حالة الإرهاب واتجاهاته في الاتحاد الأوروبي

InsightImage

حالة الإرهاب واتجاهاته في الاتحاد الأوروبي

تشير مختلف التقارير الرّصدية إلى تنامي حالة التطرف والإرهاب في أوروبا خلال السنوات الأخيرة، وهو الأمر الذي أدى إلى سلسلة من الإجراءات القانونية في كثير من تلك الدول. جانب مؤثر من مُغذِّيات ذلك الحضور يعكسه التّنوع في المكونات السكانية وتعاقب أجيال المهاجرين بمرور السنوات، اللذان أنتجا أزمة هوية تعاظمت نتيجة تزايد الاستقطابات الحادة من قِبَل بعض التيارات السياسية وسياساتها الإقصائية؛ ما أدى إلى أزمات اندماجية. إضافةً إلى ذلك، كان لثغرات التشريعات القانونية السائدة دورها في دعم المتطرفين لتتحول بعض تلك الدول إلى حواضن عملية للتطرف، وعزّزت التطورات التكنولوجية تنامي التهديدات، وتنوّع مصادرها وتأثيراتها.

وفي ضوء تلك البيئة العامة، أصدر الاتحاد الأوروبي تقريره لعام 2026 مُستعرِضًا حالة الإرهاب واتجاهاته EU TE-SAT وبيان أيديولوجياته المُتعدّدة. ومع تنامي خطر الإرهاب ومركزية أوروبا في المشهد العام، كان من الأهمية تحليل السياسات الأوروبية تجاه الإرهاب وجماعاته، واستشراف التداعيات المُحتمَلة لكلّ ذلك، وهو ما تستهدفه هذه الدراسة.

أولًا: خريطة الإرهاب الأوروبي

اعتمد تقرير الاتحاد الأوروبي عن حالة الإرهاب واتجاهاته لعام 2026 ([1]) في تصنيفه للإرهاب، وفقًا للأيديولوجية لأغراض منهجية، حيث قسَّمه إلى إرهاب جهادي، وإرهاب يميني، وإرهاب يساري وفوضوي، وإرهاب قومي إثني وانفصالي، مع تأكيده على تلاشي الحدود الفاصلة بين الأيديولوجيات وغياب الالتزام الصارم بعقيدة أيديولوجية واحدة، حيث أصبحت العديد من أعمال العنف مدفوعة بمزيج غير متجانس من المعتقدات والتأثيرات، وأصبحت الحدود بين مختلف الأيديولوجيات الإرهابية وأشكال العنف الأخرى أكثر ضبابية على نحو لم يكن موجودًا سابقًا، وبصورة خاصة في السياقين: الإرهاب الجهادي، والإرهاب والتطرف العنيف اليميني.

1- الإرهاب الجهادي

يشير التقرير إلى أن غلبة النشاط الجهادي بصورة منفردة أو ضمن شبكات عابرة للحدود الوطنية من أفراد يتشاركون الفكر نفسه دون أن يندمجوا في تنظيمات ذات هيكل هرمي صارم. وقد نُفِّذت جميع الهجمات الإرهابية المكتملة بواسطة مُنفّذين منفردين استخدموا وسائل بسيطة ومتاحة كالأسلحة البيضاء أو النارية، دون الحاجة إلى تلقّي أوامر مباشرة من قيادة التنظيم. وتنوعت مواقف المقبوض عليهم ما بين تأييده لكلٍّ من تنظيمَي داعش والقاعدة، وكذلك بعض الجماعات الإرهابية غير المنتمية إلى التيار السلفي الجهادي.

وقد حرص تنظيم داعش على دعاية تمثّلت في:

  • تقديم نفسه باعتباره الممثل الشرعي الوحيد للمسلمين؛ لينزع شرعية المنافسين، سواء كانوا المنحرفين عن المنهج الصحيح كالقاعدة، أو المتقاعسين عن “الجهاد” كالإخوان والسّلفيين.
  • تعظيم سردية استهداف الإسلام والمسلمين لتأجيج مشاعر المظلومية، ومن أمثلتها الصراع في غزة، وعمليات حرق أو تدنيس المصحف الشريف؛ وبعض الإجراءات في مجال مكافحة الإرهاب.
  • تمجيد منفِّذي الهجمات كنماذج يُحتذَى بها؛ لتحفيز آخرين على الاقتداء بهم.

