أبعاد تَوَجُّه الصين للروبوت البشري والانعكاسات المرافقة

InsightImage

أبعاد تَوَجُّه الصين للروبوت البشري والانعكاسات المرافقة

يشهد العالم توجُّهات متسارعة نحو تطوير تطبيقات الروبوت البشري، وباتت هذه التكنولوجيات المتقدمة في صميم الاستراتيجيات الوطنية والسياسات العلمية والصناعية لدولٍ عدَّة، من بينها الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، والولايات المتحدة [i]. بَيد أن الصين تحديدًا تقف اليوم في طليعة هذه التَّوَجُّهات؛ كونها ترى في الروبوت استجابةً استباقية لأزمةٍ ديموغرافية تستند إلى الواقع السكاني الراهن؛ فبعد عقودٍ من سياسة الطفل الواحد، ومع ارتفاع متوسط الأعمار بين الأيدي العاملة، إضافة إلى تراجع معدلات المواليد بشكل حاد، بدأت الصين تدخل مرحلة الشيخوخة السكانية، وبوتيرةٍ تُعَدُّ من بين الأسرع عالميًّا [ii]. وتؤكِّد تقديرات الأمم المتحدة عُمق هذا التراجع؛ إذ يُرَجَّح فقدان الصين أكثر من نصف سكانها بحلول العام 2100 [iii]. وبالتالي، يأتي سعي الصين إلى الروبوتات البشرية، بما يشمل التكنولوجيات الأخرى تحت ما يسمَّى الذكاء الاصطناعي المُجَسَّد، كمشروع وطني واسع، يهدف إلى وضع الحلول الفاعلة لمعالجة التحديات المرافقة لتناقص السكان، وضمان تأمين القوة العاملة المؤتمتة لاستمرار نمو الإنتاجية الاقتصادية وقطاعات التصنيع، إضافة إلى توفير القوة التشغيلية التي ستحتاجها الخدمات اللوجستية والرعاية الصحية وغيرها من القطاعات الحيوية [iv].

غير أن اهتمامات الصين في الروبوتات البشرية لم تَعُدْ مسألة محصورةً في حدود الدولة فحسب، إذ إنَّ ما ستطوره مرشَّحٌ لأن يتحوَّل إلى مُنتجٍ استراتيجي يعيد رسم بنية الاقتصاد العالمي؛ كون هذا النوع من الروبوتات يمكنه فكّ الارتباط بين النمو الاقتصادي والنمو الديموغرافي، وإعادة توطين الصناعات في الدول المتقدمة بعد أن كانت تذهب للدول ذات العمالة الرخيصة، بل ودعم القدرات الوطنية عسكريًّا للدول التي ستمتلك هذه التكنولوجيا [v]؛ وجميعها مسارات تتقاطع مع التنافس الجيوسياسي مع الولايات المتحدة، وتضع الدول الأخرى أمام معضلةٍ عنوانها احتمالية الركون إلى تكنولوجيا صينية يُلامس عملها أبعاد الأمن الوطني.

1. أبعاد التوجُّه

لا يعكس انكماش السكان وتناقص الأيدي العاملة في الصين أزمةً عابرة يمكن احتواؤها عن طريق تقديم حوافز للإنجاب أو رفع سنِّ التقاعد، بل تمثِّل تحوُّلات هيكلية تهدِّد نموذج التصنيع الذي يستأثر وحده بنحو رُبع الاقتصاد، والقائم تاريخيًّا على وفرة العمالة [vi]. وتأكيدًا لحجم التحدي الديمغرافي الذي تواجهه الصين، قدَّر مصرف “باركليز” أنَّ القوة العاملة الصينية ستتقلَّص بنحو 37 مليون شخص خلال العقد المقبل، وأنَّ نشر ما يقرب من 24 مليون روبوت بشري بحلول عام 2035 قد يُعوِّض نحو 60% من هذا التراجع [vii]. غير أنَّ الأثر الأشدَّ على الصين من تقلُّص القوة العاملة سيظهر مع نهاية القرن الحادي والعشرين بعد أن بلغ عدد من هُم في سن العمل ذروته في العقد الماضي وبحدود مليار عامل؛ فوفقًا للتقديرات الإحصائية، يُتوقع انكماش السكان بنحو 61.8% مع نهاية القرن [viii]. وتذهب أكاديمية شنغهاي للعلوم الاجتماعية لما هو أبعد من ذلك، حيث تُقدِّر انخفاض السكان من نحو 1.4 مليار نسمة حاليًّا إلى ما يُقارب 525 مليونًا بحلول عام 2100، ومن ثم تقلُّص أعداد من هُم في سن العمل إلى نحو 210 ملايين فقط، أي ما يعادل خُمس ذروته المسجَّلة في عام 2014 [ix].

