الآخر الإبستمولوجي في دراسات الإسلاموية: من ما بعد الكولونيالية (Postcolonialism) إلى الغيرية المعرفية النسقية (Systemic Epistemic Alterity)
دفعني تعامل الأكاديميا مع الظواهر العربية، ولاسيما خلال ما سمي الربيع العربي»، إلى إعداد هذه الدراسة؛ فقد مثلت تلك اللحظة حدثًا إبستمولوجيا كاشفًا، كشف حدود مقاربات الفهم السائدة، وفتح المجال المراجعة نقدية، تتيح إمكان بلورة مقاربات معرفية بديلة تُعيد النظر في البنى المؤسسية والخوارزمية والجيو- معرفية التي تُنتج الآخر الإبستمولوجي» وتعيد تدويره بصورة ممنهجة داخل حقول المعرفة.
ويستحضر هذا السياق ما عبّر عنه إدوارد سعيد حين رأى في حرب أكتوبر 1973 اللحظة التي فجرت فكرة كتابه «الاستشراق»، بعدما كسرت هذه الحرب الصورة النمطية للعرب، وأظهرت قدرتهم على الفعل وإعادة تعريف الذات. وبالصيغة نفسها، هز «الربيع العربي» تلقي السرديات الأكاديمية للعالم العربي، وأعاد طرح سؤال جوهري : كيف تُنتج المعرفة – خصوصا الغربية – حول العالم العربي؟ وهل هي معرفة محايدة أم مؤدلجة أم تكشف عجزا بنيويا عن فهم تعقيدات الواقع العربي؟
ويبدو أن البنية المعرفية العالمية تواجه اليوم أزمة عميقة تتجاوز حدود الممارسات الأكاديمية اليومية، لتشمل الأسس التي تقوم عليها شرعية الفاعل العلمي، ومعايير الحقيقة، وحدود مــا يُعد معرفة مشروعة. فعمليات الإقصاء، وإنتاج الجهل، وتحديـــد مَنْ يَظهر ومَنْ يُقْصَى، لم تعد انحرافات معزولة أو آثارا متبقية من تاريخ الهيمنة الكولونيالية، بل تحوّلت إلى منطق تشغيلي يعمل من داخل المؤسسات الأكاديمية، ومن خلالها، ومن خلال الخوارزميات والبنى الجيو – معرفية الجديدة. ومع اتساع الاعتماد على الأنظمة الرقمية، وانزياح الجامعات نحو نماذج السوق، ينهار تدريجيا وهم الحياد الذي شكّل لعقود طويلة، الأساس الرمزي لشرعية المعرفة العلمية.