2- الإرهاب اليميني

يستهدف هذا النمط من الإرهاب رفض النظام الديمقراطي وقيمه، والعمل على إحداث تحوُّل في النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي نحو نموذج سلطوي؛ استنادًا إلى تصوّر التفوق العنصري لجماعة على أخرى. وغلب على مُرتكبي حوادث الإرهاب اليميني العملُ الفردي والخلايا الصغيرة، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن التأثر غير المباشر بشبكات تطرف سواء ضمن منظومات افتراضية أو ارتباطات مباشرة. كما ساعدت البيئات الرقمية في تسريع عمليات التطرف والانتقال من الأفكار إلى الانخراط في أنشطة عملياتية. وإلى جانب استخدامهم الأسلحة النارية والأسلحة البيضاء والمتفجرات البدائية الصنع، أبدى الفاعلون اليمينيون اهتمامهم بالأساليب المبتكرة؛ كالأسلحة المصنّعة بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد والطائرات المُسيّرة (الدرونز).

وتأثرت السرديات التقليدية لليمين المتطرف بطيف متنوع من الأيديولوجيات والأفكار، كنظريات المؤامرة، مع تراجع مستوى الاتساق الأيديولوجي العام، وظهور مفاهيم مثل التّسارعيّة Accelerationism ([2]) والمبرّرات العدمية للعنف nihilistic justifications for violence، وعناصر مستمدّة من ثقافات فرعية عنيفة أخرى، مثل ثقافات المشاغبين وحليقِي الرؤوس، والعزوبية القسرية، مع التداخل مع الأطر الفكرية الجهادية؛ مثل الجهاد الأبيض (White Jihad) ([3]).

3- الإرهاب اليساري والفوضوي

يسعى هذا النمط إلى إحداث ثورة عنيفة ضد نظام الدولة، لإنشاء مجتمع شيوعي لا طبقي، ويرى أن غياب السلطة هو النموذج الأمثل لتنظيم المجتمع. ويستند في نشاطه إلى شبكات عابرة للحدود الوطنية تعزز العلاقات الشّخصية بين أفراده، وتسهّل تبادل الاستراتيجيات والمعارف العملياتيّة. ونُفِّذت معظم الهجمات من قِبَل تنظيمات إرهابية ومُنفّذين مُنفردين مجهولي الهوية، بعضهم له خبرة سابقة مع طرفَي الصراع الروسي-الأوكراني، وكذلك مناطق النزاع السوري-الكردي.

ويمارس فاعلو هذا النوع من الإرهاب العنفَ عبر وسائل بسيطة كالحرق العمد والعبوات الناسفة البدائية الصنع، وذلك في استهدافهم البنية التحتية، والمؤسّسات السياسية والمالية والتجارية. كما أظهر بعض فاعليها خبراتٍ تقنيةً مُتقدّمة باستخدام تطبيقات المراسَلة المشفّرة، والبريد الإلكتروني الآمن، والمنصات المصمَّمة لحماية الهوية وإخفاء البيانات، إلى جانب أدوات تقنية تهدف إلى الحفاظ على سرّية الهوية والمعلومات، لكن ذلك لم يُؤدِّ إلى الاستغناء عن التفاعل الاجتماعي المباشر. ومن أبرز تلك التنظيمات حزب جبهة التحرير الشعبي الثوري، وجماعة ائتلاف الانتقام، وجماعة الرد المسلح، وجماعة الاستمرارية الثورية، والجماعة الفوضوية Kyriakos Xymitiris.

ويؤطر هذا النمط مجموعة سرديات ومظالم معادية للسامية والرأسمالية والإمبريالية، أو معادية لإسرائيل، أو مناهضة للصهيونية، مع إدراج إشارات متكرّرة إلى الصراع في غزة.

4- الإرهاب القومي العرقي والانفصالي

ترجع دوافعه إلى القوميّة أو العِرق أو الدين، حيث يسعى إلى إنشاء دولة مستقلّة من خلال الانفصال عن دولة أكبر، أو إلى ضم إقليم من دولة إلى أخرى. وتؤدي المنصات الرقمية دورًا مهمًّا في نشر الدعاية، والتجنيد، والتمويل، وحشد المؤيِّدين، وذلك عبر المواقع الإلكترونية؛ القنوات التلفزيونية؛ ومنصات التواصل الاجتماعي؛ وتطبيقات المراسلة؛ والمطبوعات؛ ووسائل الإعلام الإلكترونية.