ويؤكِّد الأهمية الاستراتيجية للروبوتات أنها تحظى بدعمٍ رسمي واسع، جعل الصين تضمُّ اليوم أكثر من نصف الروبوتات الصناعية في العالم، بل استأثرت وحدها بنحو 54% من روبوتات العالم الصناعية التي تم تركيبها في عام 2024، مع كثافةٍ في أعداد الروبوتات ضمن مصانعها تبلغ نحو 166 روبوتًا لكل عشرة آلاف عامل، وبزيادةٍ سنوية قدرها 17% [x]. هذه الأرقام توضِح حجم نطاق تبنِّي الصين للروبوتات؛ كامتدادٍ منطقي لاستدامة النمو في بنيتها التصنيعية. ولكن مسار الروبوتات البشرية في الصين يتميز عن غيره في الاقتصاديات الأخرى القائمة على التصنيع المتقدِّم في كونه لا يُترك ليُحَدَّد من قبل قوى السوق وحدها، بل يتم إخضاعه إلى توجيهات حكومية صريحة، تمثَّلت إحدى أهم صورها في تصنيف الخطة الخمسية الخامسة عشرة (2026-2030) للروبوتات ضمن الصناعات الناشئة الاستراتيجية ذات الأولوية للتطوير، إلى جانب المعادن الأرضية النادرة، بوصفهما ركيزتَين للقوى الإنتاجية عالية الجودة والاكتفاء الذاتي التكنولوجي. كما أدرجت الخطة الذكاءَ الاصطناعي المُجَسَّد ضمن صناعات المستقبل الواجب رعايتها [xi]. وأصدرت وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات، في يونيو 2026، وبالتعاون مع لجنة الإشراف والإدارة على الأصول المملوكة للدولة، تعليمات صريحة إلى الحكومات المحلية والشركات المملوكة للدولة من أجل البدء بخططها التدريبية لدمج الروبوتات ضمن أعمالها، مع هدف محدَّد يقضي بنشر 10 آلاف روبوت مدعوم بالذكاء الاصطناعي بحلول نهاية هذا العام. ويأتي ذلك ضمن أكثر من 100 سيناريو تطبيقي عالي القيمة في مجالات الصناعة والخدمات العامة والتطبيقات الأخرى المتخصصة، وإلزام السلطات الإقليمية باختيار عشرين سيناريو تطبيقيًّا على الأقل، وإلزام الشركات المركزية المملوكة للدولة بعشرة سيناريوهات، كُلٍّ في مجالها [xii].

