أحدثت الطفرة الرقمية، المتمثلة في الإنترنت والذكاء الاصطناعي، تحولات عميقة وضعت العالم أمام تحدٍّ أمنيٍّ غير مسبوق؛ فلم يعد الإرهاب محصورًا في المواجهات الميدانية التقليدية، بل تحول إلى ظاهرة رقمية عابرة للحدود تستغل مرونة الفضاء الافتراضي. ويهدد هذا التحول الأمن القومي للدول[1]، خاصة مع قدرة تقنيات الذكاء الاصطناعي على إعادة تدوير الفكر المتطرف عبر خوارزميات معقدة. وبذلك، لم تعد المنصات السيبرانية مجرد أدوات للتواصل، بل تحولت إلى غرف عمليات ذكية قادرة على استهداف الوعي المجتمعي واختراق سيادة الدول دون الحاجة إلى صدام مادي مباشر.
هذا الواقع الجديد يفرض علينا إعادة تعريف مفهوم الأمن السيبراني؛ فلم يعد مجرد حماية تقنية للأنظمة، بل أصبح محورًا يربط بين السيادة الرقمية والحصانة القيمية للمجتمعات. فالمعركة اليوم ليست صراعًا على البيانات فقط، بل هي صراع على الأفكار والقيم، تلتقي فيه أساليب الاستقطاب الذكي مع انتهاك الخصوصية في ظل تضارب المصالح الدولية. ومن هنا، تبرز حاجة ملحة لتبني استراتيجيات استباقية تعتمد على التحليل الذكي والتفكير النقدي، وصولًا إلى صياغة ميثاق عالمي يضمن “السلام السيبراني” ويحمي مستقبل المجتمعات من مخاطر الإرهاب الرقمي.
1- التوظيف الرقمي للمتطرفين: من الدعاية التقليدية إلى الاستقطاب الخوارزمي
مع تراجع تنظيم “داعش” منذ عام 2017م وانحسار سيطرته الميدانية، شهد الفضاء السيبراني تراجعًا ملحوظًا لآلاف “الكبسولات المرئية” والمواد الدعائية التي كانت تغذي خطاب الكراهية والعنف. وهذا التحول يؤكد، بما لا يدع مجالًا للشك، أن قوة الجماعات المتطرفة قد استندت بصفة رئيسية إلى التوظيف الأمثل لشبكة الإنترنت؛ ليس أداةً للتواصل فقط، بل منصة لصناعة حضور رمزي، وتسويق صورتها بوصفها “مشروعًا للدولة”.
إن المتتبع لهذه الظاهرة يدرك جليًّا كيف برع تنظيما “داعش” و”القاعدة” في تحويل المنصات الرقمية إلى قنوات حيوية للتغلغل داخل مختلف الفئات الاجتماعية حول العالم، مع تركيز مكثف على استهداف الشباب. وقد اعتمدت هذه الاستراتيجية على ترسانة من المقاطع المصممة بعناية لتزييف الوعي الجمعي؛ وهو ما أكدته شهادات كثير من الشباب الذين غُرّر بهم، حيث أقرّوا بأن رحلة الانزلاق نحو التشدد لم تبدأ بصدام فكري مباشر، بل عبر تواصل إلكتروني بسيط مع أشخاص مجهولين، تطور تدريجيًّا إلى صداقات وطيدة أفضت في النهاية إلى السقوط في فخ الأيديولوجيا المتطرفة، وقد انحصر طموحهم في هدف الالتحاق بصفوف داعش في ذلك الزمن[2]. فقد أسفر الاستقطاب الرقمي المتدرج عن استدراجهم إلى صفوف التنظيم، وقد تفاجأت عائلات كثيرة وهي تطالع صور أبنائها وهم يستعرضون أسلحتهم في “الرقة” أو “الموصل”.