ومن أبرز مجموعاتها الجيش الجمهوري الأيرلندي الجديد New IRA، والجيش الجمهوري الأيرلندي للاستمرارية Continuity IRA، وغيرهما.

ويشير التقرير الأوروبي إلى أن أبرز تطور أثّر في بيئة التهديد القومي العرقي والانفصالي داخل الاتحاد هو دعوة عبدالله أوجلان، في27 فبراير2025، إلى نزع سلاح حزب العمال الكردستاني وحلّه. وفي مايو 2025، أعلن الحزب عزمه حل نفسه وإنهاء الكفاح المسلح.

وتتباين سرديات هذا النوع من الإرهاب باختلاف الفاعلين، ومن أبرزها: حق تقرير المصير، وسياسات الهوية، والمظالم المحلية، والتضامن مع المجتمعات المرتبطة بها في الخارج. ويُمثّل هذا النمط مصدر تهديد رئيسيًّا في ظل هياكله المنشقّة التي ترفض اتفاقية السلام، وتحافظ على توجّه معادٍ للدولة ولأجهزتها الأمنية، إضافةً إلى انخراطها بصورة مُنتظمة في أنشطة إجرامية، من بينها: الابتزاز؛ والتهريب؛ والاتجار بالمخدرات؛ وأنشطة فرض الحماية (Protection Activity)؛ وتحصيل الديون.

ثانيًا: حالة النشاط الإرهابي في أوروبا

في عام 2025، شهدت 10 دول وقوع 45 هجومًا إرهابيًّا (منفَّذًا، أو مُحبَطًا، أو فاشلًا)، منها 22 هجومًا ناجحًا، و20 هجومًا أُحبِطت قبل تنفيذها، و3 هجمات فاشلة. وأسفرت الـ 22هجومًا المنفَّذة، في مجملها، عن مقتل ستة أشخاص، وهو ما يُمثّل انخفاضًا مقارنةً بعام 2024، الذي سُجّل فيه 58 هجومًا إرهابيًّا في 14 دولة، نُفِّذ منها 34 هجومًا أسفرت عن مقتل 5 أشخاص. إضافةً إلى ارتفاع معدل الاعتقالات، حيث قُبِض على 486 مشتبهًا بهم في جرائم مرتبطة بالإرهاب خلال 2025، مُقارنةً بـ 449 بعام 2024 و426 و2023.

خلفيّة الهجمات:

  • استحوذ الإرهاب الجهادي على أكبر نسبة من الهجمات الإرهابية في عام 2025، إذ بلغ عددها 24 هجومًا؛ أي نحو نصف إجمالي الحوادث الإرهابية؛ ما أسفر عن مَقتل 5 أشخاص وإصابة 81 شخصًا، وسُجّل العدد نفسه في عام 2024، وارتفع عدد الهجمات المُنفَّذة عام 2025، حيث بلغ 9 هجمات، مُقارنةً بـ6 هجمات في عام 2024.
  • صُنِّفت 5 هجمات ضمن الإرهاب اليميني؛ هجوم نفّذ في فرنسا، وأُحبِطت 4 هجمات منها 3 في فرنسا، وهجوم واحد في أيرلندا؛ ليسفر الهجوم الوحيد المُنفَّذ عن مقتل شخص واحد.
  • نَفّذ الإرهاب اليساري والفوضوي 12 هجومًا، نُفِّذ منها 11 هجومًا في إيطاليا، وهجوم واحد في اليونان، وأُحبِط هجوم في بلجيكا، وأسفرت حوادث الطعن المبلَّغ عنها عن إصابة 6 أشخاص.

بالنظر إلى طبيعة تلك الهَجمات؛

شاعت حوادث الطعن؛ إذ بلغت 15 هجومًا، تلاها 11 هجومًا تفجيريًّا، و7 حرائق، و5 هجمات بإطلاق النار، وهجومين على ممتلكات، وعملية دهس واحدة بالمركبات. ويشير التقرير إلى أن تنفيذ 12 هجومًا، من أصل 22، من قِبَل أفراد اعتمدوا على وسائل بسيطة وسهلة الحصول عليها تمثّلت في: أسلحة بيضاء (9 هجمات)، ومركَبة، وسلاح ناري جهاز حارق بدائي الصنع (هجوم واحد لكلّ منهما).