وتمتد طموحات الصين لما هو أبعد من ذلك؛ حيث تم تحديد عام 2027 كموعدٍ لنضوج الروبوت البشري وامتلاك الصين حينها لسلاسل توريدٍ عالمية آمنة وموثوقة في صناعاته [xiii]. ولا تُخفي الصين سياستها الرسمية الطموح في ريادة العالم في هذه التكنولوجيا، وتكرار نجاح النموذج الذي منحها من قبل ريادةً في غيرها؛ وذلك من خلال هيمنة الروبوت المحلي أولًا على السوق الداخلي، وتحقيق التكامل الرأسي من الشركات الصينية في مكوناته المادية وبرمجياته، واستمرار الدعم الحكومي الكبير للمشروعات؛ من أجل خفض الأسعار وضمان الانتشار في الأسواق العالمية. وتؤكِّد المُعطيات من الداخل الصيني حجم الالتزام الرسمي لتحقيق هذه الأهداف؛ إذ تجاوزت حزم الدعم الحكومي لصناعات الروبوتات 20 مليار دولار منذ عام 2024، فيما يتنافس اليوم أكثر من 150 شركة صينية على تطوير حلول الروبوتات المتقدمة، وبلغ عدد صفقات الاستثمار في هذه التكنولوجيا نحو 73 مليار يوان (نحو 10.76 مليارات دولار) مع نهاية العام 2025 وحده[xiv]. وتشير تقديرات المؤسسات الدولية فعلًا إلى زخم النمو لقطاع الروبوتات البشرية في الصين؛ إذ توقَّعت “مورجان ستانلي” بأن تكون الروبوتات المحرك الرئيس التالي لآلات التصدير الصينية خلال الأعوام الخمسة إلى العشرة المقبلة، مع بلوغ قيمة سوق الروبوتات البشرية في الصين نحو مليارَي دولار أمريكي نهاية العام الجاري، لترتفع بعد ذلك إلى 15مليار دولار، وشحناتٍ تُقارب 464 ألف وحدة من الروبوتات سنويًّا بحلول عام 2030 [xv].

وبرغم طموحات التوسُّع في انتشار الروبوتات البشرية ضمن مختلف القطاعات الحيوية، فإن الواقع يشير إلى أن حجم المبيعات في الداخل الصيني لهذا النوع تحديدًا من الروبوتات لم يتجاوز 12 ألف وحدة فقط خلال العام الماضي، خُصِّص معظمها لأغراض البحث العلمي والتعليم والاختبارات، وليس للتطبيقات الصناعية أو التجارية الفعلية. ويكمن السبب الرئيسي في كون الروبوت البشري لايزال بعيدًا عن إتقان المهام شديدة التعقيد؛ فقدراته الحالية تؤهله للقيام بالمهام الوسيطة التي تفوُق التكرار الآلي البسيط، لكن دون بلوغ مهارات التكيُّف مع المهام “غير المهيكلة أو العشوائية”. وتدعم التحليلات المتخصصة ما تقدَّم؛ حيث إن معظم الروبوتات البشرية التي تم تطويرها حتى اليوم تفتقر إلى البراعة الحركية والذكاء اللازمَين لأداء المهام خارج البيئات المُهيكلة [xvi].

ومع عدم إنكار حجم جهود الصين في مجال الروبوت البشري، لكن تطوير ونشر حلوله يمكن أن يدفع الكثيرين إلى فقدان وظائفهم قبل أن يُصبح نقص العمالة أصلًا أزمةً فعلية محسوسة، ولاسيَّما أن الدولة تعاني اليوم ارتفاعًا في بطالة الشباب واتساعٍ في اقتصاد الأعمال المؤتمتة [xvii]. ويبقى السؤال المطروح متمثّلًا في الكيفية التي ستدير بها بكين عملية الانتقال إلى الروبوتات البشرية على هذا النطاق الواسع، ومن دون أن يتحوَّل إلى صدمة اجتماعية كبيرة. وهذا السؤال هو ما دفع الباحثين في الصين إلى اقتراح حلولٍ محتملة، من قبيل فرض ضرائب جديدة خاصة على الروبوتات البشرية، وإعادة تأهيل القوى العاملة البشرية من المهام البدنية والخطرة إلى قطاعات الابتكار والتخطيط وإدارة الذكاء الاصطناعي المُجَسَّد ذاته، وإصلاح منظومة الضمان الاجتماعي تحسُّبًا لتركُّز الثروات في أيدي الشركات المالكة لهذه الروبوتات [xviii].

