ظلت القارة الإفريقية تعيش على إيقاع مفارقة كبيرة، فعلى الرغم من أهمية المقومات التي تحظى بها من حيث المساحة والسكان والتنوع الثقافي والجغرافي والثروات المعدنية والطبيعية؛ فإنها تعاني مشكلات وتحديات مختلفة بسبب ذلك، إذ باتت محط تنافس على النفوذ بين العديد من القوى الدولية الكبرى.
وفي هذا السياق، حرصت فرنسا على تعزيز نفوذها داخل القارة، من خلال آليات عسكرية، وحضور اقتصادي ومالي، إلى جانب المدخل الثقافي، وبعد عقود عدة من سياسة الهيمنة التي لا تخلو من إرث استعماري، وفي ظل مجموعة من العوامل المتصلة ببروز نخب سياسية إفريقية جديدة، وتزايد التنافس الدولي داخل القارة، وتصاعد حدة الرفض الشعبي والرسمي للوجود العسكري والاقتصادي الفرنسي بعدد من دول المنطقة، وجدت باريس نفسها في وضع يفرض مراجعة سياساتها الخارجية إزاء دول القارة.
ويبدو من خلال الكثير من المؤشرات، أن فرنسا باتت مقتنعة بضرورة إرساء علاقات جديدة مع الدول الإفريقية تقوم على الشراكات المتوازنة؛ إذ بادرت إلى إرسال مجموعة من الإشارات في هذا الخصوص، من خلال سحب قواتها من دول الساحل، وتخفيض وجودها العسكري في عدد من البلدان، والانفتاح على عدد من دول شرق إفريقيا، والانتقال من منطق المساعدات الإنسانية إلى إقامة استثمارات مهمة في عدد من القطاعات الاستراتيجية.
وبناء على ما تقدّم، تسلط هذه الورقة البحثية الضوء على مختلف العوامل التي دفعت فرنسا إلى مراجعة حساباتها في القارة السمراء، مع التعرض للآليات الجديدة التي تعتمدها باريس لكسب هذا الرهان، قبل أن تختم بالتطرق لمستقبل العلاقات الفرنسية – الإفريقية في خضم هذه التطورات.
أولًا: النفوذ الفرنسي في إفريقيا.. من الهيمنة إلى الأفول
هناك الكثير من العوامل التي تعمق الجرح الإفريقي، وتسهم في تكريس وضعية الهدر بكل أشكاله، وتمنع الشعوب الإفريقية من أن تنعم بالاستقرار والرفاه، فالمستعمر الأجنبي نهب الخيرات، وخلّف الكثير من المشكلات الحدودية، ورسّخ التبعية بعد خروجه العسكري، وعودة شركاته الاحتكارية إلى عدد من دول القارة.
يرجع العديد من الباحثين المعاناةَ التي تعيشها الكثير من بلدان القارة إلى إصرار بعض الدول على التعامل معها بخلفية استعلائية، وهو ما ينطبق بشكل كبير على فرنسا التي وإن غادرت مستعمراتها السابقة عسكريًّا، فقد ظلت توظّف الكثير من الآليات والتقنيات في سبيل بسط هيمنتها. فقد استطاعت استغلال واستعمار ما يقارب 22 دولة إفريقية للبحث عن الموارد والثروات لبناء قدرتها الاقتصادية والعسكرية. وعلى الرغم من انطواء تلك المدة بكل ما كانت تحمل من آلام ومآسٍ بالنسبة إلى شعوب القارة، فإن فرنسا ما زالت متمسكة بسياسات تلك الحقبة الاستعمارية[1].
إن حرص باريس على نهج سياساتها التقليدية والنمطية داخل إفريقيا لعقود عدة من الزمن، من دون وضع التبدلات التي شهدتها دول القارة على مختلف الواجهات في الحسبان، وما رافق ذلك من تصاعد حدة التنافس الدولي باتجاه بناء شراكات متوازنة مع إفريقيا، جعلَها تتحمل كلفة استراتيجية واقتصادية كبيرة.
I. عوامل تراجع النفوذ الفرنسي في إفريقيا
يمكن تصنيف العوامل التي أسهمت في تراجع النفوذ الفرنسي في القارة الإفريقية إلى أسباب داخلية متصلة في مجملها بالتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحاصلة في إفريقيا، وأخرى مرتبطة بشكل أساسي بالسياسات الفرنسية تجاه دول القارة.
