تمثل المواجهات المتجددة في شمال إثيوبيا منذ 23 سبتمبر 2026 أخطر انتكاسة لمسار السلام الذي أعقب الحرب بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيجراي. فبينما تؤكد أديس أبابا تمسكها بخيار التهدئة وضبط النفس، تشير التطورات الميدانية إلى دخول الصراع مرحلة أكثر تعقيدًا تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والسياسية والإقليمية. كما توحي الأحداث الأخيرة بأن الأزمة الراهنة لا تقتصر على كونها جولة جديدة من القتال، بل تعكس استمرار التحديات البنيوية التي ظلت كامنة منذ توقيع اتفاق السلام، والمتصلة بطبيعة النظام الفيدرالي وموازين القوة بين المركز والأقاليم ومستقبل الترتيبات السياسية التي تأسست بعد عام 2018.
أولًا/ ما الذي تغير في المشهد الإثيوبي؟
تُشير التطورات الأخيرة إلى انتقال الصراع من مواجهة تتركز أساسًا في إقليم تيجراي إلى أزمة متعددة الجبهات تشمل أقاليم أمهرة وعفر إلى جانب تيجراي. كما أن التيجراي لم تعد تتحرك في إطار جبهة إقليمية منفردة، بل أصبحت جزءًا من شبكة أوسع من التفاعلات والتحالفات المسلحة، الأمر الذي يضفي على المواجهة أبعادًا وطنية تتجاوز حدود الإقليم ذاته[1].
ورغم استمرار تمتع الحكومة الفيدرالية بتفوق نسبي من حيث الموارد العسكرية ومؤسسات الدولة وقدرات القيادة والسيطرة، فإن اتساع مسارح العمليات وفتح أكثر من جبهة في وقت واحد يمثل التحدي الأكبر أمامها. فكلما زادت الجبهات النشطة، تراجعت قدرة أي طرف على احتواء المواجهات أو حصرها جغرافيًّا، ما يرفع من احتمالات تحول الصراع إلى أزمة ممتدة يصعب التحكم في مساراتها.
ثانيًا/ إثيوبيا.. دورة تاريخية متكررة للصراع الداخلي
لا يمكن النظر إلى تجدد القتال باعتباره مجرد انتكاسة أمنية أو انهيارًا طارئًا لترتيبات ما بعد الحرب، بل يبدو أقرب إلى حلقة جديدة ضمن نمط تاريخي متكرر طبع تطور الدولة الإثيوبية الحديثة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، تعيش البلاد دورات متعاقبة من الصراع والتسوية، حيث تتعاقب فترات الحرب والهدنة والاستقرار النسبي قبل أن تعود التناقضات البنيوية إلى إنتاج موجات جديدة من العنف[2].
في الدورة الأولى، الممتدة بين عامي 1974 و1991، شهدت البلاد سقوط النظام الإمبراطوري بقيادة هيلا سيلاسي وصعود نظام منجستو هيلا مريام العسكري. غير أن النظام الجديد أخفق في بناء توافق سياسي مستدام، ودخل في حرب طويلة انتهت بسقوطه وصعود تحالف قادته جبهة تحرير شعب تيجراي[3].
أما الدورة الثانية، بين عامي 1991 و2018، فقد اتسمت بسيطرة النخبة المرتبطة بتيجراي على المؤسسات السياسية والأمنية. وخلال هذه المرحلة جرى ترسيخ نظام الفيدرالية الإثنية الذي منح القوميات المختلفة قدرًا واسعًا من الحكم الذاتي داخل أقاليمها. ومع مرور الوقت تصاعدت اعتراضات قوميات كبرى، وعلى رأسها الأورومو والأمهرة، على ما اعتبرته اختلالًا في توزيع النفوذ داخل الدولة، وهو ما مهد في النهاية لصعود آبي أحمد إلى السلطة عام 2018[4].
