على الرغم من نجاح السياسات الأمنيّة لمكافحة الإرهاب في كسر حدّة كثير من تنظيماته المعولمة، نجد أن بعضها عمل على إعادة تموضعه في بيئات أخرى لتجاوز قيود العمل، ومنها بعض البلدان الأفريقية التي تعاني من أزمات متعددة. وتمثل نيجيريا نموذجًا على ذلك الحُضور خاصة أنها أصبحت- مع غيرها- بُؤرةَ تمركزٍ لتنظيمات فرعيّة في أفريقيا بتصاعد نشاط جماعة بوكو حرام. إلى جانب الأزمات السياسية الداخلية التي تُساعد مثل تلك التنظيمات على البقاء، يلعبُ التطور التكنولوجي المتصاعد دورًا إضافيًّا في دعم مثل هذا الحضور خاصة مع تصاعد وتيرة تغلغله في الحياة اليومية وانخفاض تكلفته النسبيّة.
ومع صعود تِقنيات الذكاء الاصطناعي نجد أنه قد جَرى تَوظيفها في مُمارسات بعض التنظيمات الإرهابية مثل داعش، والذي استطاع بصورة لافتة تكييف مُختلف تلك التقنيات الحديثة في دعم نَشاطه الدعائي. ليبدأ بعد ذلك الحديث عن امتداد ذلك الاستخدام في الجانب العملياتي من أنشطة تلك التنظيمات، وهو الحضور الذي تم رصد إرهاصاته مُؤخرًا في تجربة بوكو حرام، بما يَفتح مجالًا جديدًا لدراسة العلاقة بين التطور التكنولوجي وأثره في تحول أساليب عمل التنظيمات الإرهابية، وهو ما تسعى إليه هذه الدراسة.
أولًا: الذكاء الاصطناعي من منظور بوكو حرام
يُمثل تَنظيم “جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد- بوكو حرام” أبرز التنظيمات الجهادية التي نشطت خلال ربع القرن الأخير في منطقة حوض بحيرة تشاد، نشأ في 2002 شمال شرقي نيجيريا لكن امتد نشاطه إلى الكاميرون، وتشاد والنيجر. شهد التنظيم العديد من التحولات الفكريّة حيث بدأ حركةً دعويةً مُعاديةً للتغريب وتأثيراته على المجتمع المحلي، ثم دَخل في صراع مُسلح مع الأمن النيجيري في 2009 مع تولي قيادته “أبو بكر شيكاو” في أعقاب مقتل مُؤسسه محمد يوسف بعد اعتقاله، ليبدأ التقارب مع تنظيم القاعدة، الأمر الذي أدّى إلى إدراجه في قائمة الإرهاب الأمريكية في22 مايو 2014 ([1]).
وفي عام 2015بايعت الجماعة تنظيم الدولة الإسلامية لتُعرف باسم ولاية غرب أفريقيا التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية -ISWAP بينما تزايدت الخلافات بينها وبني التنظيم الأم حول القِيادة، واستهداف المدنيين، ليحدث انقسام في 2016 بخروج “شيكاو” ومجموعة من التنظيم عن داعش ليعمل تحت مسمى بوكو حرام، ويتولى “أبو مصعب البرناوي” قيادة “ولاية غرب أفريقيا”. وفي إحدى مواجهات الطرفين يُفجّرُ “شيكاو” نفسه بعبوة ناسفة بعد محاصرته في غابة سامبيسا في 2021 ([2]).
في دراستها تحت عنوان: “ساعدنا الله، وكذلك سيساعدنا الذكاء الاصطناعي: كيف تستخدم جماعة بوكو حرام الإرهابية الذكاء الاصطناعي المتقدّم” ([3])، الصادرة عن برنامج كامبريدج لعلوم وسياسات الذكاء الاصطناعي في الجامعة، وفي 2026 سعت الباحثة الألمانية أنطونيا جيوليجAntonia Juelich مديرة الأمن الدولي بالبرنامج إلى قراءة واقع الذكاء الاصطناعي في بنية التنظيم عبر تحليل واقع تبني الفَصيلين للذكاء الاصطناعي.