2. الانعكاسات المرافقة

لا تقتصر التداعيات المحتملة من توجُّهات الصين مع الروبوتات البشرية على حدود الدولة فحسب، بل تطال البنية التنافسية للاقتصاد العالمي برُمَّته؛ فهناك ارتباط صريح بين جهود الشركات الصينية في تطوير هذه الروبوتات وطموحات بكين في الاستئثار بأسواقها الدولية. وبات الروبوت البشري مرشَّحًا بقوة لأن يصبح أحد أهم التكنولوجيات التي تُصدِّرها الصين إلى العالم في الأعوام القليلة المُقبلة، على غرار ما هو قائم حاليًّا في البطاريات والمركبات الكهربائية، وتكنولوجيات الطاقة النظيفة، ومعدات الاتصالات من الجيل الخامس. ويدعم هذا الارتباط دراسات متخصصة تشير إلى أن الصين تمتلك صناعات محلية شبه مكتملة في الروبوتات البشرية، وتحتكر النسبة الأكبر من سلاسل توريدها بحصةٍ تقترب من 63% عالميًّا، مع تقديم الشركات الصينية، مثل (Unitree) و(Ubtech) و(AgiBot)، للروبوتات التي تطورها بأسعارٍ تقلِّ كثيرًا عن نظيراتها الأمريكية، مثل (Tesla) أو (Figure AI) [xix]. وهذا التفوُّق في السعر، المقترِن بنضج التصنيع، سوف يمنح بكين قدرة اختراق الأسواق بمنتجاتٍ يصعب على المنافسين مجاراتها.

ويضع التفوُّق الصيني الاقتصادات الغربية أمام تَحَدٍّ مزدوج؛ فمن جهةٍ ستواجِه صناعاتها خطر الإزاحة من الصناعة الصينية ضمن قطاعٍ يُتوقَّع أن يبلغ حجمه العالمي مئات المليارات من الدولارات بحلول عام 2035 وفق تقديرات مؤسسة “رولاند بيرغر” الألمانية للاستشارات الاستراتيجية [xx]، ومن جهةٍ أخرى تجد الحكومات نفسها أمام معضلةٍ تتمثَّل في التوجُّه إلى الروبوتات الصينية لأتمتة الاقتصاد وتعويض نقص العمالة، مع بقاء مخاوف على الأمن السيبراني وسيادة البيانات، كما كانت الحال مع تكنولوجيات شركة هواوي للاتصالات من الجيل الخامس[xxi]. وليس بعيدًا عن هذا السياق ظهور تحرُّكاتٍ تشريعية، في الولايات المتحدة تحديدًا ، للحدِّ من التداعيات السلبية المحتملة للروبوتات البشرية الصينية؛ فعلى سبيل المثال، قدَّمت اللجنة المعنية بالصين في مجلس النواب الأمريكي، بداية يونيو 2026، مشروع قانونٍ يُعْرَف باسم “قانون حماية الولايات المتحدة من الروبوتات المعادية – GUARD Guarding the U.S. Against Adversarial Robotics Dominance Act”، ويقترح إلزامية فحص الروبوتات المصنَّعة في الصين، والدول الأخرى “المثيرة للقلق”، وحظر استيراد ما يمكن أن يُصَنَّف منها كتهديدٍ للأمن القومي الأمريكي[xxii]. وهذا التحرُّك امتدادٌ طبيعي لمسار التنافس الجيوتكنولوجي الذي بات يحكم اليوم العلاقة بين واشنطن وبكين في مجال الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، بما فيها الذكاء المُجَسَّد، ما يشير إلى أن الروبوتات البشرية ستصبح بُعْدًا عالميًّا آخر في التفاعلات الاقتصادية بين الدولتين.