ولا شكّ أن تقييم تجربة آبي أحمد يقتضي الإشارة إلى أنها لم تقتصر على إدارة الصراعات الداخلية فحسب، بل شهدت أيضًا عددًا من الإنجازات السياسية والاقتصادية المهمة. فقد نجح منذ وصوله إلى السلطة عام 2018 في إطلاق إصلاحات سياسية واسعة شملت الإفراج عن معتقلين سياسيين وتوسيع هامش العمل السياسي، كما قاد عملية المصالحة مع إريتريا التي أنهت رسميًّا حالة العداء بين البلدين وأسهمت في حصوله على جائزة نوبل للسلام عام 2019- قبل أن تتوتر العلاقة لاحقًا مع أسمرة- كذلك شهدت البلاد خلال عهده استمرار الاستثمار في مشروعات البنية التحتية الكبرى، إلى جانب تبني برامج للإصلاح الاقتصادي والانفتاح على الاستثمار الأجنبي. ورغم أن العديد من هذه الإنجازات تعرض لاختبارات وضغوط شديدة بفعل الحروب والأزمات اللاحقة، فقد أسهمت في تعزيز مكانة إثيوبيا الإقليمية وترسيخ طموحها للعب دور أكثر تأثيرًا في القرن الأفريقي.
وفي السياق ذاته حاول آبي أحمد إعادة صياغة العلاقة بين المركز والأقاليم وتقليص النفوذ التاريخي للنخب المرتبطة بتيجراي، إلا أن هذه العملية قادت إلى مواجهة مباشرة مع جبهة تحرير شعب تيجراي، تحولت لاحقًا إلى حرب شاملة اندلعت في نوفمبر 2020 قبل أن تنتهي رسميًّا بتوقيع اتفاق بريتوريا في نوفمبر2022[5].
وتحمل أحداث سبتمبر 2026 دلالة تتجاوز مجرد استئناف القتال؛ فهي تشير إلى أن النموذج السياسي الذي تأسس بعد عام 2018 يواجه اختبارًا عميقًا، وأن البلاد قد تكون بصدد إعادة تشكيل جديد للتوازنات بين المركز والأقاليم. وفي هذا السياق، تبدو الحرب الأهلية الإثيوبية انعكاسًا لأزمات داخلية متراكمة تتعلق بالهوية الوطنية وطبيعة النظام الفيدرالي وتوزيع السلطة أكثر من كونها نتاجًا مباشرًا لتدخلات خارجية[6].
ومن اللافت أن الدورات الصراعية الإثيوبية تتبع نمطًا متشابهًا: حرب واسعة تؤدي إلى إنهاك الأطراف المختلفة، ثم تسوية سياسية أو هدنة مؤقتة، يعقبها استقرار نسبي يسمح بإعادة بناء المؤسسات، قبل أن تعود التناقضات الأساسية إلى الظهور بصورة أكثر حدّة. لذلك يبدو تاريخ إثيوبيا الحديث أقرب إلى سلسلة من الموجات المتتابعة للصراع أكثر من كونه مسارًا خطّيًّا نحو الاستقرار[7].
وانطلاقًا من هذا المنظور، فإن إنهاء العمليات العسكرية الجارية، رغم أهميته، قد لا يكون كافيًا لضمان استقرار طويل الأمد إذا لم يقترن بمعالجات سياسية وهيكلية أعمق؛ فالتجربة الإثيوبية تشير إلى أن فترات التهدئة كثيرًا ما شكلت انتقالًا بين جولات الصراع أكثر من التسويات الدائمة للخلافات الأساسية.
ثالثًا/ الدلالات الاستراتيجية لخطاب “ضبط النفس“
يعكس خطاب التهدئة الصادر عن المؤسسة العسكرية الإثيوبية إدراكًا واضحًا للمخاطر المرتبطة بالانزلاق نحو حرب واسعة النطاق. فالحكومة تدرك أن البيئة الداخلية والإقليمية الراهنة أكثر تعقيدًا من تلك التي رافقت حرب 2020-2022، كما أن الاقتصاد الإثيوبي ما زال يواجه تحديات كبيرة ناجمة عن سنوات الصراع والضغوط المالية والتحديات التنموية المتراكمة.
ومن منظور سياسي، يسعى هذا الخطاب أيضًا إلى طمأنة الشركاء الدوليين والإقليميين بأن الحكومة ما تزال تفضل احتواء الأزمة ضمن أطر سياسية وأمنية يمكن التحكم بها، حتى في ظل استمرار العمليات العسكرية على الأرض.
رابعًا/ البعد الإقليمي للأزمة
لم تعد الأزمة الإثيوبية شأنًا داخليًّا خالصًا. فالتوترات القائمة مع إريتريا، واستمرار الحرب في السودان، والتنافس المتزايد في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، كلها عوامل ترفع من احتمالات تداخل الأزمة الإثيوبية مع ترتيبات الأمن الإقليمي الأوسع[8].