1. العوامل الداخلية الإفريقية
يمكن إجمال هذه العوامل في اعتبارات سياسية متصلة بوصول عدد من النخب السياسية الجديدة إلى الحكم عن طريق الانتخابات بتوجهات مختلفة عن سابقيها، أو بحدوث مجموعة من الانقلابات التي قادها عسكريون وقرروا التخلص من الهيمنة السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية لفرنسا على بلدانهم، إضافة إلى انسحاب بعض البلدان من الهيئات الإقليمية التي تحظى بنفوذ فرنسي وازن، كالمنظمة الدولية للفرنكوفونية، ثم الانفتاح على لغات حية أخرى غير الفرنسية كالإنجليزية.
وهناك عوامل أخرى عسكرية، تتمحور حول إعلان عدد من الدول كالسنغال وتشاد ومالي وقف تعاونها العسكري مع فرنسا، إضافة إلى اعتبارات ثقافية واجتماعية تتصل بظهور جيل جديد من الشباب لم يتردد في التعبير عن رفضه للنفوذ الفرنسي المتزايد داخل إفريقيا من خلال مظاهرات واحتجاجات شعبية؛ وخاصة مع الفشل الذريع الذي لقيته القوات الفرنسية في مكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن بالمنطقة، مع ما رافق ذلك من تدهور للأوضاع الأمنية وتفشي المعضلات الاجتماعية من فقر وبطالة، وانتشار شبكات التهريب، وتمدد الجماعات المسلحة بالمنطقة.
وتنضاف إلى كل ذلك اعتبارات اقتصادية مرتبطة أساسًا بالرفض الإفريقي المتزايد لهيمنة الشركات الفرنسية على خيرات المنطقة ومواردها الطبيعية والطاقية، والدعوات المتصاعدة بشأن التخلص من عملة الفرنك الإفريقي التي تكرس النفوذ الاقتصادي الفرنسي داخل القارة، في مقابل الميل نحو تعزيز الشراكات الاستراتيجية مع عدد من القوى الدولية الكبرى كاليابان والصين وروسيا التي ليس لها تاريخ استعماري في المنطقة.
2. العوامل المرتبطة بالسياسات الفرنسية تجاه إفريقيا
يقوم النفوذ الفرنسي في إفريقيا على ركائز عدة، أبرزها: تجنيد النخب السياسية الحاكمة، والوجود والتدخل العسكري، والهيمنة الاقتصادية، والتغلغل الاجتماعي والثقافي، حيث أمّنت هذه الركائز الاستمرارية لذلك النفوذ، على مدار ستة عقود خلت، تمكنت فرنسا عبرها من الحفاظ على إمبراطوريتها في إفريقيا، والتي لا شكّ في أنها كانت عاملًا مهمًّا فيما حققته من نهضة ومكانة في المجتمع الدولي[2].
فرغم استقلال البلدان الإفريقية، فقد ظلت لعقود تعاني من التبعية لعدد من الدول الكبرى، وفي هذا السياق استطاعت فرنسا فرض هيمنتها على عدد من بلدان القارة بتطويق هذه الدول بمجموعة من الاتفاقيات الأمنية والعسكرية، وبسط الهيمنة النقدية من خلال الفرنك الإفريقي، ونشاط عدد من الشركات الكبرى، بالإضافة إلى تعزيز الوجود الثقافي واللغوي من خلال الفرانكوفونية.
دأبت النخبة الفرنسية الحاكمة على تبنّي نهج أبوي ممزوج بالبراغماتية في علاقاتها بإفريقيا ونخبتها الحاكمة[3]. ولم تتوان فرنسا عن تكريس علاقات مبنية على التعالي والهيمنة والتحكم بأشكال مختلفة رغم زوال الاحتلال، حيث عملت على دعم الكثير من النخب الحاكمة التي ظلت وفية لأجنداتها الاقتصادية والأمنية والثقافية، بل وصل بها الأمر إلى تدبير انقلابات عسكرية للمحافظة على هذه المصالح، ثم التواطؤ مع أنظمة مستبدة ضمن عمليات إبادة جماعية؛ كما حدث في رواندا عام 1994.
