متوفر باللغات التالية:

لم تكن الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، وإنما كانت اختبارا شاملا للنظام الإقليمي في الشرق الأوسط، ولطبيعة التحالفات والاصطفافات الأمنية التي بنيت في المنطقة على مدى العقود الماضية، ولمدى مرونة النظم الاقتصادية في المنطقة، ولحوكمة التجارة والملاحة الدولية. وهكذا، تطرح هذه الحرب أسئلة تتجاوز نتائج المواجهة العسكرية المباشرة إلى طبيعة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وحدود قدرته على استيعاب الصدمات وإعادة تنظيم العلاقات بين وحداته. فقد تداخلت في هذه الحرب حسابات الردع والتحالف وأمن الطاقة والممرات البحرية، والتحولات الداخلية الإيرانية، والتطور التكنولوجي العسكري وأدوار الفاعلين من غير الدول، ولاسيما التنظيمات الإسلامية – السياسية والحركات الإرهابية والميليشيات الموالية لإيران. وهذا التداخل يجعل فهم تداعيات الحرب متوقفا على دراسة الروابط بين هذه الأبعاد، وعدم الاكتفاء بتقييم الخسائر والمكاسب الميدانية لكل طرف من أطرافها.

ينطلق كتاب «الشرق الأوسط ما بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية 2026 من فكرة أن الأثر الأعمق للحروب يتحدد بمدى قدرتها على تغيير توازن القوى في النظام، وأنماط الاعتماد المتبادل فيه، ونمط القطبية الإقليمية، وطبيعة العلاقات بين وحداته، والعلاقة بين الدولة والفاعلين غير الدولتيين الذين يتبنون العنف والإرهاب في متابعة أهدافهم.

وفي هذا الإطار، يتناول الكتاب الحرب التي اندلعت في 28 فبراير 2026، وتداعياتها السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والأمنية، استنادًا إلى التطورات والمعطيات المتاحة حتى 28 أغسطس 2026 وهو تاريخ انقضاء مهلة الـ 60 يوما لسريان مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، التي أدت إلى وقف إطلاق النار وكانت تمهد للتوصل إلى اتفاق نهائي). ولكن متطلبات التحليل قد تقتضي تجاوز الفترة الزمنية بالرجوع إلى تطورات مهمة وقعت قبلها أو الإشارة إلى تغيرات محورية طرأت بعدها.

جدير بالملاحظة أن تعبير «ما بعد الحرب» لا يعني اكتمال التسوية أو التوصل إلى اتفاق نهائي بين أطراف الحرب الرئيسيين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وإنما يشير إلى البحث في الترتيبات والتفاعلات التي قد تنشأ عن الحرب، والقيود التي تحكم الانتقال من المواجهة العسكرية إلى إدارة آثارها. وتظل الاستنتاجات المتعلقة بالمستقبل مشروطة بمسار الصراع ومآلاته وليست أحكامًا نهائية بشأن تبلور نظام إقليمي جديد.