صحيح أن “داعش” قد انكسرت عسكريًّا، لكن هذا لا يعني أن منابع الإرهاب قد جفت بالكامل، أو أن حالة التشدد قد اختفت بلا رجعة. وهذا يضعنا أمام سؤال جوهري: هل تعود التنظيمات المتطرفة بواجهة أخرى عبر توظيف الذكاء الاصطناعي لصالحها؟ وما الضمانات التي تكفل لنا الأمان من خداع الفكر المتطرف في ثوبه الجديد؟
إن المخاوف من عودة هذه التنظيمات تكتسب مشروعيتها من التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي قد تمنحها أدواتٍ لم تكن متاحة من قبل؛ فقد تُستخدم “الخوارزميات التوليدية” لإنشاء محتوى دعائي فائق الواقعية لا يمكن تمييزه عن الحقيقة[3]، ما يسهّل عملية تزييف الحقائق أو صناعة قادة افتراضيين يحركون الجماهير دون وجود حقيقي على الأرض. علاوة على ذلك، تسمح أدوات الذكاء الاصطناعي اليوم بـ”بالاستقطاب الخوارزمي” عبر برمجيات ذكية قادرة على محاكاة الشخصيات البشرية، وإدارة حوارات إقناعية مخصصة لكلّ فرد وفقًا لاهتماماته ونقاط ضعفه النفسية.
وبذلك، يتحول الفضاء السيبراني من مجرد وسيلة تواصل إلى “غرفة عمليات” ذكية، تتبع منطق “النظم المعقدة” في التغلغل والانتشار، ما يجعلها قادرة على إعادة تدوير الفكر المتطرف بأساليب أكثر جاذبية وأقل قابلية للرصد. إن هذا التهديد النوعي يفرض علينا ضرورة الانتقال من استراتيجيات المواجهة التقليدية إلى بناء “حصانة رقمية” واعية، ترتكز على التفكير النقدي والوعي التقني بقدر ما ترتكز على الأمن المعلوماتي؛ إذ لا سبيل لمواجهة “ذكاء التزييف” إلا بتفعيل “الذكاء التحليلي” و”المنهج النقدي” في قراءة خطاب المتطرفين وفك شفرات خطابهم الجديد.
2- الأمن السيبراني من التدابير التقنية إلى صون السيادة الرقمية والقيمية
توظيف الجماعات المتشددة للإنترنت واحتمالية توظيفها بشكل متسع للذكاء الاصطناعي[4]، يضعنا أمام موضوع يتعلق بالأمن السيبراني. وهو منظومة متكاملة من التدابير التقنية والضوابط الإجرائية، التي تهدف إلى إرساء سياجٍ حمائيّ يمنع النفاذ غير المشروع إلى الأنساق الشبكية، ويجهض محاولات الاختراق أو التعسف في استغلال المعطيات، بما يكفل ديمومة النظم المعلوماتية ويصون حرمة البيانات وخصوصية الفواعل في الفضاء الافتراضي[5]. ويهدف الأمن السيبراني إلى حماية الشبكات وأنظمة تقنية المعلومات وأنظمة التقنيات التشغيلية، ومكوناتها مـن أجـهـزة وبرمجيات، ومـا تقدمه من خدمات، وما تحتويه من بيانات، من أي اختراق أو تعطيل أو تعديل أو دخـول أو استخدام أو استغلال غير مشروع. ويشمل هذا المفهوم أمن المعلومات والأمن الإلكتروني والأمن الرقمي وغيره[6].
والحقيقة أن الأمن السيبراني في الوقت الراهن لم يعد مجرد حزمة من التدابير التقنية أو الضوابط الإجرائية الرامية إلى إرساء سياجٍ حمائيّ للأنساق الشبكية، بل غدا يمثل جوهر سيادة الدولة في الفضاء الافتراضي؛ ذلك أن حدود الدولة لم تعد محصورة في المفهوم التقليدي المرتبط بالجغرافيا الفيزيائية والواقع العيني؛ إذ خَلَقَ عالم الإنترنت وما صاحبه من طفرة معلوماتية “حدودًا افتراضية” لكل بلد[7]. إن التعدي على هذه الحدود يعني النفاذ إلى أدق بيانات الآخر في شتى المجالات: الاقتصادية، والاجتماعية، والأمنية، والتخطيطية، ما يجعل من اختراقها خطرًا وجوديًّا يهدد كيان الدولة، بل قد يمتد أثره ليشكل تهديدًا للأمن الإقليمي في نطاق أوسع.