وعلى المستوى الاقتصادي، فرضت فرنسا على عدد من مستعمراتها السابقة، استخدام الفرنك الفرنسي، وهو ما سمح لها بالتحكم في سياساتها النقدية والبنكية، كما أن عددًا من شركاتها الكبرى لا تتوقف عن استغلال ثروات القارة من خلال عقد اتفاقيات مجحفة وغير منصفة، غالبًا ما تصب في مصلحة باريس.
أما على المستوى الثقافي، فلا تخفى الخدمات التي تقدمها الفرانكوفونية على طريق تعزيز النفوذ الفرنسي داخل القارة، عبر النهوض باللغة الفرنسية؛ بما تحمله من حمولات مختلفة تستهدف الهوية والخصوصية الثقافية الإفريقية بتنوعها الحضاري[4].
منذ حصول البلدان الإفريقية على استقلالها، ظلّت فرنسا تباشر تدخلاتها بسبل مختلفة في عدد من الدول الإفريقية، من خلال شراكات اقتصادية غير متوازنة تكرس التبعية، وتدخلات وإملاءات سياسية تمس بسيادة هذه الدول، بالإضافة إلى تبنّي سياسات متباينة بل ومتناقضة أحيانًا إزاء الانقلابات العسكرية التي شهدتها الكثير من هذه الدول، كما هو الأمر بالنسبة لمالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد والغابون.
كما لا تخفى الانعكاسات التي أفرزها التركيز على المقاربات الأمنية والعسكرية[5] التي بادرت إليها فرنسا داخل عدد من دول القارة، في مقابل تهميش المقاربات المبنية على التنمية وإحداث البنى التحتية وتدبير الأزمات.
فيما لا تخفى الإشكالات الأمنية والاجتماعية التي نجمت عن تدخلاتها العسكرية في عدد من الدول الإفريقية، مثلما حدث مع ليبيا في عام 2011، ما أربك الأوضاع داخل هذا البلد المغاربي وجعله عرضة لكثير من التدخلات الأجنبية ولتمدد الجماعات المسلحة.
ومن جانب آخر، تبنت فرنسا سياسات اقتصادية غير متوازنة داخل الفضاء الإفريقي، عبر استغلال الثروات الطبيعية من معادن نفسية كاليورانيوم والذهب ومصادر الطاقة كالنفط والغاز.
ورغم التعهدات التي أطلقها الرئيس الفرنسي “إيمانويل ما كرون” بصدد إمكانية تطوير هذه العلاقات في سياق إرساء شراكات متوازنة تخدم التنمية والاستقرار داخل القارة الإفريقية، إلا أن ذلك لم يحدث بفعل الإصرار على نهج سياسات مبنية على خلفيات استعمارية.
II. مؤشرات وأبعاد التراجع الفرنسي في إفريقيا
تُبرز الكثير من الأحداث والوقائع أن هناك رغبة إفريقية جامحة للتخلص من النفوذ الفرنسي، وهو التوجه الذي تتبناه العديد من النخب السياسية الجديدة، إضافة إلى جزء كبير من الأنتلجنسيا الإفريقية التي لا تتردد في كشف الكثير من التناقضات التي تطبع الخطابات الفرنسية الرنانة من جهة، والممارسات الواقعية التي تصل حد الابتزاز وإثارة النعرات والصراعات إزاء إفريقيا.
1. مؤشرات تراجع النفوذ الفرنسي في إفريقيا
بدأت تبرز مجموعة من المؤشرات التي تحيل إلى تراجع المدّ الفرنسي داخل القارة، ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى خروج القوات العسكرية الفرنسية من بلدان الساحل الإفريقي[6]، كما هو الشأن بالنسبة للنيجر ومالي وتشاد وبوركينا فاسو، علاوة على قطع العلاقات مع عدد من بلدان المنطقة، بالإضافة أيضًا إلى بروز منافسين أقوياء للوجود الفرنسي في القارة.
ويبدو أن ثمة مجموعة من العوامل التي تسببت في هذا التراجع، ويمكن إجمالها في تنامي الوعي الشعبي والرسمي الرافض للوجود العسكري الفرنسي، وبروز نخب سياسية واقتصادية ومثقفة جديدة[7]، وكذا الفشل الفرنسي الذريع على امتداد عقود عدة في إرساء علاقات مبنية على المصالح المشتركة.