ويمثِّل البُعْد العسكري واحدًا من أعمق الانعكاسات المرافقة لتوجُّهات الصين وأكثرها حساسيةً على صعيد الأمن الدولي؛ إذ إن الربط الصريح للروبوتات البشرية والذكاء الاصطناعي المُجَسَّد مع أولويات الخطة الخمسية الخامسة عشرة يفتح الباب أمام تصوُّرٍ يتضمن تسخير الصين للروبوت البشري ضمن القطاع العسكري؛ باعتبار أن التقنية ذاتها -التي تُطوّر أصلًا للغايات الصناعية- هي بطبيعتها مزدوجة الاستخدام، فمنظومات الإدراك والحركة والاستدلال التي تتيح للروبوت البشري أداء مهمة صناعية تؤهُّله أيضًا للقيام بمهمة عسكرية، بل تؤكِّد الدراسات المتخصصة نظرة بكين إلى الذكاء المُجَسَّد بوصفه رافعةً لقدراتها العسكرية لا مجرد أداة اقتصادية؛ حيث أوردت مؤسسة “كارنيجي للسلام الدولي” أن صحيفة “جيش التحرير الشعبي” الرسمية ترى أن هذه التكنولوجيا قد تجاوزت الحدود الفسيولوجية للإنسان، ما يمكّنها من إعادة رسم حدود الحرب غير المأهولة، وإنتاج منظومة قتالية أكثر مرونة وكفاءة، عبر أنظمةٍ تدمج مستشعراتٍ متعددة الوسائط مع نماذج ذكاء ضخمة تراقب بيئتها وتتخذ قراراتها وتتحرك ميدانيًّا، باستقلالية تفوق الأنظمة غير المأهولة الحالية[xxiii].

وتتقاطع القراءة السابقة مع ما رصده “معهد ميركاتور للدراسات الصينية” من أن أكاديمية العلوم العسكرية، أعلى مؤسسة بحثية في الجيش الصيني، ترى أن الروبوت البشري -وبحكم قربه من بنية الإنسان- سيكون أقدر من سائر الأنظمة غير المأهولة على محاكاة أنشطة الجندي وأداء مهامه وأدواره الميدانية المعقدة، التي تشمل نقل الإمداد وصيانة العتاد، إلى جانب العمليات القتالية، وضمن أسرابٍ كبيرة العدد. وكل ذلك من شأنه أن يُحدث قفزات نوعية في القدرات الهجومية، هذا برغم اعتراف الأكاديمية نفسها بتحدياتٍ تتصل بموثوقية الروبوت البشري وقابلية السيطرة عليه في أثناء الأعمال القتالية، إضافة إلى مخاطر اختراقه وإمكانية تحكُّم الخصم فيه[xxiv].

وثمة فئة أخرى من الانعكاسات تتصل بالتهديدات الأمنية؛ فالروبوت البشري يُعَدُّ منصة حاسوبية متقدمة، مزوَّدة بمستشعرات بصرية وسمعية وحركية، تجمع كمًّا هائلًا من البيانات عن البيئة ومشغِّليها بصورة مستمرة. ومن ثمّ، فإن نشرها المحتمل مستقبلًا في المرافق والمنشآت الحيوية يمكن أن يُمهِّد لمخاطر تتمثَّل في جمع البيانات والتجسُّس الصناعي والاختراق السيبراني[xxv]. وهذا المستوى من التهديدات هو أحد الدوافع الصريحة للتحرُّك التشريعي في مجلس النواب الأمريكي، التي دفعته إلى اقتراح قانون يجعل من حوكمة سلاسل توريد الروبوتات، خاصة الصينية منها، مسألة أمنٍ وطني.

الخاتمة

من بين أهم ما يمكن استنتاجه من توجُّهات الصين نحو الروبوتات البشرية، أنه على الرغم من كونها تمتلك اليوم ثاني أكبر اقتصاد في العالم، فإنها تُعوِّل على التقدُّم في هذه التكنولوجيا لتجاوز التحديات الديموغرافية التي ستحُدُّ من نموّها الاقتصادي في العقود المقبلة؛ من جرَّاء انخفاض أعداد المواليد وارتفاع مستويات شيخوخة القوى العاملة، إضافةً إلى طموحاتٍ مُعلنة نحو تحقيق ريادة عالمية في تكنولوجيا سترتكز عليها صناعات وخدمات المستقبل. ويُظهِر المسار الذي اتخذته الصين أنها لا تتعامل مع الروبوتات بوصفها تقنية فحسب، بل بوصفها أداة لإعادة هندسة التصنيع ومتطلبات الإنتاج. وعلى هذا الأساس، تُصبح مناقشة الحالة الصينية قراءةً في كيفية انتقال دولةٍ كبرى من نموذجٍ يقوم على وفرة العمالة البشرية إلى نموذجٍ جديد يتجه إلى وفرة الحلول المؤتمتة للروبوت البشري، بما يحمله ذلك من انعكاسات على البنية التنافسية للاقتصاد الدولي.