وكان المدنيون من أكثر الفئات المستهدَفة، ولاسيّما في الهجمات المنسوبة إلى الإرهاب الجهادي، والإرهاب اليميني، وكذلك كانت مقارّ أجهزة إنفاذ القانون وعناصرها هدفًا متكرّرًا، خصوصًا في الهجمات المرتبطة بالإرهاب الجهادي والإرهاب اليساري والفوضوي. وكانت الشركات الخاصة المرتبطة بقطاعات الصناعة والمال والسياحة والصحة أهدافًا حصرية للمنتمين إلى الإرهاب اليساري والفوضوي؛ بدعوى ارتباط تلك الشركات بإسرائيل، التي كانت الدافع الرئيسي وراء تنفيذ الهجمات.

وسُجّلت 43  حالة اعتقال نُسِبت إلى الإرهاب اليميني، وكانت أكثر الجرائم شيوعًا في هذه القضايا: التحريض وإطلاق التهديدات (13حالة)؛ الاشتباه في الانتماء إلى تنظيم إرهابي (12 حالة)؛ التخطيط أو الإعداد لهجوم إرهابي (9  حالات)؛ المشاركة في أنشطة تنظيم إرهابي (4 حالات)؛ تنفيذ هجوم إرهابي (حالة واحدة)؛ تمويل الإرهاب (حالة واحدة)؛ حيازة مواد أو أدوات تُسهّل ارتكاب الجرائم الإرهابية (حالة واحدة).

كما أُلقِيَ القبض على 13 شخصًا في 6 دول أعضاء للاشتباه في ارتكابهم جرائم إرهابية مرتبطة بالإرهاب اليساري والفوضوي. وكانت الجريمة المشتبه بها هي تنفيذ هجوم إرهابي، تلاها: الانتماء إلى تنظيم إرهابي (4 حالات)؛ التحريض وإطلاق التهديدات (حالتان)؛ نشر الدعاية الإرهابية (حالة واحدة)؛ المشاركة في أنشطة تنظيم إرهابي (حالة واحدة).

وسُجّلت 34 حالة اعتقال على خلفية جرائم إرهابية مرتبطة بالإرهاب القومي الإثني والانفصالي، وتَمثّلت الجرائم المشتبه بها في هذه القضايا في: الانتماء إلى تنظيم إرهابي (16 حالة)؛ تمويل الإرهاب (10 حالات)؛ تنفيذ هجوم إرهابي (7 حالات)؛ نشر الدعاية الإرهابية (حالة واحدة).

كما أُلقِيَ القبض على 49 شخصًا على خلفية أشكال أخرى أو غير محدَّدة من الإرهاب، معظمهم على خلفية الاشتباه في الآتي: المشاركة في أنشطة تنظيم إرهابي (9 حالات)؛ التحريض وإطلاق التهديدات (8حالات)؛ أنشطة تيسيرية أخرى (8 حالات)؛ تنفيذ هجوم إرهابي (6 حالات)؛ التخطيط أو الإعداد لهجوم إرهابي (4حالات)؛ نشر الدعاية الإرهابية (4  حالات)، الانتماء إلى تنظيم إرهابي (3حالات)؛ حيازة مواد أو أدوات تُسهّل ارتكاب الجرائم الإرهابية (3حالات)؛ التدريب الذاتي (3 حالات).

ثالثًا: بيئة العنف

اتّسم نشاط التطرف الأوروبي، وفق التقرير، بمزجه بين الوسائل التقليدية وغير التقليدية، سواء في نشر العنف أو ممارسته. وفي إطار “ممارسة” العنف كان هناك تفضيل لأساليب التنفيذ البسيطة والمتاحة بسهولة عبر أفراد منفردين أو خلايا صغيرة؛ اعتمادًا على وسائل يسهل الحصول عليها، ولا تتطلب تخطيطًا أو دعمًا لوجستيًّا معقّدًا مثل الطعن باستخدام الأسلحة البيضاء، وإطلاق النار، والدهس بالمركبات، والعبوات الحارقة أو الناسفة البدائية الصنع، والحرائق المتعمدة. وكانت هناك محاولات تنفيذ هجمات أكثر تعقيدًا لم تكتمل بسبب محدودية الخبرة العملياتية، ونقص التدريب، وصعوبة الحصول على المعدات.