ثانيًا: الذكاء الاصطناعي والتحول في البنية التنظيمية
تُشير الدراسة إلى حُضور الذكاء الاصطناعي في تَنظيم بوكو حرام سواء هيكليًّا أو عملياتيًّا، وهي استخدامات مُتوقع حُدوثها في الأغلب في ظل الخبرة التاريخية للتنظيمات الإرهابية لإدماج التكنولوجيا الناشئة في كل عصر ضمن أنشطة التنظيمات والتكيف مع مزاياها وتحدياتها، لكن المثير هو موقع تلك التقنية في العقل التنظيمي. وفقًا للباحثة “تحول الذكاء الاصطناعي إلى مَصدر موثوق به داخل الجماعة، بصورة قد تَتجاوز أحيانًا الفوائد الفعليّة التي يُقدمها. كما أن قيمته بالنسبة لتلك الجماعات لا تَكمن في تقديم مَعلومات جديدة فقط، بل في قُدرته على إعادة تَنظيم المعرفة الموجودة، واقتراح بَدائل، وتَقديم حلول بطريقة أكثر مَنهجيّة من الأساليب التقليدية(…) كما أصبح يُنظر إليه بوصفه نقطة انطلاق أساسية في اتخاذ القرار، والحُكم البَشري يكون خيارًا احتياطيًّا عند فشل الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يعكس مُستوى الاعتماد والثّقة الذي أصبح هؤلاء الأفراد يَضعونه في هذه التقنيات ([4]). وقد حَظي ذلك الاستخدام بحالة من الحَماس والتفاؤل بين الأعضاء الذين تَعاملوا معه بما عبر عنه قائدٌ وسيطٌ بحسب ما نقلته الدراسة بقوله: “لقد ساعدنا الله، وكذلك سيساعدنا الذكاء الاصطناعي”([5]).
بالنظر إلى مَوقع تِقنيات الذكاء الاصطناعي هيكليًّا نجد أنه تم الاعتماد عليه -وفقًا لما تُشير إليه الدراسة- من خلال نقل مَنهجي للمعرفة من التنظيم الأم، وليس من تَجارب فرديّة، حيث قدّمت عَناصر من تنظيم الدولة الإسلامية تدريبًا مُباشرًا إلى جماعة ولاية غرب أفريقيا التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية (ISWAP)، ووفرت لهم أجهزة الحاسوب المزودة بشبكات VPN وبرمجيات تشفير، إلى جانب تَقديم المساعدة اللاحقة، في حين قامت شبكات أخرى بتدريب جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد (JAS)، وترجح الباحثة تكرار هذا النموذج في فروع أخرى في أماكن مختلفة ([6]).
وعليه؛ أصبح الاستخدام الفعلي لتقنيات الذكاء الاصطناعي هيكليًّا يتم عبر صور مختلفة؛ “ففي غُضون عامين فقط من الإطلاق العام لـ ChatGPT، انتقل جناحا جماعة بوكو حرام من مرحلة التعرف الأوّلي على التقنيّة إلى إدماجها في البنية التنظيميّة، حيث تمَّ إنشاء وحدات مُتخصصة في الذكاء الاصطناعي يَعمل بها أفراد من ذَوي الأدوار العملياتيّة المتخصصة، وحسابات مُدارة، واشتراكات مدفوعة مُميزة، وسلاسل تدريب داخلية تنقل المعرفة التقنية عبر التسلسل القيادي، وسياسات لاستخدام تلك التقنيات بحيث تقتصر على القيادات المتوسطة والعليا ([7]). ومع ذلك، تَختلف طبيعة الهياكل التنظيمية بين فصيلي جماعة بوكرام التي انقسمت في 2016 بعد مبايعة زعيم الجماعة السابق أبو بكر شيكاو لتنظيم “داعش” عام 2015 إلى فصيلين رئيسيين:
- تنظيم داعش في غرب أفريقيا ISWAP وهي أكثر مركزية فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي حيث يتركز استخدام الذكاء لدى عدد مُحدد من الأشخاص أو الوحدات، وتكون هذه الجماعة تحت رقابة مباشرة من القيادة العليا. الأمر الذي يعني المزيد من التحكم في استخدامه، ومستوى أعلى من التنسيق، فضلًا عن المتابعة المباشرة من قبل القِيادة ([8])، وتتميّز بإدماج التقنيات الجديدة بصورة مُتعمدة في عَملياتها ([9]).
- جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد- JAS، حظي القادةُ الميدانيون فيها بحرية أكبر في تبني واستخدام الذكاء الاصطناعي دون تنسيق مركزي كبير؛ ما يعني انتشارًا أسرع للمعرفة والتكنولوجيا داخل التنظيم، لكن مع مستوى أقل من التنسيق والرقابة ([10])، كما تميّزت بقدرتها على إعادة الابتكار التكتيكي بسرعة ([11]).
ثالثًا: أنماط توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي
بحسب الدراسة محل النقاش لم تَعد استخدامات الذكاء الاصطناعي مُقتصرة على إنتاج الدعاية الإلكترونية، والتجنيد عبر الإنترنت، والمحتوى الإعلامي الذي يَنشره المؤيدون أو المنصات الإعلامية غير الرسمية، بل تَجاوزت ذلك لتَصل إلى صَميم العَمليات العسكرية للمُتمردين؛ فتمّ استخدام نماذج اللّغة الكبيرة في جميع مَراحل النشاط العَسكري، بدءًا من الإعداد للمَهام، مُرورًا بتنفيذ العَمليات، وانتهاءً بتَحليل نتائجها بعد التنفيذ ([12]). وبالنظر إلى مَجالات استخدامات الذكاء الاصطناعي داخل جماعة “بوكو حرام” نجد أنها كانت في ثلاثة مَجالات بصورة أساسية:
أولها: لأغراض التسليح وتَطويره: استُخدمت نَماذج اللّغة الكبيرة (LLMs) في ابتكار العبوات المتفجرة، وتحسين تصميمها وقدرتها التدميرية، وتحديث أنواعها بما في ذلك العبوات الناسفة المرتجلة (IEDs) التي تعمل بالضغط ولا تتطلب تفجيرًا عن بُعد ([13])؛ فعبر تَوجيه الذكاء الاصطناعي يتم تعليم كيفية تَصنيع ذخيرة تَحتوي على مَادة كيميائية تؤدي – بعد إصابة الهدف- إلى نَزيف من الأنف والعينين، بعد أن كان استخدام هذا النوع من الأسلحة مقصورًا على القادة الكبار ([14]). كما استُخدم في بيان كيفية إضافة مواد تتشظى مثل الجسيمات المعدنية بهدف زيادة الخسائر البشرية، وتلقّي إرشادات بشأن إبطال مَفعول وتَفكيك الذخائر غير المنفجرة لاستخراج ما بداخلها من مواد مُتفجرة، والتي تكون أكثر جودة -لاستخداماتها العَسكرية- وإعادة استخدامها في تصنيع أجهزة جديدة، فَضلًا عن تَقديم إرشادات بشأن خَفض وَزن الحُمولة للبقاء ضِمن قُدرة الطائرة المسيّرة على الرفع، وكذلك بشأن تصميم آليات إطلاق المتفجرات ([15]). كما يُستخدم في المساعدة في مُعالجة المشكلات التقنية في أثناء القتال؛ فسابقًا عندما كانوا يواجهون صعوبات في تشغيل بعض تلك الأسلحة يتمّ التخلي عنها، لكن أصبح بالإمكان استخدامها حيث “تخبرنا وحدة الذكاء الاصطناعي بكيفية استخدامها وصيانتها” ([16]). وهو ما أسهم في إحداث تَطوير للقُدرات النّوعية.
ثانيها: لأغراض المُراقبة مثل: كيفيّة تحسين استراتيجيات المراقبة ومتابعة ما يحدث في المعسكرات، ومتابعة العمليات والاستعداد للهجمات ([17])، حيث يرتدي المقاتلون كاميرات على الصدر، تنقل المشكلات التي يواجهونها في الميدان ليحصلوا على دعم عن بُعد من القادة الموجودين بالقاعدة من خلال بنية تحتية للاتصالات يستخدمونها عبر مركبات موصولة بالإنترنت عبر الأقمار الصناعية؛ ما يتُيح الاتصال وتبادل البيانات في أثناء التنقل. وعندما تتطلب العمليات خبرات متخصصة، ينضمّ أفراد محددون إليها بشكل مباشر، لديهم أجهزة كمبيوتر محمولة لتقديم الدعم المباشر، كما يمكن الاسترشاد بخبراء أجانب وقت الحاجة، وتقديم الدعم للتعامل مع قيود المنصات، مثل مرشحات المحتوى وحظر الحسابات ([18]).