كما أن استمرار الاضطرابات داخل إثيوبيا قد ينعكس على حركة التجارة الإقليمية وسلاسل الإمداد والبنية الأمنية للقرن الأفريقي، بما يحول تداعيات الأزمة من نطاقها الوطني إلى نطاق إقليمي أوسع.
خامسًا/ المسارات المحتملة للأزمة الراهنة
تُشير المعطيات الحالية إلى أن الأزمة الإثيوبية ما تزال مفتوحة على أكثر من مسار، في ظل تداخل العوامل العسكرية والسياسية والإقليمية وصعوبة تحقيق حسم سريع من جانب أي من الأطراف المتصارعة. كما أن الطبيعة المركبة للصراع واتساعه الجغرافي وتراكم الأزمات المرتبطة بالهوية والفيدرالية وتوزيع السلطة تجعل مستقبل الأزمة مرهونًا بتفاعلات تتجاوز حدود المواجهات العسكرية المباشرة[9].
السيناريو الأول: احتواء الصراع وإحياء مسار التسوية
يقوم هذا السيناريو على نجاح القوات الحكومية في استعادة زمام المبادرة ميدانيًّا ومنع القوى المسلحة المعارضة من تحقيق اختراقات استراتيجية مؤثرة. وفي هذه الحالة قد تتجه الأطراف، بفعل الضغوط الداخلية والخارجية، إلى استئناف مسار التفاوض وإعادة تفعيل بعض بنود اتفاق بريتوريا.
وتزداد فرص هذا السيناريو إذا تمكنت الحكومة من الحفاظ على تماسك المؤسسات العسكرية والأمنية، واستمرت الضغوط الدولية الداعية إلى تجنب الانزلاق نحو حرب أهلية واسعة جديدة.
إلا أن أهمية هذا السيناريو لا تكمن في إنهاء الصراع بصورة نهائية، بل في إعادة إنتاج حالة من الاستقرار النسبي المشابهة للمرحلة التي أعقبت توقيع اتفاق بريتوريا. ولذلك فإن أقصى ما يمكن أن يحققه هو تجميد الأزمة وليس معالجة أسبابها الجذرية.
السيناريو الثاني: حرب استنزاف طويلة الأمد
يمثل هذا السيناريو المسار الأكثر انسجامًا مع الخبرة التاريخية للصراعات الإثيوبية خلال العقود الماضية.
ففي ظل اتساع رقعة العمليات وتشعب الجبهات، قد تعجز الحكومة عن تحقيق حسم عسكري كامل، كما قد تعجز القوى المسلحة المناوئة عن فرض تغيير جذري في موازين القوة. وعندئذ تدخل البلاد مرحلة طويلة من الاستنزاف العسكري والاقتصادي والسياسي.
وتتمثل أخطر نتائج هذا السيناريو في تراجع قدرة الدولة على فرض السيطرة الكاملة على الأطراف، وزيادة أعباء النزوح والضغوط الإنسانية، وتباطؤ الإصلاحات الاقتصادية، وتآكل ثقة المستثمرين الأجانب. كما أن استمرار القتال لفترة طويلة قد يشجع على نشوء تحالفات جديدة بين الحركات المسلحة المختلفة، بما يؤدي إلى تعقيد المشهد الأمني بصورة أكبر.
ومن منظور تاريخي، فإن هذا السيناريو يُعيد إلى الأذهان المراحل التي سبقت سقوط نظام منجستو عام 1991، حين استمرت الدولة شكليًّا لكنها كانت تتعرض تدريجيًّا لعمليات استنزاف متراكمة أضعفت قدرتها على الاحتفاظ بالسيطرة الكاملة على الأطراف.
السيناريو الثالث: اتساع الصراع وتحوّله إلى أزمة إقليمية
يظل هذا السيناريو الأقل احتمالًا على المدى القصير، لكنه الأكثر خطورة من الناحية الاستراتيجية.
فاستمرار القتال لفترة طويلة قد يؤدي إلى زيادة التداخل بين الأزمة الإثيوبية والصراعات الإقليمية المحيطة بها، خصوصًا في ظل التوتر القائم مع إريتريا، واستمرار الحرب في السودان، والتنافس المتصاعد في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وفي هذه الحالة قد تتحول الأزمة الإثيوبية من صراع داخلي متعدد الجبهات إلى بؤرة عدم استقرار إقليمية، بما ينعكس على الممرات التجارية والأوضاع الأمنية في القرن الأفريقي. كما قد يفضي تفاقم الصراع إلى تنامي التدخلات الخارجية المباشرة أو غير المباشرة، سواء عبر الدعم السياسي أو العسكري أو اللوجستي لأطراف مختلفة داخل النزاع.