وسيفرِض نجاح الصين في نشر الروبوتات البشرية عالميًّا، وبأسعار تنافسية، واقعًا جديدًا على الدول الصناعية المتقدمة، التي ستجد نفسها مضطرة إلى تحديد موقعها بين الاعتماد على الروبوت الصيني لتعويض نقص العمالة ورفع الإنتاجية، أو محاولة بناء بديل وطني لها؛ ما يجعل من مناقشة ملف الصين في مجال الروبوتات البشرية مهمًّا للتعرُّف على ملامح التنافس مستقبلًا مع الولايات المتحدة في هذه التكنولوجيا، وشكل استجابة الدول الأخرى لهذا التنافس.

ومع ذلك، تبقى توجُّهات الصين محفوفةً بحالةٍ من عدم اليقين؛ إذ لاتزال هناك فجوة تقنية تفصِل قدرات الروبوتات الحالية عن متطلبات التشغيل الواقعية في البيئات غير المهيكلة، وكذلك فجوة اجتماعية تتعلق بكيفية تحقيق مكاسب الإنتاج من الروبوت شرط عدم حدوث موجات بطالةٍ كبيرة. ويبقى الحُكم على الآثار الإيجابية للروبوتات البشرية مرهونًا بتحقيق بكين لمستهدفاتها من هذه التكنولوجيات الذكية، كما حددتها في الخطة الخمسية الخامسة عشرة (2026-2030).


قائمة المصادر والمراجع

[i] Gi-Hyeok, K. (2026, June 30). Physical AI Becomes National Strategy as Korea, Japan Chase China. Seoul Economic Daily. https://en.sedaily.com/technology/2026/06/30/physical-ai-becomes-national-strategy-as-korea-japan-chase.

[ii] Leahy, J., Hu, T., Langley, W., & Chen, S. (2026, June 25). Robot nation: China’s bid to beat its demographic decline. Financial Times. https://www.ft.com/content/c8731833-10ca-4a12-bfe4-8ebb2584ec68.

[iii] United Nations. (2024). Global Issues: Population. https://www.un.org/en/global-issues/population.

[iv] Wendy, C., Rebecca, A., & Altynay, J. (2026, April 30). Embodied AI: China’s ambitious path to transform its robotics industry. Mercator Institute for China Studies (Merics). https://merics.org/en/report/embodied-ai-chinas-ambitious-path-transform-its-robotics-industry.

[v] Themos, F., Christian, K., & Zornitsa, T. (2026, May 19). Robots roll out, economies rewire. Barclays Investment Bank. https://www.ib.barclays/our-insights/robots-roll-out-economies-rewire.html.

[vi] National Bureau of Statistics of China. (2025, February 28). Statistical Communiqué of the People’s Republic of China on the 2024 National Economic and Social Development. https://www.stats.gov.cn/english/PressRelease/202502/t20250228_1958822.html

.[vii] IBID (Themos, F., Christian, K., & Zornitsa, T., 2026).

[viii] Zhai, F. (2024, September). Macroeconomic Implications of China’s Population Aging. ASEAN+3 Macroeconomic Research Office (AMRO). https://amro-asia.org/wp-content/uploads/2024/08/AMRO-WP_Macroeconomic-Implications-of-Population-Aging-in-China_Sept-2024.pdf.

[ix] Peng, X. (2024, January 20). China’s falling population could halve by 2100. Asia Times. https://asiatimes.com/2024/01/chinas-falling-population-could-halve-by-2100/.

[x] International Federation of Robotics (IFR). (2025). World Robotics 2025: Industrial Robots. https://ifr.org/img/worldrobotics/Executive_Summary_WR_2025_Industrial_Robots.pdf.

