لم يَعُد تغيُّر المناخ في أفريقيا موضوعًا بيئيًّا منفصلًا عن الأمن أو الاقتصاد أو الحوكمة. ففي عام 2025، كانت درجة حرارة اليابسة في القارة بين الثالثة والسابعة الأعلى المسجلة في العالم، وفق اختلاف مجموعات البيانات، وشكّلت الفيضانات أكثر من نصف الظواهر الجوية المتطرفة المبلّغ عنها. كما أصاب الجفاف أكثر من 8.5 ملايين شخص في شرق أفريقيا، بينما تجاوز ارتفاع مستوى البحر على بعض السواحل الأفريقية المتوسط العالمي منذ عام 1999. ولا تعني هذه المؤشرات أن المناخ يسبّب النزاعات بصورة آلية، لكنها توضح أنه يضاعف الضغوط على الغذاء والمياه والبنية التحتية والمالية العامة، خصوصًا حين يتفاعل مع الفقر، وضَعف المؤسّسات، والنزوح والصراعات القائمة[1].
وأمام هذا التداخل، ازداد استخدام مفردات “الخطر” و”التهديد” و”المرونة” و”الاستقرار” في تقارير الأمم المتحدة والمؤسسات التمويلية والاتحاد الأفريقي، ونشأت برامج تربط المناخ بالسلام والأمن، وتوسّعت نظم الإنذار المبكر، وأصبحت المخاطر المناخية جزءًا من التخطيط الإنساني والتنموي وعمليات بناء السلام. ويمكن وصف هذا التحول بـ”أمننة” تغيّر المناخ؛ أي نقله من مجال السياسة البيئية الاعتيادية إلى مرتبة تهديد ذي أولوية يستدعي تعبئة استثنائية للانتباه والموارد[2].
لكن الأمننة ليست عملية خطابية خالصة، ولا تقوم بها الحكومات وحدها. فأمانات (سكرتاريات) المنظمات الدولية والوكالات الأممية وبنوك التنمية وصناديق المناخ تنتج البيانات والتصنيفات، وتضع شروط الوصول إلى التمويل، وتحدّد المؤشرات التي تُقاس بها النتائج، وتوفر الخبرة التي تعتمد عليها الحكومات. ولذلك، تطرح الورقة سؤالًا محدَّدًا: كيف تُحوّل البيروقراطيات الدولية التأطير الأمني لتغير المناخ إلى أولويات وبرامج وتمويل في أفريقيا؟ ومتى يخدم هذا التحول التنمية، ومتى يزاحمها؟.
وتتمثّل الحجّة الرئيسة في أن أثر الأمننة يتوقف على ثلاث حلقات مترابطة، وهي: إنتاج المعرفة وتحديد الخطر؛ وتحويله إلى قواعد وأجندات؛ ثم توجيه الموارد والتنفيذ. وكلّما ضعفت الملكية الأفريقية لبرامج مكافحة تغير المناخ والمشاركة المحلية، زاد احتمال هيمنة الاستجابة القصيرة الأجل؛ وكلّما اندمج الأمن المناخي في التخطيط التنموي اللامركزي، ارتفعت فرص بناء مرونة مستدامة.
من الخطاب الأمني إلى السلطة المؤسسية
قدّمت مدرسة كوبنهاغن للدراسات الأمنية الدولية “الأمننة Securitization” بوصفها عملية يعلن فيها فاعل مؤثر أن قضيةً ما تُمثّل تهديدًا وجوديًّا لكيان معين، ويطلب قبول إجراءات تتجاوز الإجراءات السياسية المعتادة[3]. ويفيد هذا المدخل في تفسير صعود المناخ على الأجندة الدولية، لكنه لا يكفي وحده لفهم ما يحدث بعد الخطاب. فقبول الجمهور ليس حدثًا واحدًا، كما أن “الإجراءات الاستثنائية” لا تأخذ دائمًا شكلًا عسكريًّا؛ فقد تتمثّل في استحداث وحدة جديدة، أو تغيير معايير تمويل المشروعات، أو دمج تحليل المخاطر المناخية في بعثات السلام وخطط الاستقرار.