السيناريو الرابع: إعادة تشكيل التوازن بين المركز والأقاليم
ثمة سيناريو آخر لا يقل أهمية عن السيناريوهات السابقة، ويتمثل في أن تدفع الأزمة الحالية مختلف الأطراف إلى إدراك محدودية المقاربة العسكرية وصعوبة الحسم بالقوة.
وعندئذ قد تتبلور عملية سياسية أوسع لا تقتصر على وقف القتال، وإنما تمتد إلى إعادة النظر في بعض أسس العلاقة بين المركز والأقاليم، ومستقبل الفيدرالية الإثنية، وآليات توزيع السلطة والثروة داخل الدولة.
ورغم أن هذا السيناريو يبدو بعيد المنال حاليًّا، فإنه قد يمثل المسار الوحيد القادر على كسر الحلقة التاريخية المتكررة للصراع الإثيوبي. ذلك أن معظم التسويات السابقة نجحت في إنهاء جولات الحرب، لكنها لم تنجح في معالجة الأسباب البنيوية التي كانت تقود إلى اندلاع جولات جديدة من العنف.
أي السيناريوهات أكثر ترجيحًا؟
في ضوء المعطيات المتوافرة حاليًّا، يبدو أن سيناريو حرب الاستنزاف الطويلة هو الأقرب للتحقق خلال المدى المنظور، نظرًا لتعدد بؤر التوتر وصعوبة الحسم السريع لأي طرف. ويليه سيناريو الاحتواء الجزئي للصراع عبر تسويات محدودة أو تفاهمات مؤقتة.
أما سيناريو التوسع الإقليمي فيظل احتمالًا قائمًا لكنه مرتبط بحدوث تطورات استثنائية تؤدي إلى زيادة الانخراط الخارجي في الأزمة. في حين يبقى سيناريو إعادة تشكيل النظام السياسي هو الأكثر طموحًا والأقل احتمالًا في الأجل القصير، رغم كونه الأكثر قدرة على إنتاج استقرار مستدام إذا ما توافرت له الظروف المناسبة.
الخلاصة
لا تعكس التطورات الراهنة مجرد جولة جديدة من القتال بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي، بل تكشف عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة الإثيوبية وآليات إدارة التنوع العرقي والسياسي داخلها. وبينما يعكس خطاب التهدئة رغبة رسمية في احتواء الموقف، فإن اتساع المواجهات يُشير إلى أن البلاد ما زالت أسيرة إشكاليات بنيوية أعادت إنتاج الصراع عبر عقود متعاقبة.
ومن ثمَّ فإن مستقبل الاستقرار الإثيوبي لن يتوقف على نتائج المعارك وحدها، بل على قدرة الدولة والقوى السياسية المختلفة على كسر الدورة التاريخية المتكررة للصراع بين المركز والأطراف، وبناء صيغة أكثر استدامة للتوازن السياسي والوطني.
وفي ضوء الخبرة التاريخية للصراعات الإثيوبية، يبدو أن خطر الانزلاق نحو مرحلة جديدة من الاستنزاف الممتد يفوق حاليًّا فرص الوصول إلى تسوية مستقرة، ما لم تنجح النخب السياسية الإثيوبية في معالجة الاختلالات البنيوية التي أعادت إنتاج الصراع على مدار العقود الماضية.
الهوامش
[1] Reuters, “Flush with Allies, Tigray’s Leaders Face Internal Discord in New Ethiopia War,” September 24, 2026. [reuters.com]
[2] International Crisis Group, Managing Ethiopia’s Unsettled Transition (2019). [theconversation.com]
[3] Encyclopaedia Britannica, “Mengistu Haile Mariam.” [britannica.com]
[4] The Conversation, “What Is Federalism? Why Ethiopia Uses This System of Government and Why It Is Not Perfect,” November 26, 2023. [theconversation.com]
[5] African Union, Cessation of Hostilities Agreement, November 2022. [peaceau.org], [peacemaker.un.org]
[6] Berihun Adugna Gebeye, “The Four Faces of Ethiopian Federalism.” [hrp.law.harvard.edu]
[7] International Crisis Group, Finding a Path to Peace in Ethiopia’s Tigray Region (2021). [theconversation.com]
[8] Horn Review, “Ethiopia’s Tigray Crisis in Context,” September 24, 2026. [hornreview.org]
[9] Ibid.