القوى المتوسطة في عالم متعدد المراكز: السعي نحو الاستقلالية الاستراتيجية
لا تزال النقاشات حول طبيعة النظام الدولي المعاصر تحتل موقعا محوريا في كل من السياسة الدولية والأدبيات الأكاديمية. فبعد أن كانت الولايات المتحدة تتربع على قمة النظام الدولي خلال مرحلة الأحادية القطبية، بدأت تفقد تدريجيا قدرتها على الانفراد بتحديد قواعد اللعبة والحفاظ على النظام العالمي، في ظل تزايد توزيع القوة واحتدام التنافس عليها. ويشهد العالم اليوم عودة إلى تعددية الأقطاب، وقد أبرز هذا التحول دور القوى المتوسطة، التي لم تعد مجرد مراقب سلبي، بل أصبحت تضطلع بأدوار أكثر استقلالية سعيا إلى تعزيز أمنها وحماية مصالحها الاقتصادية.
وعادة ما تفسر هذه المرحلة الانتقالية من خلال أحد إطارين رئيسيين: إما ثنائية القطبية، القائمة على المنافسة بين الولايات المتحدة والصين بوصفهما قوتين متقاربتين، أو تعددية الأقطاب، التي تتوزع فيها القوة بين عدد من الدول الكبرى. ولكن الإطارين يظلان محدودين من الناحية التحليلية، حيث يبالغ إطار ثنائية القطبية في إبراز مركزية المنافسة الثنائية، بينما يفترض إطار تعددية الأقطاب قدرًا من التماسك والتكافؤ بين القوى الكبرى لا يتحقق في الواقع إلا نادرًا. والأهم من ذلك أن كلا المنهجين يقلل من أهمية دور القوى المتوسطة، التي لا يمكن تفسير نفوذها على نحو كافٍ من خلال نماذج تقتصر على التنافس بين القوى الكبرى.
وانطلاقا من ذلك، تطرح هذه الدراسة مفهوم تعدد المراكز بوصفه إطارا تحليليا أكثر دقة؛ فبدلا من حصر التحليل في عدد محدد مسبقا من مراكز القوة، ينظر هذا المفهوم إلى النظام الدولي باعتباره تعايشا بين مراکز قوة متعددة ومتباينة، تعمل عبر مجالات متداخلة. ويكتسب هذا المنظور أهمية خاصة في تفسير الكيفية التي تتعامل بها القوى المتوسطة ولاسيما في الشرق الأوسط والخليج العربي، مع بيئة استراتيجية تزداد تعقيدًا؛ وذلك من خلال دبلوماسية متعددة المسارات، وتوظيف الأدوات الجيو اقتصادية، والمشاركة الانتقائية في الأطر المؤسسية البديلة، مثل مجموعة بريكس.
وهنا يبرز السؤال المحوري الذي تنطلق منه هذه الدراسة: هل تتطور القوى المتوسطة لتصبح مراكز قوى مستقلة، أم أنها تعمل على صقل استراتيجيات التوازن والاصطفاف المتعدد داخل نظام متعدد المراكز ؟ وتقول الدراسة إن مفهوم تعدد المراكز يقدم تفسيرًا أدق لطبيعة النظام الدولي المعاصر، من خلال إظهار أن القوى المتوسطة لا تسعى إلى تحقيق الاستقلالية عبر بناء قدرات تماثل قدرات القوى الكبرى، بل تمارس نفوذها من خلال أنماط مرنة، وموجهة وفقا للقضايا، وقائمة على الشبكات بما يوسع هامش مناورتها الاستراتيجية، مع بقائها خاضعة لقيود هيكلية. ولدعم هذه المقولة، تبدأ الدراسة بوضع إطار مفاهيمي يربط بين تعدد المراكز وسلوك القوى المتوسطة والاستقلالية الاستراتيجية، قبل أن تطبقه على المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، بوصفهما حالتين نموذجيتين، مع وضعهما في سياق الضغوط البنيوية الأوسع التي تعيد تشكيل الاستراتيجية الأمريكية والهياكل المؤسسية للنظام الدولي .ومن خلال ذلك، توضح الدراسة أن القوى المتوسطة لا تحل محل القوى الكبرى بوصفها مراكز القوة المهيمنة، وإنما تسهم في إعادة تشكيل بنية النظام الدولي وآليات عمله.