ثالثها: لأغراض التخطيط العملياتي: حيث أفادهم الذكاء في الحصول على إرشادات تراوحت بين:
- التدريب العسكري، واختيار الزي، والتخطيط للكمائن، ومداهمة القواعد العسكرية، وتحديد مسارات الهجوم التفصيلية من وإلى المدن المستهدفة، والتكتيكات المستخدمة عند انخفاض الذخيرة ([19]).
- تَنسيق الهجمات وتَحسين طريقة اتخاذ القادة للقرارات، بالانتقال من الاعتماد على الحدس والخبرة الشخصية إلى التخطيط القائم على المعلومات والبيانات ([20]).
- تعزيز القدرات الهجومية عبر تعليمهم استراتيجيات حرب العصابات، وتحويل التكتيكات التي يرونها في أفلام الحرب والأفلام الوثائقية إلى تطبيقات عملية في أنشطتهم وتكييفها وفق المتوافر لدى التنظيم ([21]).
- استخدام الذكاء أداةً لـتحليل ما بعد العمليات والتعلم التنظيمي لفهم أسباب فشل الاستراتيجيات وكيفية تحسينها ([22]).
رابعها: تداعيات توظيف الذكاء الاصطناعي على أداء التنظيم
مع تعدد صُور إدماج الذكاء الاصطناعي في التنظيم فقد نُسب إليه – وفقًا لما ذكرته الباحثة- أنه أدى إلى ([23]):
- الحصول على استراتيجيات مختلفة، يتم اختيار أيها للاستخدام الأمثل، مع تطوير الاستراتيجيات الموجودة.
- تحقيق قدر كبير من الابتكار في وقت قصير داخل الجماعة.
- تقليل الخسائر في الأفراد في أثناء التجربة والخطأ نتيجة ما يقدمه من دقة.
- تحسين أنشطة المقاتلين سواء خلف الخطوط الأمامية أو عليها.
تُفسر الدراسة جوانب هذا التأثير رغم التدابير الحمائية المتعلقة بإساءة استخدام الذكاء الاصطناعي إلى ([24]):
- قدرة كوادر التنظيم على “تجاوز القيود التي تفرضها منصات الذكاء الاصطناعي على المحتوى، وأنها تمثل عقبات مؤقتة أكثر من كونها حواجز فعلية، حيث سبق وتعلموا تقنيات كسر القيود (Jailbreaking) من مدربيهم الأجانب، إلى جانب الدعم المستمر في صياغة الأوامر (Prompt Engineering).
- طبيعة بعض استخدامات تلك الجماعات للذكاء الاصطناعي – مثل صياغة الاتصالات، ومعالجة المعلومات، والتخطيط اللوجستي – لا يمكن تمييزه عن النشاط المشروع، ومن ثمًّ الحصول على المساعدة فيها لا يُعد فشلًا في تدابير الحماية.
على الجانب الآخر بدا أن هناك بعض الانتقادات أو التخوفات من ذلك الحضور أبرزها يتعلق بـ:
- الدقة: ذكرت شهادات عدة بأنه غير دقيق: “لا نصدق ببساطة كل ما يخبرنا به، بل نختبره”، وأرجع بعضهم ذلك إلى القيود التي تحكم تلك التقنيات، وكونهم ليسوا على قدر كافٍ من المعرفة التقنية لاستخدامه بصورة أعمق ([25]).
- الأمان: هناك مخاوف من خطر تعرضهم للمراقبة والتتبع من خلال استخدامهم للذكاء الاصطناعي والتقنيات الأخرى، وتبدو بصورة أكثر وضوحًا في سياق العمليات والاتصالات الخارجية؛ وذلك لارتفاع خطر انكشافهم، لكنهم داخل معاقلهم العسكرية أكثر استرخاءً ([26]).
خاتمة: حول الدراسة ومَنهجيتها
مع أهمية الطرح الذي تناولته الدراسة وخطورة تداعياته يجب النظر إلى منهجية بنائه؛ تُشير الباحثة إلى استهدافها استقطاب المشاركين من خلال قادة المجتمع المحلي والوسطاء المجتمعيين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة في ولايتي أداماوا وبورنو، من الذين شاركوا في برامج إعادة دمج الأعضاء السابقين في جماعة بوكو حرام داخل مجتمعاتهم.
وضعت الباحثة معايير عدة لاختيار المشاركين وهي ([27]):
- أن يكونوا قد تجاوزوا سن 18 عامًا.
