يضم هذا العدد من النشرة برنامجين إذاعيين وملفا فكريا، تلقي الضوء على إشكالية محورية للحظة التي نعيشها، وهي أننا في فترة انتقالية بين نظامين، أحدهما يحتضر دون أن يموت تماما، والآخر يتشكل دون أن يولد بعد. وفي مثل هذه الأزمنة البينية تتعطل البوصلات، وتفقد الخرائط القديمة صلاحيتها؛ فلا يعود الخطر الأكبر حدثا كارثيا منفردًا، بل عجز الأطر التي نقرأ بها العالم عن استيعاب ما يجري فيه.
يتشكل العدد حول ثلاثة محاور الطبقة الاستراتيجية – الجيوسياسية. حيث الفاعل هي الاستراتيجية والنظام الدولي، والطبقة المنظومية. الاقتصادية، حيث تتحوّل شبكة الترابط نفسها إلى ساحة صراع، وأخيرا الطبقة الحضارية – المعرفية، حيث يصبح الإنسان ذاته، ومعه مفهوم المعرفة، موضع تساؤل. وهكذا تتدرّج القراءات من الدولة إلى الشبكة إلى الإنسان، لتؤلّف معًا تشريحًا متكاملا للحظة واحدة ينظر إليها من ثلاثة مستويات.
في المستوى الأول، يرفض ديبورت حصر الاستراتيجية في إطارها العسكري الضيق، ليعرفها بأنها فن خلق شروط حريتنا الخاصة، وفن إدارة المجهول. فالاستراتيجي الحقيقي، عنده، ليس من يتنبأ بالمستقبل إذ التنبؤ مستحيل – بل من يستعدّ له ويبني القدرة على التأثير في تشكله. ومن هذا المنطلق يقرأ مأساة أوروبا بوصفها أسرًا للزمن السياسي القصير، وعجزا عن إنتاج إرادة استراتيجية مشتركة. ويقلب حكمة الحرب الباردة حين يرى أن الردع النووي لم يمنع الحرب الأوكرانية، بل سمح بها، مدشنا عصرًا نوويًا جديدًا، يحمي فيه السلام الحرب التقليدية بدل أن يلغيها. غير أن خلاصته الأعمق إنسانية لا تقنية، إذ الحرب صراع إرادات قبل أن تكون صراع أسلحة، والحروب لا تكسبها الجيوش وحدها، بل تكسبها الشعوب.