وفي هذا السياق، يُبرز الاستبيان أعلاه، أن هناك أزمة ثقة حقيقية في الأدوار الأمنية الفرنسية داخل عدد من البلدان الإفريقية. وهو انطباع يترجم حجم الاستياء من التحركات العسكرية في المنطقة، والتي لم تفض إلى تعزيز الأمن والاستقرار أو إلى الإسهام في تحقيق التنمية.
ولذلك يعتقد بعضهم أن باريس لا تريد التخلي عن مكافحة الإرهاب في الساحل وخليج غينيا وبحيرة تشـاد، والـذي يغـذي الهجـرة إلـى أوروبـا، ولكـن تدخلاتهـا العسـكرية سـتصبح أقـل ظهـورًا وأقـلّ انكشـافًا لتجنـب آثـار مشـاعر العـداء ضـد الفرنسـيين. ولـن تقـف فرنسـا مقيـدة اليدين أمـام رفض الأفارقة لها وتقاربهـم مع الروس[8].
2. العلاقات الفرنسية – الإفريقية في مفترق الطرق
تجد فرنسا اليوم نفسها أمام واقع إفريقي مختلف، يفرض مراجعة حساباتها، وإعادة النظر في علاقاتها مع بلدان القارة، وهو ما أصبح يتردد بشكل مستمر داخل عدد من المحافل الإقليمية واللقاءات الثنائية التي تكون باريس طرفًا فيها، ونشير في ذلك إلى مؤتمر القمة الإفريقية – الفرنسية، المنظمة بـ”مونبولييه” الفرنسية في شهر سبتمبر لعام 2022، عندما طالب عدد من الشباب الأفارقة من فرنسا بناء علاقات متوازنة جديدة، تستوعب حجم التطورات التي شهدتها القارة، و”الحركات الجديدة” داخلها، وإلغاء الديون، وسحب القوات العسكرية من مختلف البلدان الإفريقية.
ويُعدّ فقدان الوجود العسكري الفرنسي في العديد من الدول الإفريقية عاملًا رئيسيًّا في تقويض أدوات الضغط والتأثير الفرنسية؛ ما انعكس على تراجع التأثير الثقافي التقليدي؛ حيث انحسر عدد مستخدمي اللغة الفرنسية لصالح العربية والإنجليزية في بعض المناطق، كما تخلّت دول مثل مالي عن الفرنسية كلغة رسمية[9]. فيما اتجهت الشركات الفرنسية إلى المستعمرات الإنجليزية من الدول الإفريقية بعد مواجهة منافسة شرسة في الدول الفرانكوفونية[10].
وإلى جانب هذه التحديات التي أصبحت تحيل إلى بداية أفول النفوذ والهيمنة الفرنسيين في إفريقيا، تزايدت حدّة التنافس الدولي داخل القارة، ونشير في هذا الخصوص إلى مجموعة من القوى الدولية والإقليمية التي ليس لها إرث استعماري في القارة، كالصين والولايات المتحدة الأمريكية واليابان وروسيا، وتركيا والبرازيل..، فيما تزايدت أهمية التعاون جنوب – جنوب الذي بدأت معالمه الإيجابية تبرز بوتيرة ملحوظة في سياق تعاون إفريقي – إفريقي مبني على التكافؤ والمصالح المشتركة.
وعمومًا، ففي خضمّ حرب النفوذ الدائرة حاليًّا في النظام الدولي، اجتمعت جملة من الأسباب بعضها يرجع إلى خطايا الفرنسيين أنفسهم، وبعضها يرجع إلى ما آلت إليه أحوال الأفارقة من تردٍّ، وبعضها يرجع إلى كثرة المتنافسين على ولوج الساحة الإفريقية، ما أحدث خسائر غير مسبوقة في النفوذ الفرنسي في إفريقيا[11].
ثانيًا: مراجعة الحسابات الفرنسية في إفريقيا واحتمالات المستقبل
تؤكد التطورات الأخيرة الحاصلة في العلاقات الفرنسية – الإفريقية بما لا شك فيه أن هذه العلاقات أضحت تعيش أزمة ثقة حقيقية، تقتضي من باريس إعادة ترتيب أوراقها، وحساباتها في المنطقة.