- أن يكونوا أعضاء سابقين، دون أي ارتباطات أو علاقات نشطة مع أي جماعة مسلحة من غير الدول.
- أن يكونوا قد خضعوا للفحص والموافقة من قبل الجيش النيجيري.
- أن يكونوا قد ابتعدوا عن التنظيم لفترة زمنية ممتدة لا تقل عن أشهر عدّة.
- أن يتم تقييم حالتهم النفسية باعتبارهم مستقرين وقادرين صحيًّا ونفسيًّا على المشاركة في البحث.
كما أعطيت الأولوية للأشخاص الذين:
- كانوا أعضاء في التنظيمات خلال الفترة بين عامي 2022 و2025.
- شغلوا مواقع قيادية أو سلطة إشرافية.
- تولوا أدوارًا عملياتية أو تقنية يُحتمل أن تكون قد أتاحت لهم الاحتكاك بأنشطة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
- ينتمون إلى كلا الفصيلين، بهدف إجراء تحليل مقارن بينهما.
وأشارت إلى أنها في عامي 2025 و2026، أجرت 57 مُقابلة ميدانية مُباشرة مع 27 عضوًا سابقًا في جماعة بوكو حرام في شمال شرق نيجيريا، حيت تمَّت المقابلة مع كل مشارك ما بين مرة إلى ثلاث مرات، بينما خضع بعض الأفراد إلى ست مقابلات عبر جولتي العمل الميداني. واستغرقت مدة بلغت في المتوسط نحو 90 دقيقة. مشيرة إلى أن ارتفاع معدلات الانشقاق عن التنظيم هو ما أتاح فرصة لإجرائها مع قادة سابقين يمتلكون معرفة عملياتية حديثة ([28]).
وعلى الرغم من دقة هذه المعايير وانضباطها النظري لأي عمل علمي – يشتبك مع تلك المناطق الشائكة- تثير في الوقت نفسه العديد من الشكوك حول مِصداقيتها ودقة تحققها على أوجه عدة يلمسها كل من قام بعمل ميداني في أوساط مثل تلك التنظيمات ومنها:
- صعوبة تطبيق باحث بمفرده لتلك المعايير كاملة في تجربة بحثية مهما كانت الفترة الزمنية ممتدة أمامه، سواء فيما يتعلق بخلفية الأشخاص التنظيمية، أو العمرية، أو فترة انخراطهم الحركي.
- طبيعة مثل تلك اللقاءات والإعداد المسبق لها لا تمكّن الباحث من إجراء تقييم نفسي للشخص المستهدف بالمقابلة والفرز بينهم لبيان المناسب صحّيًّا ونفسيًّا للمشاركة في البحث.
- صعوبة تكرار المقابلة مع الشخص نفسه في ظل الهواجس الأمنية والشخصية التي تسيطر على مثل هؤلاء الأفراد، وتتزايد فرص ذلك في حال كان الباحث أجنبيًّا، وتزيد بحدة أكثر حال كونها امرأة في ظل المواقف الشرعية المتبناة من الاختلاط والخلوة بالأجنبية.. إلخ.
- الفرضيّة التي قد تتحقق بها كامل تلك المعايير هي أن تكون بترتيبات أمنية مباشرة في مناطق الاحتجاز، أو بالدفع مقابلها بسخاء، وهنا يفقد العمل مصداقيته نتيجة فرضية الإجبار، أو الارتزاق، وهما لا يُقدمان في واقع الأمر معلومات حقيقية؛ لذا حرصت الباحثة على تأكيدها بعدم تلقي المشاركين أي تعويض مالي أو مادي مقابل مشاركتهم في البحث، وأنها استفادت من “الثقة التي حظي بها مساعدها البحثي من المشاركين، ومع شبكات المجتمع التي جرى من خلالها استقطابهم”.
- الاعتماد التام كما يبدو على الخارجين من التنظيم، وإن حدث كما تقول فهذا يُضعف من صدق العمل في ظل المواقف غير الحيادية أو الغاضبة التي قد يتخذونها تجاه تَنظيمهم السّابق، سواء باختلاق وقائع أو تَضخيم أخرى.