وهي مسألة لا تُعالج بـ “الجنود والبنادق”، بقدر ما تُدار في حيز “الذكاء الاستراتيجي” و”السيادة الرقمية الاستباقية”؛ فالسيادة اليوم لم تعد تُقاس بمدى السيطرة على المعابر البرية أو البحرية فحسب، بل بمدى القدرة على حماية “الأعصاب الرقمية” للدولة وتأمين تدفقاتها المعلوماتية. إن هذا الفضاء الجديد يتطلب نوعًا من “التفكير المنظومي المركب”؛ حيث تتداخل فيه التقنية بالسياسة، والمعلومة بالأمن القومي. فالاختراق السيبراني في جوهره هو “هتك للستر المعلوماتي” للدولة، يمنح المعتدي قدرة على إصابة المؤسسات بالشلل التام دون إطلاق رصاصة واحدة.
ومن هنا، يصبح الأمن السيبراني هو “الدرع الحصين” الذي يصون الهوية الرقمية والقرار السيادي من الارتهان للقوى الخارجية أو الانكشاف أمام الأنساق المخترقة على رأسها مخاطر الإرهاب الرقمي. فالانتقال من مفهوم “حماية البيانات” إلى “صون حرمة الفواعل في الفضاء الافتراضي” يضعنا أمام تحدٍّ وجوديٍّ؛ مفاده احتمال انتقال التنظيمات المتطرفة من حالة الاختراق التقني الصرف إلى الاختراق القيمي والمعرفي؛ حيث يتجسد هذا الأخير في التعسف في استغلال المعطيات. ولا يُقصد بهذا التعسف مجرد الوصول غير المشروع للبيانات، بل يتمثل في هندسة الإدراك عبر استغلال خوارزميات التوصية والبيانات الضخمة لحقن محتوى متطرف بصورة موجهة. فنشر هذا المحتوى ليس مجرد ضجيج رقمي، بل هو استغلال تعسفي لآليات تدفق المعلومات لتحريف الحقائق، واختطاف الرموز القيمية، وإعادة صياغة السرديات التاريخية والدينية بما يخدم الأجندات المتطرفة، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى زعزعة الثوابت الاجتماعية.
فالأمن السيبراني لم يعد محصورًا في أبعاده التقنية والتشغيلية لحماية البنية التحتية، بل أضحى في جوهره أمنًا له علاقة بما يرتبط بصناعة مختلف التصورات الذهنية وبالأخص في المواضيع الحساسة، من قبيل الموقف من الآخر، ومن العيش المشترك، ومن قيم المواطنة… هذا البعد الجديد للأمن السيبراني يدور في مدار حماية العصب الذهني للمجتمع من التلاعب الخوارزمي، ويضمن ديمومة السيادة المعرفية للدولة في فضاء لم تعد فيه السلطة تُمارس عبر التحكم في الأجساد أو الأجهزة فحسب، بل عبر حماية العقول من التضليل الممنهج الذي يستهدف تقويض السلم الأهلي.
3- الإرهاب “الذكي” وتحديات ازدواجية استخدام الذكاء الاصطناعي
إن حالة الانفلات الأمني التي طبعت سلوك الأفراد المنتسبين للجماعات المتشددة، ونزوع هذه التنظيمات نحو الخروج على نظم الحكم والقانون، يستند في جوهره إلى “وهمٍ أيديولوجي” يرى في الذات كيانًا غير معني بسلطة الدولة الوطنية؛ إذ تمارس الغالبية العظمى من هذه الجماعات “تكفيرًا نسقيًّا” لنظم الحكم، وهو ما يشرعن لها -في زعمها- اجتراح مختلف السلوكيات الإجرامية التي بلغت ذروتها في عنف التفجير والاغتيال.
إن هذا السياق المنفلت يجعل من احتمالية توجه هذه الجماعات نحو “الاختراق السيبراني” لبيانات الدولة أمرًا واردًا جدًّا؛ بغاية الاستيلاء على المعلومات الحساسة وتوظيفها ضمن أجندات تخريبية، أو استغلالها في “ابتزاز” مؤسسات بعينها أو شخصيات نافذة. ولم يعد الخطر محصورًا في العنف المادي العيني، بل امتد ليشمل “الإرهاب الرقمي” الذي يسعى إلى تقويض أركان الدولة من الداخل عبر سلاح المعلومات؛ ما يحول الفضاء الافتراضي إلى جبهة مفتوحة تتطلب “يقظة سيادية” تتجاوز الأنماط الدفاعية التقليدية، لتواجه فكرًا يرى في “المعطى الرقمي” غنيمة حرب، وفي اختراق الأنساق “جهادًا إلكترونيًّا” مزعومًا.