إلى جانب ذلك، ظهر توجّه ناشئ باتجاه استخدام التقنية في ممارسات العنف، ومن أبرز النماذج التي تطرق إليها التقرير الأوروبي الأخير شبكة The Com؛ وهي منظومة إلكترونية لامركزية تتكوّن من فضاءات ومجموعات رقمية متداخلة، تعمل على الترويج للسلوك المنحرف أو شديد العنف، أو المشاركة فيه. ويشير التقرير إلى وجود ثلاثة فروع رئيسة متمايزة، وهي:

  • Cyber Com : تركّز على أنشطة مثل: هجمات حجب الخدمة الموزّعة، وكشف البيانات الشخصية، وهجمات برامج الفدية.
  • (S)extortion Com : وتستدرج الضحايا، غالبًا من الفتيات القاصرات؛ لإجبارهم على ارتكاب أعمال أكثر عنفًا.
  • Offline Com: ويفتقر أعضاؤها إلى رؤية أيديولوجية متماسكة، وتركز على تنفيذ اعتداءات في العالم الواقعي، مثل الحرائق المتعمَّدة، والطعن، وجرائم القتل.

أما فيما يتعلق بسبل نشر التطرف، فتظل الوسائل التقليدية القائمة على الصِّلات المباشرة حاضرة بدرجات مختلفة في مسارات فاعلي العنف. ومع التطور التكنولوجي، كان ذلك عاملًا مُغذّيًا في بناء العلاقات وتمتينها. فقد تتحوّل العلاقات الشخصية إلى الفضاء الإلكتروني، كما تتحوّل العلاقات الإلكترونية إلى شخصية مباشرة، وفي كلا النمطين يحرص الفاعلون على تجاوز التضييقيات الأمنية المباشرة والتكيف مع الحصار التقني الذي يتعرّضون له. ويتم ذلك، وفق التقرير، من خلال تقليل بصمتهم الرقمية واستخدام تطبيقات الاتصال المشفرة، والشبكات الخاصة الافتراضية (VPN)، والحسابات المؤقتة، والهواتف والأجهزة المخصّصة، وإعادة تهيئة الأجهزة بصورة متكرّرة، وحَذف التطبيقات وإعادة تثبيتها باستمرار، إضافةً إلى تطبيق إجراءات أمنية رقمية متقدّمة تحافظ على استمرارية انتشار محتواهم.

ووفق التقرير الأوروبي، وظّفت البيئة الإلكترونية دورًا كبيرًا في تمكين الإرهاب والتطرف العنيف؛ عبر ما وفرته من سرعة في الوصول إلى الأيديولوجيات الإرهابية والمتطرفة، والمحتوى الدعائي، والشبكات الداعمة. كما مثّلت فضاءً اجتماعيًّا تُبنى فيه العلاقات الشخصية، وتُعزَّز فيه الهويات الجماعية، وتُكتسَب من خلاله المكانة داخل المجتمعات المتطرفة، وأسهم ذلك في تسريع عمليات التطرف، وتسهيل التواصل بين الأفراد ذوي التوجهات المتشابهة، وتوفير أدوات للتخطيط والتنسيق وتنفيذ الأنشطة الإرهابية. وأشار التقرير كذلك إلى أنه في كثير من الحالات، تبدأ عملية التطرف من خلال التعرّض لمحتوى متطرف عبر منصات الألعاب الإلكترونية، وخدمات المراسلة، وشبكات التواصل الاجتماعي، إضافةً إلى منصات أكثر خصوصية وأعلى مستوى من الحماية.