ورغم هذه الملاحظات التي تُضعف من قيمة البحث منهجيًّا إلا أن الدراسة تقدم ملمحًا على واقع الحضور التكنولوجي في تنظيم إرهابي- ستتزايد وتيرته وتعميمه في المدى المنظور- ويكون بمثابة دليل ارشادي على كيفية تحقق مثل هذا الحضور، وهو لا يزال في بداياته، ولا يمكن الدفع بتعمق جذوره وسيادته خلال المدى المنظور في مثل هذه التنظيمات لأسباب مختلفة منها:
- طبيعة البيئات الهامشية التي لا تزال تجذب أفرادها البسطاء -تعليمًا وثقافة – لمثل تلك التنظيمات، وهو ما يجعل بينهم وبين مثل هذه التكنولوجيا المتقدمة حاجزًا لا يَزُول بدورة تَدريبية كما ورد في الدراسة، وإن كانت هناك بالتأكيد استثناءات.
- صعوبة الحضور التقني المستمر والعميق في ظل الاستراتيجيات الأمنية لمكافحة الإرهاب، وهو ما يدفع التنظيمات الإرهابية إلى موازنة استخدامها عبر الاعتماد على وسائل تَقليدية من وقت لآخر للالتفاف حول تلك السياسات وأبعادها التقنية المستخدمة.
وعلى ذلك يكون العبء الأكبر على عاتق المؤسسات التقنية المعنية ببناء تلك التقنيات وتَطويرها؛ إذ يَتمثل التحدي الرئيسي في الموازنة ما بين استمرار الابتكار التكنولوجي والتطوير المستمر بما يُفيد الحياة البشرية وييسرها، مع الحِفاظ في الوقت نفسه على بيئة آمنة لاستخدام تلك التقنيات وتطبيقاتها دون أن يؤدي ذلك لفرض قيود على حرية الاستخدام والحق في الوصول للمعرفة وحماية الخصوصية تحت ذريعة التهديدات الأمنية المحتملة.
[1] – Jama’atu Ahlis-Sunna Lidda’Awati Wal-Jihad, Boko Haram, https://tinyurl.com/2633enqo.
[2] – بينها “بوكو حرام” و”أنصارو”.. أبرز الجماعات المسلحة في نيجيريا، الجزيرة نت، على الرابط التالي: https://tinyurl.com/2cw7p6l4، أبو بكر الشكوي: زعيم جماعة بوكو حرام “الذي فجّر نفسه في نيجيريا”، BBC، 7 يونيو2021، على الرابط التالي: https://tinyurl.com/27hpy6ul
[3] – Antonia Juelich, “God has helped us, and so will AI”: How the Terrorist Group Boko Haram Uses Frontier AI (Cambridge Programme on AI Science & Policy, University of Cambridge, 2026).
[4] – Juelich, “God has helped us, and so will AI,” p.63
[5] – Juelich, “God has helped us, and so will AI,” p.68
[6] – Juelich, “God has helped us, and so will AI,” p.70
[7] – Juelich, “God has helped us, and so will AI,” p. 69
[8] – Juelich, “God has helped us, and so will AI,” p.71
[9] – Juelich, “God has helped us, and so will AI,” p.26
[10] – Juelich, “God has helped us, and so will AI,” p.71
[11] – Juelich, “God has helped us, and so will AI,” p.26
[12] – Juelich, “God has helped us, and so will AI,” p. 69
[13] – Juelich, “God has helped us, and so will AI,” p. 50
[14] – Juelich, “God has helped us, and so will AI,” p. 59
[15] – Juelich, “God has helped us, and so will AI,” p. 52
[16] – Juelich, “God has helped us, and so will AI,” p. 49
[17] – Juelich, “God has helped us, and so will AI,” p. 49
[18] – Juelich, “God has helped us, and so will AI,” p. 46
[19] – Juelich, “God has helped us, and so will AI,” p. 52
[20] – Juelich, “God has helped us, and so will AI,” p. 52
[21] – Juelich, “God has helped us, and so will AI,” p. 53
[22] – Juelich, “God has helped us, and so will AI,” p. 53
[23] – Juelich, “God has helped us, and so will AI,” p. 64،63
[24] – Juelich, “God has helped us, and so will AI,” p. 71
[25] – Juelich, “God has helped us, and so will AI,” p. 64
[26] – Juelich, “God has helped us, and so will AI,” p. 65
[27] – Juelich, “God has helped us, and so will AI,” p. 26
[28] – Juelich, “God has helped us, and so will AI,” p. 26