هذا التحول يضعنا أمام نمطٍ مستحدث من “الإرهاب الذكي” الذي لا يكتفي بهتك الستر المعلوماتي للدولة، بل يسعى إلى “تبيئة” الذكاء الاصطناعي لخدمة التشدد؛ سواء عبر برمجة الهجمات السيبرانية، أو استغلال النماذج اللغوية الكبيرة لتوليد خطاب كراهية عابر للقارات بلمسة زر واحدة. ومن هنا، لم يعد الأمن السيبراني مجرد خيار تقني، بل صار “ضرورة وجودية” لحماية العقل الجمعي من التضليل، وحماية البنية التحتية للدولة من “الارتهان الرقمي” لقوى التطرف التي تجد في سيولة الفضاء الافتراضي بيئة خصبة لإعادة إنتاج عنفها بأساليب غير مرئية. ” لقد غيّر الذكاءُ الاصطناعي وجهَ الإرهاب من خلالِ قيامه بتحليل البيانات بشكل آلي، وتفعيله لعمليات الدعاية والتجنيد، فخوارزمياتُ وسائلِ التواصل الاجتماعي أتاحت للتنظيماتِ الإرهابية تحديدَ الأفراد واستقطابهم بدقة، حيثُ تستغلُّ حملاتُ الدعاية المُدعمة بالذكاء الاصطناعي الثغراتِ النفسية، ما يجعل السرديات المتطرفة أكثر إقناعًا”[8]. فالطبيعة المزدوجة لاستخدام الذكاء الاصطناعي تُعقِّد من جهود محاربة الإرهاب؛ ففي حين تستعينُ السلطاتُ بتقنياته في المراقبة وأعمال الكشف عن التهديدات المحتملة، يلجأ الإرهابيون إلى التقنيات نفسها لكي يتمكنوا من الهروب من الرصد والعمل على التخطيط لهجماتهم التخريبية، ويزيدُ من هذا التعقيد المخاوفُ الأخلاقيةُ من أن تؤدي الاستعانة بتقنياته في المحاربة إلى انتهاك الخصوصية والمراقبة الجماعية.
نحن هنا أمام حالة مزدوجة، تدور في خفاء، تضع جهود مكافحة الإرهاب أمام مأزقٍ حقيقي؛ فبينما تسعى السلطات لتوظيف الذكاء الاصطناعي في الرصد والاستشراف الاستباقي للتهديدات، تعمدُ الجماعات المتطرفة إلى استخدام التقنيات ذاتها للتخفي والمناورة وتصميم الهجمات التخريبية. ويؤدي هذا الاشتباك التقني إلى تصاعد “المخاوف الأخلاقية” المتعلقة بانتهاك الخصوصية والوقوع في فخ “المراقبة الجماعية” باسم الضرورات الأمنية؛ ما يجعل المواجهة اليوم صراعًا مركبًا بين “سيادة الدولة الرقمية” وبين ما يمكن تسميته “سيولة الإرهاب الخوارزمي” الذي يتغذى على الفضاءات المفتوحة.
الأمن السيبراني إذن، في سياق المواجهة مع الجماعات المتطرفة لم يعد مجرد تدابير تقنية عارضة، بل استحال إلى “جوهر السيادة الرقمية” للدولة في فضاءٍ افتراضيّ تجاوزت حدوده المفهوم التقليدي للجغرافيا؛ إذ إن انتقال الإرهاب من حيز “العنف المادي” إلى فضاء “البرمجة الخوارزمية” يضعنا أمام تحدٍّ وجودي يستهدف “الأعصاب الرقمية” للمجتمعات عبر استغلال تقنيات الذكاء الاصطناعي في التجنيد، والابتزاز، واختراق الأنساق السيادية. إن هذه “الطبيعة المزدوجة” للتقنية، وما يرافقها من “تشييء رقمي” للفرد بتحويله إلى مادة مستباحة للتلاعب النفسي والمعلوماتي، تفرض ضرورة الانتقال من منطق الحماية التقنية الصرفة إلى استراتيجية “الذكاء الاستراتيجي المركب”؛ وهي استراتيجية تزاوج بين تحصين البنية التحتية المعلوماتية وبين صون “حرمة الفواعل” ومنظومة القيم الاجتماعية، بما يضمن ديمومة الدولة وحمايتها من الارتهان لسيولة الإرهاب الرقمي الذي يسعى لتقويض السيادة وإشاعة “الفوضى الهدّامة” بلمساتٍ خوارزمية غير مرئية.