ولم يَعُد الهدف من المحتوى الدعائي يقتصر على إقناع المتلقّين بأيديولوجية معينة بقدر ما كان يهدف إلى تطبيع العنف، وتمجيد مرتكبيه، والدفع إلى التقليد والمحاكاة؛ لذلك، لم يَعُد يعتمد فقط على النصوص أو البيانات الرسمية الصادرة عن التنظيمات الإرهابية، وإنّما أصبح يعتمد بدرجة متزايدة على محتوى لامركزىًّا، الذي ينتجه المؤيِّدون والأفراد المستقلّون. ويُشير التقرير إلى تزايد إنتاج المحتوى الذي ينشئه المستخدمون بصورة ملحوظة عبر تحرير مواد دعائية قديمة، أو دمجها مع الأخبار الجارية، ومقاطع من ألعاب الفيديو، والمؤثرات البصرية، والموسيقى، والصور المتداولة عبر الإنترنت؛ ما يجعله أكثر جاذبية، خصوصًا للفئات العمرية الأصغر، ولاسيّما مع استخدام الرموز، والميمات (Memes)، والإشارات البصرية المشفرة.

رابعًا: أزمة المشروع الأوروبي في مكافحة الإرهاب

يشير التقرير الأوروبي إلى ارتفاع تهديدات الإرهاب الجهادي، الذي استحوذ على أكبر نسبة من الهجمات الإرهابية في عام 2025، حيث يتطلب ذلك ضرورة مراجعة السياسات الأمنية القائمة وتحديثها لمواجهة هذا النشاط. وعمليًّا، تباينت المواقف الأوروبية تجاه الإرهاب الجهادي ومنظماته؛ في ظل تباين الرؤى والأطر القانونية القائمة، التي استطاع الكثير من أصحاب الأفكار المتطرفة الاستفادة من قواعدها الاستمرار في العمل. فمع الحَظر الذي فُرِض من قِبَل الكثير من دول العالم تجاه تنظيمَي القاعدة وداعش ورموزهما، يظل الموقف قاتمًا فيما يتعلق بجماعة الإخوان المسلمين، التي تُمثّل الجماعة الأم، التي خرج منها كثير من رموز وأعضاء تلك التنظيمات، وتُمثّل بعض مرجعياتها الفكرية مرجعية مشتركة مع السلفية الجهادية كسيد قطب، فضلًا عن عدم الحظر الدولي لكثير من الدول للجماعة؛ لانخراطها وتأييدها لأنشطة عنف خصوصًا من دول الشرق الأوسط، إضافةً إلى الولايات المتحدة التي حظرت بعض فروعها([4])، والتي لم تكتفِ بذلك، بل سعت عبر استراتيجيتها لمكافحة الإرهاب لعام 2026 إلى العمل على توجيه الجهود إلى مكافحة مختلف مصادر التهديد الإرهابي؛ الإجرامي العابر للحدود، والإسلامي التقليدي، واليساري العنيف([5])، وهو الأمر الذي جعل الاتحاد الأوروبي يتخلّف عن القيام بدور مماثل له، على الرغم ممّا يتعرّض له من تهديدات كبيرة، وضغوط دولية من حين إلى آخر.

ولم تتحول الرؤية الأوروبية، على الرغم من ذلك، إلى اعتبار الإخوان المسلمين تهديدًا أمنيًّا حقيقيًّا وعابرًا للحدود، وليس مجرد حركة سياسية أو دعوية سلمية؛ فباستثناء النمسا التي أخذت خطوات حاسمة وحظرت الجماعة عام 2021، فإن باقي الدول لم تتخذ مواقف جدّية تجاه البيئة المؤثرة في حضور العنف الجهادي. فعلى الرغم من تقرير وزارة الداخلية الفرنسي في 2025 حول تهديداته على المجتمع الفرنسي، لم يتطور الأمر لاحقًا سوى بتوصية من الجمعية الوطنية الفرنسية في 22 يناير 2026 بدعوة الاتحاد الأوروبي إلى إدراج الجماعة وقياداتها بشكل رسمي ضمن قوائم المنظمات الإرهابية الأوروبية ([6]) ثم موافقة البرلمان الهولندي على مقترح بحظرها ([7]). إلى جانب ذلك، نجد أن هناك دولًا أخرى أخذت إجراءات جزئية ضد أنشطة الجماعة، مثل وإسبانيا وبلجيكا ([8])، وعلى الرغم من تنامي صور النشاط الجهادي في كلٍّ من بريطانيا وألمانيا، والمطالبات بوجود موقف واضح ضد تلك الجماعات وأنشطتها، لم يتبلور الأمر بعد إلى موقف رسمي؛ في ظل طبيعة الإجراءات القانونية الحاكمة لمثل هذه الأمور.