I. ”العلاقات الإفريقية – الفرنسية في عهد “ماكرون
منذ وصول “إيمانويل ماكرون” إلى منصب الرئاسة في فرنسا عام 2017، والعلاقات الفرنسية – الإفريقية تشهد تدهورًا غير مسبوق على مختلف الواجهات، بعدما تمادت باريس في سياساتها الرامية لتكريس شراكات غير متوازنة، ضمن تنكّر تام لما شهدته الكثير من الدول الإفريقية من تطورات ومنجزات في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والفكرية.
ما دفع عددًا من النخب الأكاديمية والاقتصادية والحزبية الفرنسية إلى دقّ ناقوس الخطر، حيث اعتبرت أن استمرار فرنسا على نهجها التقليدي، سيكلفها الكثير من الخسائر الاستراتيجية، ويؤثر على مكانتها الدولية، وطالبت “ماكرون” بوقف مجازفاته غير المحسوبة في هذا الصدد.
وضمن خطوة تعكس الوعي بالتراجعات التي باتت تواجهها فرنسا داخل القارة، والرغبة في إرساء مرحلة جديدة من التعاون المتوازن مع دولها، قام الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” بزيارة إلى كينيا خلال شهر مايو 2026، حيث ترأس إلى جانب الرئيس الكيني “ويليام روتو” قمة “إفريقيا إلى الأمام” بنيروبي.
وقد تزامن توقيت هذه الزيارة مع التراجع الكبير للنفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي الفرنسي داخل القارة، كما تمت الزيارة في ظروف تتسم بتزايد الاستقطاب الذي تقوده القوى الدولية الكبرى داخل القارة الغنية بمكوناتها البشرية وبثرواتها الطبيعية والطاقية، وفي سياق التنافس على الممرات الاستراتيجية.
وفي مرحلة تزايدت فيها المطالب الإفريقية في إطار جماعي (الاتحاد الإفريقي) أو فردي، الداعية إلى بناء علاقات إفريقية متوازنة مع محيطها الدولي، بما يحقق شراكات في إطار منطق رابح – رابح.
ويمكن قراءة اختيار كينيا باعتبارها دولة أنجلوفونية لاستضافة القمة الفرنسية – الإفريقية، إشارة من فرنسا إلى الرغبة في تعميق وتعزيز علاقاتها لتطال دولًا جديدة خارج علاقاتها التقليدية بالقارة.
وتعد هذه الزيارة إقرارًا بالتحولات التي شهدتها القارة، وبقوة التنافس الدولي بما يقدمه لدول القارة من خيارات تشاركية متعددة في مقابل التراجعات الاقتصادية والسياسية والعسكرية الفرنسية في إفريقيا. وهي مؤشر على أنه لم يعد بإمكان باريس فرض نفوذها في قارة باتت نُخبها وشعوبها أكثر وعيًا واستعدادًا لبناء شراكات عادلة ومتوازنة[12].
وقد شكلت القمة مناسبة لتداول مجموعة من القضايا والملفات من قبيل التأكيد على أهمية استقطاب الشركات الناشئة، كما تمت الدعوة إلى إصلاح المنظومة المالية الدولية بما يتيح تخفيف عبء الديون على دول القارة ويتيح لدولها كسب رهانات التنمية والأمن الإنسانيين. فيما تعهد ماكرون بالعمل على تمكين دول القارة من استرجاع قطعها التاريخية التي تم نهبها خلال فترة الاستعمار.
وتراهن فرنسا على المدخل الاقتصادي من خلال إطلاق استثمارات داخل القارة لمواجهة التمدد الاقتصادي لعدد من القوى الدولية الكبرى، كما هو الشأن بالنسبة للصين التي أطلقت مبادرتها المرتبطة بالحزام والطريق، وروسيا التي ما فتئت تتمدد عسكريًّا وسياسيًّا في مناطق غرب وشرق القارة.
وفي هذا السياق، أكد الرئيس الفرنسي خلال هذه القمة عن تخصيص استثمارات مهمة تصل إلى ما يناهز 23 مليار أورو، لدعم عدد من المشاريع الحيوية في إفريقيا وبخاصة في مجالات الزراعة والتحول الطاقي والذكاء الاصطناعي[13].