4- نحو ميثاق لـ “السلام السيبراني”
في عصر المعلوماتية، لم تعد البيانات الشخصية مجرد أرقام أو أسماء في سجلات مغلقة، بل تحولت إلى دافع يحرك اقتصاديات كبرى الشركات العالمية. إننا نعيش في مفارقة رقمية؛ حيث نبحث عن الرفاهية والخدمات السريعة، بينما نتجاهل الثمن الحقيقي الذي ندفعه من استقلاليتنا الرقمية. فالتنازل التدريجي عن التفاصيل الصغيرة من بياناتنا، ومشاركتها مع جهات نعرفها أو لا نعرفها، هو ما فتح الباب على مصراعيه لتحول الخصوصية من حق إنساني أصيل إلى سلعة قابلة للتداول في سوق همّهُ الربح.
وبالنظر إلى واقع الحال، فإننا نمارس فعل “التفاوض اليومي” على خصوصيتنا الرقمية في كل لحظة اتصال، وغالبًا ما تتخذ هذه المفاوضات طابعًا روتينيًّا يستهين بخطورة التنازل. فبمجرد أن يُطلب منا الإدلاء ببيانات الهوية أو وسائل التواصل الاجتماعي—كالبريد الإلكتروني، أو أرقام الهواتف، أو الحسابات الشخصية—مقابل الحصول على خدمة إخبارية أو معرفية بسيطة، نسارع بالموافقة؛ وهي موافقة قد تبدو في ظاهرها يسيرة، لكنها تمثل في العمق المقايضة الأولى التي تفتح الباب أمام الانكشاف المعلوماتي الشامل “يبدو ذلك لنا مقايَضةً عادلة للنفاذ إلى الأخبار المجانية على الإنترنت. لكن يشيع بيع هذه البيانات من قِبَل هذه الشركات إلى شركات أخرى دون عِلْمنا، وينهمر عليك سَيْلٌ من البريد العشوائي من جرَّاء تبادُل هذه المعلومات البسيطة، التي ينتهي بها الحال على قوائم تضمُّ آلافَ أو ملايينَ عناوين البريد الإلكتروني”[9]. إنَّ هذا الانكشاف المعلوماتي لا يتوقف عند حدود الإزعاج التسويقي فحسب، بل يمتد ليشكل ثغرة أمنية واجتماعية خطيرة؛ فبمجرد خروج بياناتنا عن نطاق سيطرتنا، تصبح عُرضة للاستغلال من قِبَل كيانات قد تتجاوز أهدافها الربح المادي إلى التلاعب بالعقول؛ سعيًا لتعزيز نزعة استهلاكية تترصد رغبات الفرد وتوجهها نحو اقتناء مختلف العلامات التجارية، كما أنها غدت مُرشحة للاستهداف الأيديولوجي حين تستغل التنظيمات المتطرفة نقاط الهشاشة المعرفية لدى المستخدمين، وإحباطاتهم النفسية التي كشفت عنها بياناتهم، لتمرير رسائل راديكالية موجهة بدقة كفيلة باختراق حصونهم الفكرية وكسر حواجزهم النقدية.
لذا، فإن الوعي بحماية البصمة الرقمية لم يعد ترفًا، بل ضرورة ملحة لحماية الفرد والمجتمع والدولة من تداعيات هذا الانفلات المعلوماتي الذي يبدأ بموافقة بسيطة وينتهي بانتهاك شامل. فالجماعات المتطرفة تستغل هذا الوضع عبر “الاستهداف الدقيق للصيد الثمين”؛ فمن المحتمل جدًّا أنها تستفيد من تسرب هذه البيانات والقوائم التي تضم ملايين العناوين لتحديد الأفراد الأكثر استجابة لنوع معين من الخطاب. ومن خلال هذه المعلومات البسيطة المسربة، يمكنهم اختراق الخصوصية الرقمية للأفراد وبناء ملفات تعريفية تساعدهم في توجيه رسائل استقطابية مخصصة، أو ممارسة التضليل المعلوماتي، مستغلين في ذلك الثغرة التي تركتها الشركات التجارية في علاقتها مع زبائنها، ما يحول البريد العشوائي من مجرد إعلانات تجارية مزعجة إلى أدوات خطيرة للتجنيد وبث الأفكار المتطرفة.