خاتمة

نخلص من كلّ ما سبق إلى أن الاتحاد الأوروبي لم يتعامل جدّيًا بعد مع أبرز تحدياته الأمنية التي يُواجهها، فعلى الرغم من تفكيك تقريره الأخير لعام 2026 حالة التطرف الأيديولوجي التي كثّف مناقشة أبعادها، فإنه لم يعمل على بلورة جهوده نحو بناء سياسات صحيحة لتجاوز تلك الظاهرة وتداعياتها، على الرغم من ترجيحه أن يظل الإرهاب الجهادي مسؤولًا عن النسبة الأكبر من الهجمات الإرهابية، وحالات الاعتقال داخل الاتحاد الأوروبي.

ليتطلب ذلك ضرورة العمل على:

  • دمج الاستراتيجيات الأمنية التقليدية بالاستراتيجيات غير التقليدية: فمع وجود ممارسات عنف بأدوات تقليدية جنبًا إلى جنب مع استخدام التقنيات التكنولوجية المتطورة في أنشطة العنف، يوجد كذلك ممارسات عنف هجينة.
  • بناء استراتيجيات موازية للتعامل مع التنوع السكاني والثقافي القائم بمجتمعاتها، مع العمل على تحقيق إدماج حقيقي لهم.
  • إعادة النظر في السياسات الأمنية القائمة، ووضع استراتيجية لمكافحة الإرهاب تتوافق مع مغذِّيات التطرف القائمة وتفكيكها، والعمل على طرح معايير عامة جامعة لتفاصيل المشهد المركب.

لكن، يبقى التحدي الأبرز الذي أورده التقرير بصورة عابرة، ويتعلق بتباين المواقف تجاه بعض المجموعات المتطرفة والاختلاف حول الموقف من ممارساتها؛ ومن ذلك الموقفُ من ممارسات “شبكة The Com “، وجماعة الإخوان المسلمين، فعلى الرغم من تورطهم في تهديد المجتمعات، وممارسات عنف، وحظرهم كمنظمات إرهابية في بعض الدول غير الأوربية، فإنهم لم يستوفيا الشروط القانونية داخل الاتحاد، وظلت بعض ممارساتهم شكلا من أشكال الجرائم المخلة بالنظام العام.


[1] Europol, T. E. S. A. T. (2026).European Union Terrorism Situation and Trend Report, https://tinyurl.com/2dko6462

[2] – مجموعة أيديولوجيّات تدعو إلى توظيف الرأسماليّة من أجل إحداث تحوّلاتٍ اجتماعيّةٍ جذرية.

[3] – تبنّي العنصريين البيض الأساليب والسرديات والثقافة الجهادية، كمنظمة الملائكة التسعة Order of Nine Angles / O9A، والعمل 0000 الوطني National Action البريطانيين، وفرقة أتوموافن Atomwaffen Division الأمريكية.

[4]– تصنيف الإخوان المسلمين في الولايات المتحدة: كيف يُعيد القرار الأمريكي رسم مستقبل الإخوان المسلمين عالميًّا؟، تريندز للبحوث والاستشارات، 14 يناير 2026، على الرابط التالي: https://tinyurl.com/29oe894f

[5] – لا تنظيمَ متطرفًا آمنٌ: الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب لعام 2026، تريندز للبحوث والاستشارات، 9 مايو 2026، على الرابط التالي: https://tinyurl.com/27ybh2y4

[6]– الجمعية الوطنية الفرنسية تُوصي بإدراج “الإخوان المسلمين” على قوائم الإرهاب الأوروبية: الدلالات والأبعاد، تريندز للبحوث والاستشارات، 25 يناير 2026، على الرابط التالي: https://tinyurl.com/2ycs8y6j

[7] – حمد عبدالله الحوسني، مقترح برلماني هولندي لحظر جماعة الإخوان المسلمين: قراءة في الأبعاد السياسية والقانونية والاجتماعية، تريندز للبحوث والاستشارات، 24 مارس 2026، على الرابط التالي: https://tinyurl.com/2b9y4o3n

[8]– Government approves preliminary draft law on radical organisations, Belga New A agency, 25July 2025, https://tinyurl.com/2y7dgs8e