اتجاهات الذكاء الاصطناعي (2)

الحوكمة الخوارزمية وشرعية القرارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في القطاع العام

14 أغسطس 2026

يشهد العالم اليوم تحولا في طبيعة العلاقة بين التكنولوجيا والسلطة العامة نتيجة التطور في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، وقد أدى هذا التطور الكبير إلى انتقال الحكومات من مرحلة توظيف التقنيات الرقمية في أتمتة الإجراءات الإدارية وتحسين الخدمات العامة، إلى مرحلة أكثر تقدما أصبحت فيها الأنظمة الخوارزمية جزءًا أصيلا من عمليات . صنع القرار، وإدارة الموارد العامة، وتقييم المخاطر إلى جانب تقديم الخدمات للمواطنين. وخلال العقد الأخير، توسع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل القطاع العام بصورة ملحوظة في مجالات متعددة تشمل الرعاية الاجتماعية، وإدارة الضرائب والعدالة الجنائية وغيرها. ويستند هذا التوسع إلى افتراض رئيسي يتمثل في الثقة بقدرة الأنظمة الذكية على تحسين الكفاءة التشغيلية، ورفع جودة القرارات وتقليل التكاليف، وتعزيز فاعلية السياسات العامة.

ويثير هذا التحول في المقابل مجموعة من التساؤلات القانونية والمؤسسية والأخلاقية، تتعلق بطبيعة السلطة التي تمارسها الخوارزميات وحدود مشروعيتها وآليات مساءلتها؛ فالقرارات الحكومية لا تستمد شرعيتها من دقتها التقنية فقط، وإنما من ملاءمتها وتوافقها مع مبادئ المشروعية والعدالة والشفافية والمساءلة والثقة العامة. وعندما أصبحت الخوارزميات طرفا مؤثرا في إنتاج القرار الإداري، فإن السؤال لم يعد يقتصر على مدى كفاءة هذه الأنظمة وحسب، بل تعداه إلى شرعية القرارات التي تنتج عنها، وقد كشفت تجارب دولية خلال السنوات الماضية عن التحديات التي ترافق الاستخدام الحكومي للذكاء الاصطناعي، فبعض التطبيقات الخوارزمية أدت إلى نتائج تمييزية أو غير عادلة، كما أثارت قضايا متعلقة بالخصوصية والمساءلة وحقوق الأفراد. وأظهرت هذه التجارب أن النجاح التقني لا يضمن بالضرورة القبول المجتمعي أو الشرعية المؤسسية، وأن الإخفاق في إدارة المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى أزمات سياسية وقانونية واسعة النطاق.

ومن هنا برز مفهوم الحوكمة الخوارزمية بوصفه أحد أهم المفاهيم المركزية في أدبيات الإدارة العامة والحوكمة الرقمية، ويشير هذا المفهوم إلى الأطر والقواعد والمؤسسات التي تنظم تصميم واستخدام ومراقبة الأنظمة الخوارزمية داخل القطاع العام. ومع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في صنع القرار الحكومي، أصبحت الحوكمة الخوارزمية تمثل أحد الشروط الجوهرية لضمان التوازن بين غايتين برز بينها تضاد، وهما الاستفادة من الإمكانات التي توفرها التكنولوجيا والحفاظ على القيم الأساسية للدولة القانونية، وتنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن الشرعية في البيئة الرقمية لم تعد مفهوما قانونيا صرفا، بل أصبحت مفهوما متعدد الأبعاد، يتداخل فيه القانون والتقنية والمؤسسات والثقة المجتمعية، ومن ثم فإن تقييم شرعية القرارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي يتطلب إطارا تحليليا أشمل وأدق من المقاربات التقليدية التي تركز بالأساس على الامتثال القانوني أو الكفاءة التقنية فقط.