[xi] The Government of China. (2026, March 5). China to nurture emerging, future industries. https://english.www.gov.cn/2026special/2026npcandcpcc/202603/05/content_WS69a8eea9c6d00ca5f9a09891.html.

[xii] Ministry of Industry and Information Technology & State-owned Assets Supervision and Administration Commission. (2026, June 8). Notice on Jointly Carrying out the 2026 Humanoid Robot and Embodied Intelligence Real-Scene Training Special Action. https://www.miit.gov.cn/zwgk/zcwj/wjfb/tz/art/2026/art_f291ccd3da4c47ce95741de63cc088e6.html.

[xiii] Xinhua News Agency. (2023, November 7). MIIT strives to initially establish a humanoid robot innovation system by 2025 (Guiding Opinions on the Innovative Development of Humanoid Robots). http://www.news.cn/tech/20231107/010aa7584af54770a6a8f088638f81f0/c.html.

[xiv] CNBC. (2026, June 24). Morgan Stanley raises China humanoid robot shipment forecast. https://www.cnbc.com/2026/06/24/morgan-stanley-china-humanoid-robot-market-forecast.html.

[xv] Shanghai Stock Exchange. (2026, June 29). Morgan Stanley doubles China humanoid robot shipment forecast again. Global Times. https://english.sse.com.cn/news/newsrelease/voice/c/c_20260629_10823786.shtml.

[xvi] Mak, R. (2026, June 29). China’s robot quest triggers system overload. Reuters. https://www.reuters.com/commentary/breakingviews/chinas-robot-quest-triggers-system-overload-2026-06-29/.

[xvii] Lu, M. (2025, November 20). China’s AI Planners Are Fearful of Job Losses. Foreign Policy. https://foreignpolicy.com/2025/11/20/china-ai-race-jobs-youth-unemployment/.

[xviii] Meiling, C. (2025, March 16). Experts warn of social security challenges in age of automation. ChinaDaily. https://global.chinadaily.com.cn/a/202503/16/WS67d6e831a310c240449db0a5.html.

[xix] Adam, J., William J, T., Sheng, Z., Daniela M, H., & Elizabeth J, T. (2025, February 6). The Humanoid 100: Mapping the Humanoid Robot Value Chain. Morgan Stanley. https://advisor.morganstanley.com/john.howard/documents/field/j/jo/john-howard/The_Humanoid_100_-_Mapping_the_Humanoid_Robot_Value_Chain.pdf.

[xx]Kirschstein, T, et al. (2026). Humanoid Robots 2026: The convergence moment for a new market. Roland Berger. https://content.rolandberger.com/hubfs/07_presse/Roland_Berger_Humanoid_Robots_2026.pdf.

[xxi] Pant, H. V. (2019, May 7). Emerging technologies and geopolitical contestation. Observer Research Foundation (ORF). https://www.orfonline.org/expert-speak/emerging-technologies-and-geopolitical-contestation-50562.

[xxii] U.S. House of Representatives. (2026, June 3). Moolenaar, Obernolte, McClellan Introduce Legislation to Ban Dangerous Chinese Robots. Select Committee on the CCP. https://chinaselectcommittee.house.gov/media/press-releases/moolenaar-obernolte-mcclellan-introduce-legislation-to-ban-dangerous-chinese-robots.

[xxiii] Zvenyhorodskyi, P., & Singer, S. (2025, November 24). Embodied AI: China’s big bet on smart robots. Carnegie Endowment for International Peace. https://carnegieendowment.org/research/2025/11/embodied-ai-china-smart-robots.

[xxiv] Mercator Institute for China Studies (MERICS). (2026, April 22). Embodied AI: China’s ambitious path to transform its robotics industry. https://merics.org/sites/default/files/2026-04/MER-RZ-Report-Embodied-AI-260422-Web.pdf.

[xxv] Mayoral-Vilches, V. (2025, September 17). The Cybersecurity of a Humanoid Robot: An Early Study on the Cybersecurity of Humanoid Robots via the Unitree G1. Arxiv. https://arxiv.org/html/2509.14096v1.