وعلى المستوى الاستراتيجي، تحاول فرنسا بناء تحالفات أمنية جديدة، داخل فضاءات إفريقية مستقرة لتعزيز وجودها داخل القارة في ظل التنافس الشرس بين مجموعة من الدول في هذا السياق. بالإضافة إلى تعزيز التعاون على مستوى تأمين وحماية الممرات البحرية التجارية في المحيط الهندي والقرن الإفريقي.
انتظارات البلدان الإفريقية وفرنسا من قمة نيروبي 2026
| المجالات | انتظارات الدول الإفريقية | انتظارات فرنسا |
| النفوذ | شراكة متكافئة – تجاوز الإرث الاستعماري – تعزيز الدعم الدولي للقضايا الإفريقية | تجاوز العزلة – التموقع في منطقة شرق القارة – الانفتاح على المجال الأنجلوفوني |
| الاقتصاد | نقل التكنولوجيا – توفير فرص الشغل للشباب – جلب الاستثمارات | الولوج إلى أسواق جديدة – الحد من المدّ الاقتصادي الصيني والروسي داخل القارة. |
| الديون | إصلاح المنظومة المالية الدولية لتخفيف الديون عن دول القارة – الاستفادة من تمويلات تنموية بشروط مرنة. | توجيه التمويلات نحو مشاريع مرتبطة بالحد من التغيرات المناخية |
| الأمن | دعم الوساطات الإفريقية وجهود الاتحاد الإفريقي في تدبير الأزمات والنزاعات – تقديم الدعم التقني والاستخباراتي لمكافحة الإرهاب. | حماية المصالح الفرنسية المختلفة – مكافحة الهجرة غير الشرعية – عقد اتفاقيات دفاعية جديدة. |
| المشاريع المستدامة | توطين التكنولوجيا المتطورة – تحقيق الأمن الغذائي والطاقي – دعم الشركات الناشئة الإفريقية. | الاستثمار في مشاريع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي – تفعيل الشراكات التعليمية والثقافية مع الفئات الشابة. |
أصبحت التوجهات الجديدة لفرنسا نحو إفريقيا تتحكم فيها اعتبارات براغماتية، تتجاوز التركيز التقليدي على مناطق محددة ضمن الدائرة الفرانكوفونية، وهي تمثل فرصة لدول القارة من أجل إعادة بناء شراكاتها الخارجية، بما يضمن مصالحها الاستراتيجية. حيث عبرت الكثير من دول القارة عن رغبتها في بناء علاقات وشراكات تطبعها الندية واحترام سيادة الدول.
غير أن مستقبل هذه الشراكة سيظل مرتبطًا بمدى قدرة باريس على تجاوز الإرث الاستعماري وبناء علاقات قائمة على المصالح المشتركة والتنمية الحقيقية واحترام السيادة الوطنية للدول الإفريقية[14].
II. العلاقات الإفريقية – الفرنسية وسيناريوهات المستقبل
السؤال الذي يُطرح بصدد التحولات القائمة في السياسة الخارجية الفرنسية تجاه إفريقيا، حول ما إذا كان الأمر يتعلق بتوجهات استراتيجية مبنية على القناعة بفاعلية وأهمية الارتكاز إلى الدبلوماسية الاقتصادية المتوازنة، وتجاوز المقاربات العسكرية التي تعكس الرغبة في الهيمنة وتكريس المصالح الأحادية؟ أم أن الأمر يتعلق بمناورات مرحلية تسعى من خلالها باريس إلى بسط الهيمنة من جديد على إفريقيا عبر سبل ناعمة؟
وعمومًا، فأمام هذه التراجعات، يمكن طرح ثلاثة سناريوهات محتملة في سياق مستقبل العلاقات بين الطرفين، والتي تظل مفتوحة على كل الخيارات، بين سيناريو أول، تُقرُّ من خلاله فرنسا بفشل سياساتها الإفريقية، مع إعادة النظر في أخطائها السابقة، وإرساء علاقات بنّاءة وشراكات مكافئة، تكفل مصالح الجانبين، وتتيح لفرنسا الحضور منافسًا عاديًّا للقوى الدولية، في احترام تام للتوجهات السياسية والاقتصادية والثقافية لدول إفريقيا ولسيادتها ولاختياراتها الخارجية. وتخليها عن المساعدات المشروطة إلى الاستثمار المشترك، والانفتاح على عدد من البلدان الإفريقية خارج توجهاتها الفرانكوفونية السابقة، وإرساء تعاون عسكري مبني على الدعم الاستخباراتي المشترك، والمساعدة في تدبير الأزمات داخل القارة، واحترام الشراكات الخارجية الإفريقية التي توفر لها بدائل وشراكات واعدة، والمساعدة في تسوية ملفات التاريخ الاستعماري بالقارة: (تسوية قضايا الذاكرة ونزاعات الحدود والمديونية).