تعدُّ تحولات الفضاء السيبراني إلى ساحة مفتوحة للصراعات الدولية والاستخباراتية، نقطةً من نقط احتمالية تسلل الجماعات المتطرفة إلى مختلف البيانات والمعطيات؛ فعندما تتصارع القوى الكبرى للسبق المعلوماتي وتطوير أدوات التجسس والاختراق، فنحن أمام احتمال تسرب هذه التقنيات والبيانات إلى “الإنترنت المظلم”، ما يتيح لتلك الجماعات الوصول إلى ثغرات أمنية ومعلومات استخباراتية لم تكن تحلم بها. هذا التنافس المحموم يخلق حالة من “الفوضى الرقمية” وغياب الرقابة الموحدة، وهو ما تستغله التنظيمات المتطرفة للاندساس في شقوق هذه الصراعات، إما عبر ممارسة “الارتزاق السيبراني” لصالح جهات معينة غير معلنة، أو من خلال استغلال البيانات المسربة في عمليات التجسس على الأهداف الحيوية وشن هجمات إلكترونية منسقة. وبذلك، يتحول السباق الاستخباراتي الدولي من وسيلة لحماية الأمن القومي إلى بيئة خصبة تمنح الجماعات الراديكالية “أسلحة رقمية” فتاكة تمكنها من زعزعة الاستقرار العالمي بأقل التكاليف.
فمن أبرز الهجومات السيبرانية الهجوم الواسع النطاق الذي وقع في إستونيا عام 2007 من نوع “حجب الخدمة”، الذي أسفر عن شلل تام في مواقعها الحكومية السيادية، ومنصاتها المصرفية، ومؤسساتها الإعلامية الكبرى، نتيجة إغراق الشبكات بكميات هائلة من البيانات في آن واحد. وقد شكّل هذا الاستهداف ضربة موجعة لبنيتها التحتية، وهي التي تميزت بوصفها واحدةً من أكثر الشبكات الرقمية تطورًا في أوروبا الشرقية بعد استقلالها عن الاتحاد السوفيتي، ورائدةً في اعتماد نظم الحكومة الإلكترونية. وفي ظل الظروف السياسية المحيطة بالحادث، وجه خبراء الأمن بحلف الناتو أصابع الاتهام مباشرة إلى روسيا، معتبرين الهجوم عملًا عدائيًّا واقتصاصًا سياسيًّا متبادلًا[10]. فمن الواضح أن محصلة هجوم 2007م على إستونيا لم يكن مجرد “عطل فني” واسع النطاق، بل كان إعلانًا عن عصر جديد؛ عصر أصبحت فيه لوحة المفاتيح والرموز البرمجية سلاحًا استراتيجيًّا قادرًا على زعزعة استقرار الدول دون إطلاق رصاصة واحدة. أصبحت إستونيا اليوم، بفضل هذا الدرس القاسي، واحدة من أكثر دول العالم أمانًا وخبرة في مجال الدفاع والأمن السيبراني، فإستونيا استطاعت ” أن تحقق مجتمعها الرقمي من خلال الاعتماد على مبدأ الشراكة ما بين حكومة تمتلك استراتيجية واضحة وذات رؤية مستقبلية، وقطاع خاص محتضن بتكنولوجيا المعلومات، ومواطنين مبدعين في التكنولوجيا. شكلت هذه الشراكة القوة في تجاوز التحديات المواجهة لها، ولاسيما أنها تجربة تبدأ من الصفر ولا تستند إلى أي تجربة سابقة، لقد بدأت الحكومة بتقديم الخدمات الرقمية بطريقة لم تكن متاحة من قبل، ومع قبولها التحدي، تمكنت أن تحسن الحياة اليومية للمواطنين بشكل مستمر”[11].
