اتجاهات حول الإسلام السياسي (25)

طُوبَى التَّمكِين في الفقه السياسي للتنظيمات الجهادية: داعش نموذجًا

30 أغسطس 2026

تلعب المفاهيم دورا أساسيا في إدارة المعارك السياسية والعسكرية؛ لما تحمله من مخزون معرفي ورمزي قابل للتوظيف في حملات الحشد والتعبئة والإقناع، لاسيما المفاهيم ذات الحمولة الدينية؛ نظرا لشحنتها الروحية، وارتباطها بالجزاء الأخروي، فضلا عما يشمل مراحل نشأتها وبنائها وتطورها من سمات مرتبطة بخصوصيات البيئة المذهبية والصراعات العقائدية والملابسات السياسية. لهذا، فإن المفاهيم الشرعية، التي تبلورت في سياق التداولات الفقهية واللغوية واستكملت بناءها، خلال القرون الأولى للإسلام، في خضم تفاعلات الديني والسياسي وتجاذبات المحلي والوافد، أخذت تشهد عمليات إعادة إحياء نشطة في وقتنا الراهن في سياقات زمنية مغايرة، ولغايات عقائدية وأيديولوجية متباينة.

وفي هذا السياق، يُعد مفهوم «التمكين» من المفاهيم الشرعية الأصيلة التي انبعثت خلال زمننا المعاصر، من ركام الكتب التراثية، بعد أن ظلت قرونا طويلة طي الهجر والنسيان؛ بفعل سعي عدد من حركات الإسلام السياسي خصوصا إلى إعداد خلفيتها الفكرية ورؤيتها السياسية وفق ضوابط شرعية توفر المصداقية لمنهجها الحركي في التغيير، وتزكي احتذاءها بالتجربة النبوية في إقامة دولة المدينة»، التي كانت إيذانا بولوج الجماعة المسلمة الأولى مرحلة التمكين وتجاوز مرحلة الاستضعاف.

غير أن عمليات البعث والتجديد لم تستر شد في عمومها دائما بقواعد التأصيل ولا بشروط التأويل، ولم تستهد بمنهجيات النظر الفقهي في المستجدات والنوازل؛ الأمر الذي جعل الاجتهادات حول الموضوع تتسم، في أحيان كثيرة، بتضخيم النزوع الذاتي» ممثلا في الاختيار الأيديولوجي على حساب المعيار الموضوعي المجسد في العلم الشرعي.  وبالتالي، فإن ذلك خلق حالة من السيولة» الفكرية لا يمكن مواجهتها إلا بتعزيز البحوث العلمية في الدراسات المصطلحية (Science terminilogy) داخل المجال التداولي للغة العربية، مع الاستفادة من النظريات اللسانية الحديثة، ومواكبة تطور المعرفة الإنسانية على مستوى نماذج التواصل اللغوي من أجل تجاوز ما يسميه محمد عزيز الحبابي «استلاب» اللسان العربي، الذي أصبح من كثرة ما أصابه من إبهام لا يجلي بدقة كثيرا من المضامين التي يرمي إلى التعبير عنها، وذلك بعد أن أصبح جل المفاهيم التي يستخدمها ولا تعانق واقع العرب حاليا.

وفي هذا السياق، يشكل انخراط أهل الاختصاص الشرعي ومؤسساتهم الرسمية والمدنية في ورش تقويم وإصلاح الخطاب الديني وتطويره أحد المداخل الأساسية لتصحيح المفاهيم، وتهذيب التجديد والتحرر من حالة الاستلاب» التي تحدث عنها الحبابي، كمحطة أولى الإحلال العلم محل الأيديولوجيا، وتحصين العقل من آفة التفكير الطوباوي، ومن ثم تفكيك براديغمات التطرف. ذلك أن التصدي للخطابات المتطرفة يحتم أولا وقبل كل شيء ، الإلمام بالمصطلح الشرعي ودراسته، كما يدرس الكائن في كل حالاته، مادامت «المصطلحات كائنات، تحيا في النص الذي توجد فيه ، ومادام التجديد الديني يحتاج إلى صياغة «المفاهيم صياغة مستقلة مبتكرة ومخترعة أو مراجعة المفاهيم المعتمدة؛ ما قد يؤدي في آخر المطاف إلى تحويرها أو تغييرها أو تطويرها أو تعديلها وتبديلها ؛ لأن صياغة المفاهيم تتوقف على مراجعة المدلول اللغوي والشرعي، وكذلك المقاصد والعلل المولدة للأحكام، والواقع والبيئة التي هي مجال التنزيل».