أو سيناريو ثانٍ، يُحيل إلى الاستمرار في تراجع النفوذ الفرنسي بنهاية نظام الفرنك الإفريقي، وتقلص المصالح الاقتصادية، ما قد يصل حدّ العزلة[15]، لصالح قوى دولية أخرى تقدم عروضًا بناءة لشراكات منافسة وأكثر توازنًا، تحت وطأة الرفض الداخلي والانقلابات العسكرية والتنافس الخارجي، وبخاصة إذا استمرت باريس في نهج مقارباتها التقليدية المبنية على الهيمنة والاستغلال.
أو احتمالٍ ثالثٍ يقوم على توجه فرنسا نحو فرض عقوبات على النظم الإفريقية التي تعادي مصالحها الاستراتيجية داخل إفريقيا بصورة ستعمق الخلافات الفرنسية – الإفريقية، وتدفع هذه الأخيرة نحو بلورة شراكات اقتصادية وتحالفات استراتيجية مع قوى دولية أخرى.
خاتمة
إن مستقبل العلاقات الفرنسية- الإفريقية، بما يخدم مصالح الجانبين، يظل رهينًا بمدى استيعاب فرنسا للتحولات التي شهدتها القارة، ولتطلعات شعوبها نحو الديمقراطية والتنمية، ولمنطق التنافس الدولي الذي يقدم خيارات متعددة للبلدان الإفريقية، ثم تجاوز الإرث الاستعماري وأخطاء الماضي.
كما أن استئثار إفريقيا بمكانة ذات وزن في عالم اليوم بإشكالاته وتحدياته بما يعزز علاقاتها مع محيطها الدولي، بعيدًا عن كل مظاهر الهيمنة والاستغلال، يمر عبر تعزيز التنمية والديمقراطية، وتقوية مؤسسات الدولة، وترسيخ التداول السلمي على السلطة، وتدبير التنوع بشكل سليم، بالإضافة إلى تعزيز الحوكمة ومكافحة الفساد وتطوير الاقتصاد. كما لا تخفى أهمية تطوير أداء الاتحاد الإفريقي، وتعزيز التكامل الاقتصادي، وتفعيل منطقة التجارة الحرة القارية لتعزيز النمو، ثم الاستثمار في مجالات التكنولوجيا والابتكار والطاقة المستدامة والأمن الغذائي، مع استثمار الصراع الدولي الراهن في سياق إرساء نظام دولي تعددي يضمن مصالح القارة.
[1] – م.م صهيب عبدالصمد إسماعيل: السياسة الفرنسية تجاه إفريقيا منذ العام 2012، تشاد أنموذجًا، مجلة جامعة الدفاع، العراق، العدد السادس 2024، ص 309.
[2] – د. سعيد ندا: تراجع النفوذ الفرنسي في إفريقيا.. الأسباب والمآلات، أبعاد للدراسات الاستراتيجية https://dimensionscenter.net/، يونيو 2024، ص 5.
[3] – د. دعاء عبد النبي حامد: جاك فوكار و(فرانس أفريك): صناعة النفوذ الفرنسي في إفريقيا ما بعد الاستعمار، مجلة الاستعمار، العدد 06 شتاء 2024، ص 180.
[4] – إدريس لكريني: الأفول الفرنسي في إفريقيا، صحيفة الخليج الإماراتية، بتاريخ 16 سبتمبر 2022.
[5] – نشير في هذا الإطار إلى عملية “برخان” العسكرية التي أطلقتها فرنسا في عام (2014) بهدف القضاء على الجماعات المسلحة في منطقة الساحل.