الفضاء الرقمي اليوم لم يعد مجرد ساحة لتبادل المعلومات أو تعزيز الرفاهية الاقتصادية، بل تحول إلى “المجال الخامس” من مجالات الحروب الحديثة بعد البر والبحر والجو والفضاء. ومع تسارع وتيرة الاعتماد الكلي للدول على الأنظمة المؤتمتة في إدارة البنى التحتية الحساسة، كالطاقة والمياه والاتصالات، باتت الثغرة البرمجية الواحدة تضاهي في خطورتها القنبلة الموقوتة. هذا الواقع الجديد فرض تحدّيًا أخلاقيًّا وقانونيًّا غير مسبوق، حيث تلاشت الحدود الجغرافية أمام الهجمات العابرة للقارات، ما جعل الحاجة ماسة لترسيخ مفهوم “السلام السيبراني” ضرورةً لبقاء المنظومة الدولية، وهو ما يطرح التساؤل الجوهري حول كيفية كبح جماح هذا السلاح الخفي قبل فوات الأوان.
تنامى الحاجة اليوم إلى توافق دولي يفرض ضوابط صارمة على استخدام الأسلحة السيبرانية، على غرار المعاهدات والبروتوكولات التي أُقرت تاريخيًّا للحدّ من تصنيع وانتشار الأسلحة النووية. فالإنترنت لم يعد مجرد أداة تواصل، بل شريان حيوي لـقنوات الاتصال العالمي واقتصاديات التجارة الإلكترونية، لدرجة أن أي شلل يصيبه سيمتد بتأثيرات كارثية عابرة للقارات. إن المصلحة العليا للمجتمع الدولي تقتضي اتفاقًا جامعًا يحظر استخدام هذه الأسلحة الرقمية؛ ولاسيما أن البنى التحتية والشبكات العالمية عانت على مدار العقدين الماضيين من استنزاف مستمر بفعل برمجيات التخريب، كالفيروسات وأحصنة طروادة التي أطلقها قراصنة وجماعات إجرامية، يضاف إليها اليوم تحدٍّ أكثر تعقيدًا تمثل في الإرهاب السيبراني الممنهج والمدعوم من بعض الدول[12].
هذه الدعوة من أجل فرض ضوابط دولية تعكس إدراكًا عميقًا بأن السلاح الرقمي يمتاز بخصائص تجعله، في كثير من الأحيان، أكثر فوضوية من السلاح النووي؛ فهو منخفض التكلفة، سهل الإخفاء، ولا يفرق بين هدف عسكري ومنشأة مدنية حيوية؛ لذا، فإن الاستجابة العالمية المطروحة لا يجب أن تقتصر على التدابير التقنية الدفاعية فحسب، بل يجب أن تمتد لتشمل صياغة أطر قانونية ملزمة تحت مظلة الأمم المتحدة، تحدد المسؤولية الدولية عن الهجمات المنطلقة من أراضي الدول وتجرّم استهداف البنى التحتية. إن مستقبل الاستقرار العالمي بات معلقًا بمدى قدرة القوى الكبرى على التخلي عن استراتيجيات “الردع الرقمي” العدائية، لصالح اتفاقيات تعاونية تضمن بقاء الفضاء السيبراني مشاعًا إنسانيًّا آمنًا، بدلًا من تحويله إلى ساحة حرب مفتوحة لا منتصر فيها.
الخاتمة
الإجابة عن التساؤل حول إمكانية عودة التنظيمات المتطرفة بواجهة أخرى تكمن في إدراكنا لطبيعة “الإرهاب الذكي”؛ حيث يوفر الذكاء الاصطناعي لهذه التنظيمات أدواتٍ فائقة للتخفي وإعادة تدوير خطابها في قوالب “ذكية” يصعب رصدها بالوسائل التقليدية. إن هذه العودة المفترضة لا تستهدف الجغرافيا الفيزيائية بقدر ما تسعى لفرض “سيادة افتراضية” من خلال صناعة قادة افتراضيين واستقطاب موجّه يستهدف الثغرات النفسية والقيمية للأفراد، ما يجعل “الإرهاب الرقمي” في ثوبه الجديد أكثر سيولة وقدرة على التغلغل في “الأعصاب الرقمية” للمجتمعات بلمسات برمجية غير مرئية.
