعد لمجاهد”، وكَرَّس ابتعاده عن منهج قطب، لدرجة أن سيد إمام كان يرى في كتب قطب “أنها كتب ثقافة وليست كتب علم شرعي”.

وفي المقابل، يوضح المؤلف أن أيمن الظواهري أبدى ميولًا مبكرة بتبني منهجية سيد قطب حول “أسبقية الجهاد على الفقه”، وجعل ساحة القتال مدرسة لإنتاج الفقه. ويرى الكاتب أن القناعة القطبية لدى الظواهري وجدت تجسيدها الفعلي في تفرده بإدارة التنظيم وتهميش سيد إمام، وهو ما تجلَّى خلال قضية تنظيم “طلائع الفتح” عام 1993، حيث تبين أن عناصر التنظيم يتصرفون تحت سلطة الظواهري، ويدينون له بالولاء، ويهتفون باسمه. ويذكر الباحث أن احتكار الظواهري لسلطة القرار وتصرفه على النقيض من اجتهاد سيد إمام الشرعي ظهر جليًّا حين رفض سيد إمام القيام بعمليات في مصر عام 1992 فقامت بها عناصر التنظيم بأمر من الظواهري أواخر 1993. ويلفت المؤلف إلى عبارة الظواهري التي قال فيها إن سيد إمام “يريد أن يجعلنا جماعة سلفية ونحن جهاد”، معتبرًا أن هذا التقابل يؤكد أن الصراع بين القيادتين كان يتجاوز الأبعاد الشخصية، ويضمر اقتناعًا بالفكرة القطبية حول سُمُوّ المقاتل على العالم القاعد.

وينتقل المؤلف لرصد التجربة ذاتها في العلاقة بين أبومحمد المقدسي كسلطة علمية، وتلميذه أبومصعب الزرقاوي كسلطة ميدانية، مبينًا أن هاجس الحفاظ على الهوية السلفية للفكر الجهادي قد انتهى بالمقدسي في كتابه “ملة إبراهيم” إلى تسليف فكره التنظيري تأثرًا بالألباني. وفي مقابل هذا الحضور السلفي، يرى الكاتب أن الزرقاوي تمسك بالقطبية، وكشف عن معالم رؤية جهادية تقوم على “أسبقية الجهاد على الفقه”، معلنًا امتعاضه من انتظارية الألباني ومثاليته في “التصفية والتربية”، ومرددًا مقولات سيد قطب بأن فقه هذا الدين لا ينبثق إلّا في أرض الحركة، ولا يؤخذ عن فقيه قاعد. وبموجب هذا التصور، يستنتج المؤلف أن العلماء -مثل المقدسي- لم يعودوا أهلًا للتوجيه والفتوى في أمر الجهاد بسبب بعدهم عن الساحات، فانبرى الزرقاوي يمارس الجهاد تحت إملاءات الميدان، عبر عمليات الذبح والتفجير واستهداف عوام الشيعة، ولم تخلف رسالة المناصحة التي وجهها له المقدسي عام 2005 أي أثر يذكر في الميدان.

ويشرح الكتاب كيف حاول بعض المنظرين، مثل سيف الدين الأنصاري وأبوسعد العاملي، تدارك هذا الفصام الفكري والاحتضان السلفي للمنهج القطبي؛ إذ يرى الأنصاري أن الحركة على طريق الجهاد هي الأداة الأساسية للتفقه في الدين، وبالتالي لن تحتاج الفئة المؤمنة إلى علماء من خارجها. أمّا أبوسعد العاملي فيستند هو الآخر صراحة، وفقًا للكاتب، إلى قاعدة قطب المنهجية “التلازم بين النمو الحركي والنمو النظري”، معتبرًا أن “أهل الثغور” أفقه وأعلم وأهدى سبيلًا من العلماء القاعدين، وأنهم هم العلماء القادة، نتاج الحركة الجهادية الدائمة، حتى وإن كان زادهم العلمي متواضعًا. ويلاحظ المؤلف أن العاملي سعى من خلفيته السلفية إلى التنظير لفقه حركي يمنحه هوية سلفية عبر ربطه بتراث السلف، مستدعيًا المنهج القطبي في قراءة السيرة النبوية؛ لتعزيز “سلفية” الفكرة الجهادية وربط شرعية العمل الجهادي بهويته المذهبية.

ويخلص الدكتور محمد بوشيخي في نهاية كتابه إلى أن الفكرة الجهادية خضعت لتحوُّرات عَدََّلت من قواعدها، فانتقلت من الفقه التقليدي إلى الحركي ثم السلفي، إلى أن تَغَوَّل المكون القطبي على حساب السلفي في المنظومة الجهادية. وهكذا أصبحت ممارسة الجهاد تخضع لضروريات الواقع وحاجات المجاهد، فانتهت إلى تمكين غير المختص في الشريعة من استنباط المسوغات وتجاوز التأصيل الشرعي. ويرى الكاتب أن هذا المأزق تجسد عبر عاملين؛ الأول هو “القطيعة الشرعية”، حيث أصبح “الجهادي فقيه نفسه”، رافضًا الارتهان للشرعيين، ومحدثًا قطيعة كلية مع التراث الفقهي، وهو ما تجلى في سلوكيات “الذئاب المنفردة” بالدول الغربية، حيث صار الفرد مُفتيًا لنفسه ومجتهدًا في اختياراته. أمّا العامل الثاني -بحسب الكاتب- فهو “التوسل بالمرجعية”، الذي يسمح بتبني الفكرة اعتبارًا لكاريزما صاحبها ورأسماله الرمزي، دون فحص نقدي للحجج. وينتهي المؤلف، مستشهدًا بتحليلات أوليفييه روا، إلى أن المتطرفين لا تهمهم النصوص الشرعية ولا يقرؤونها، بل يختارون الراديكالية لأنها استهوتهم، ويؤكد أن التطرف السياسي والعنف يَتِمَّان غالبًا خارج دائرة الدين، ولذلك جنَّدت القاعدة أفرادًا -لو وُجِدُوا قبل عقود- كان يفترض التحاقهم بتنظيمات اليسار واليمين الراديكاليين.