[6] – يأتي هذا الانسحاب، بعدما أصبحت المصالح الفرنسية في إفريقيا تواجه تحديات عدة، أهمها -على سبيل المثال لا الحصر – ظاهرة الإرهاب، والهجرة غير النظامية والإسلاموفوبيا خاصة في منطقتي الساحل الإفريقي، والقرن الإفريقي[6]. انظر، إيمان أشرف رشاد إبراهيم سليمان: السياسة الخارجية الفرنسية تجاه إفريقيا خلال الفترة 2017-1991 “رؤية تقويمية، المجلة العلمية لكلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية، جامعة الإسكندرية، كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية، مصر، المجلد 07 العدد 14 السنة 2022، ص 345.
[7] – اعتبر كثير من الباحثين والفاعلين المدنيين الأفارقة أن الوجود الفرنسي يكرّس الأزمات وحماية المصالح الفرنسية، بدل إرساء السلام في هذه المناطق، كما دعوا إلى التخلص من الفرنك الإفريقي، بل وطالبوا باعتراف فرنسا بمسؤولياتها إزاء عدد من الجرائم التاريخية المرتكبة في حق شعوب القارة.
[8] – د. إيمان عبد العظيم سيد أحمد: بعد الخروج من النيجر.. الوجود الفرنسي في إفريقيا إلى أين؟ مجلة آفاق مستقبلية (مصر)، العدد 4، ينايــر 2024، ص 82.
[9] – التحولات في التوجّهات الفرنسية في القارة الإفريقية: الأبعاد، والاستراتيجيات (دراسة)، والتوقّعات المستقبلية، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ص 28، على الرابط (تمت الزيارة بتاريخ 29 مايو 2026):
https://www.ecssr.ae/ar/research-products/periodic-studies-1/3/203212
[10] – كورانتيان دوتريب: وجود فرنسا في إفريقيا.. وما تبقى من العلاقات، ترجمة سيدي.م. ويدراوغو، مجلة قراءات إفريقية، العدد 29 يوليو – سبتمبر 2016، ص 130.
[11] – د. سعيد ندا: تراجع النفوذ الفرنسي في إفريقيا.. الأسباب والمآلات، أبعاد للدراسات الاستراتيجية https://dimensionscenter.net/، يونيو 2024، ص 18.
[12] – تراجعات الهيمنة: مستقبل الدور الفرنسي في إفريقيا بين الشراكة والقطيعة، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة (الإمارات العربية المتحدة)، 2025، على الرابط (تاريخ الزيارة 27 مايو 2026): https://2u.pw/2sZBew
[13] – يُشار أيضًا إلى أن فرنسا تستعد لتوقيع اتفاقية استراتيجية تاريخية مع المغرب بموقعه الاستراتيجي وحضوره الوازن داخل القارة، وهو ما ستستثمره حتمًا على مستوى تعزيز وتعميق ارتباطاتها مع الدول الإفريقية.
وبحسب ما يتم تداوله، فإن الاتفاق المرتقب لا يقتصر على الجوانب الاقتصادية والأمنية والتعاون التنموي، بل قد يمتد إلى ملفات ذات طابع تاريخي شائك، من بينها إعادة فتح بعض الأرشيفات المرتبطة بفترة الاستعمار الفرنسي، خصوصًا ما يتعلق بالمناطق الحدودية الشرقية، وهو ما يثير اهتمامًا واسعًا في الأوساط البحثية والتاريخية.
[14] – د. محمد حجاب: قمة الشراكة الإفريقية – الفرنسية: التحولات الاستراتيجية ومستقبل النفوذ الفرنسي في إفريقيا، مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، العراق 2026، ص 4.
[15] – يشير بعضهم إلى أن التنافس الروسي – الفرنسي على منطقة غرب إفريقيا والساحل سيظل قائمًا بسبب سعي كل طرف من الأطراف المتنافسة إلى تعظيم مصالحه الاستراتيجية وتوسيع نفوذه وهيمنته على المنطقة، وما ملّ يتجه الطرفان نحو إطلاق حوار استراتيجي شامل للحيلولة دون تضارب المصالح بينهما، فقد يفضي الأمر إلى تصاعد الصراع، ومن ثم زعزعة أمن منطقة غرب إفريقيا والساحل واستقرارهما في المستقبل. انظر، د. هند جمعة علي: التنافس الروسي الفرنسي في غرب إفريقيا والساحل، سلسلة إصدارات مركز البيان للدراسات والتخطيط، 2023، ص 16 وص 17.