أما عن الضمانات التي تكفل لنا الأمان من هذا الخداع، فإنها لم تعد محصورة في الترسانة التقنية أو المنظومات الدفاعية الصرفة، بل تكمن في بناء “حصانة رقمية” شاملة تزاوج بين الوعي التقني والذكاء التحليلي. إن الضمانة الحقيقية تتبلور في تفعيل المنهج النقدي لدى الأفراد لفك شفرات الخطاب المتطرف، وحماية السيادة الرقمية للدولة عبر استراتيجيات استباقية تصون حرمة البيانات وتجرم التعسف في استغلال المعطيات. وفي نهاية المطاف، يظل الاستثمار في الإنسان وتعزيز التعليم التقني المبكر والشراكة بين المؤسسات السيادية والقطاع التقني، مع ترسيخ ميثاق دولي لـ “السلام السيبراني”، السياجَ الحقيقي الذي يحمي العقل الجمعي من الارتهان لسيولة التطرف في عصر الذكاء الاصطناعي.
[1] لحسن ملال وسعيد ادعمي، الذكاء الاصطناعي وتهديد الأمن القومي للدول، موقع: مركز دراسات الوحدة العربية،23-أبريل،2025م،الرابط: https://caus.org.lb/%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%83%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b5%d8%b7%d9%86%d8%a7%d8%b9%d9%8a-%d9%88%d8%aa%d9%87%d8%af%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d9%85%d9%8a/
[2] انظر مثلًا كتاب: كنت في الرقة – هارب من الدولة الإسلامية، هادي يحمد، منشورات دار مؤمنون بلا حدود، لبنان/ الشارقة، 2017م.
[3] عبد المحسن القطان، الإعلام والخوارزميات… صناعة التأثير في العصر الرقمي، صحيفة سبق الإخبارية، 10، يونيو، 2026م، الرابط: https://sabq.org/opinion/vgf8m38
[4] المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI، الذكاء الاصطناعي ـ كيف تحولت الجماعات المتطرفة إلى شبكات رقمية عابرة للحدود؟، 09، يونيو, 2026 ، الرابط:https://www.europarabct.com/%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%80-%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%84%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA/
[5] يوسف بوغرارة، الأمن السيبراني، مجلة الدراسات الإفريقية وحوض النيل، المركز الديمقراطي العربي، برلين، ألمانيا، المجلد 1، العدد 3، سبتمبر 2018، ص 106.
[6] موقع وزارة المالية للمملكة العربية السعودية. الر ابط: https://www.mof.gov.sa/help/faq/Pages/FAQ_053.aspx
[7] خالد وليد محمود، الأمن السيبراني في 2025 معركة تتشابك فيها المصالح، موقع الجزيرة، 25، فبراير، 2025م، الرابط: https://www.aljazeera.net/blogs/2025/2/25/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%81%D9%8A-2025-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%AA%D8%AA%D8%B4%D8%A7%D8%A8%D9%83-%D9%81%D9%8A%D9%87%D8%A7
[8] محمد ميزان أسلم، الإرهاب عالي التقنية: استخدامُ الذكاء الاصطناعي في صناعة الإرهاب، موقع التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، 17، يونيو، 2025م. الرابط: https://www.imctc.org/ar/eLibrary/Articles/Pages/article1762025.aspx
[9] بيتر بي سيل، الكون الرقمي: الثورة العالمية في الاتصالات، ترجمة ضياء ورَّاد، مراجعة: نيڤين حلمي عبد الرؤوف، (ويندسور: مؤسسة هنداوي، 2017) ص256.
[10] نفسه، ص269.
[11] نديم منصوري، الأستونيون المجتمع الرقمي الأكثر تطورًا في العالم، موقع الفكر العربي، 2أغسطس، 2019م، الرابط: https://arabthought.org/ar/researchcenter/ofoqelectronic-article-details?id=1055&urlTitle=%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%AA%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%91%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8F%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%82%D9%85%D9%8A%D9%91-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%83%D8%AB%D8%B1-%D8%AA%D8%B7%D9%88%D9%91%D8%B1%D8%A7%D9%8B-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%8E%D9%85
[12] الكون الرقمي: الثورة العالمية في الاتصالات، مرجع سابق، ص270.