وهنا، تظهر أهمية البيروقراطيات الدولية. والمقصود بها في هذه الورقة الأجهزة المهنية الدائمة داخل المنظمات الدولية والأمانات المنشأة بموجب الاتفاقيات، إضافةً إلى الوحدات الفنية في بنوك التنمية والصناديق المتعدّدة الأطراف. وهي ليست مرادفًا للمنظمة الدولية بأكملها؛ فالدول الأعضاء تتخذ القرارات السياسية الرسمية، بينما تجمع الأجهزة البيروقراطية المعلومات وتصوغ البدائل وتراقب التنفيذ، وتراكم خبرة يصعب على الدول منفردة امتلاكها. وقد أوضح مايكل بارنيت ومارثا فينمور أن سلطة المنظمات الدولية لا تُستمَدّ فقط من التفويض القانوني، بل أيضًا من قدرتها على التصنيف وتحديد المعنى وإنتاج معرفة تبدو فنية ومحايدة[4].
وتعمل سلطة المنظمات الدولية في المجال المناخي عبر ثلاث آليات؛ الأولى، معرفية: تحويل الوقائع المتفرقة إلى مؤشرات وخرائط مخاطر وسيناريوهات؛ والثانية، معيارية: إدخال الروابط بين المناخ والأمن في القرارات والاستراتيجيات وأدلة العمل؛ والثالثة، توزيعية: ربط التمويل والمساعدة الفنية بمشروعات وأنشطة ومؤشرات بعينها. وبذلك، لا تُقاس الأمننة بعدد مرات ورود كلمة “الأمن” فقط، بل بما إذا كانت التصنيفات الجديدة قد غيّرت الجهة صاحبة القرار، أو نوع المشروع الممول، أو الأفق الزمني للتدخل، أو حصة الموارد التي تصل إلى المستوى المحلّي.
وتتفاوت قدرة هذه الأجهزة على التأثير. فأمانة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيُّر المناخ لا تملك فرض سياسات وطنية، لكنها تنظم المعلومات والتفاوض والمراجعة، وتحدّد القوالب التي تُقدِّم الدول من خلالها خططها. ويملك البنك الدولي وبنوك التنمية نفوذًا مختلفًا بحكم الإقراض والمساعدة الفنية وشروط إعداد المشروعات. أما الوكالات التشغيلية، مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فتؤثر من خلال الشراكات وبناء القدرات وتصميم البرامج داخل الدول. ومن ثم، فإن جمع هذه الجهات تحت تسمية واحدة يجب ألا يحجب اختلاف أدواتها ومساءلتها وعلاقتها بالدول الأعضاء.
كما أن الدول الأفريقية ليست جمهورًا سلبيًّا يتلقّى خطاب الأمننة. فهي تفاوض على القرارات، وتُقدّم مساهماتها المحددة وطنيًّا وخطط التكيف، وتستفيد من التنافس بين المؤسسات، وتُعيد صياغة المفاهيم بما يلائم أولوياتها. وقد تستخدم الحكومات نفسها لغة الأمن لجذب التمويل أو رفع أولوية قطاع معين داخليًّا. لذلك، تقوم العلاقة على تفاوض غير متكافئ، لا على إملاء أحادي؛ إذ تمتلك الجهات الدولية المعرفة والمال وقواعد الاعتماد، بينما تمتلك الحكومات الشرعية القانونية والقدرة على التنفيذ، وتملك المجتمعات معرفة محلية لا يمكن تعويضها بالخرائط والنماذج العامة.
ثلاث آليات تُعيد ترتيب الأولويات الأفريقية
أولًا- تُنتج البيروقراطيات الدولية صورة قابلة للإدارة عن الخطر. وتجمع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية البيانات من الدول وتحوّلها إلى تقييم قارّي، بينما يُصدِر برنامج الأمم المتحدة للبيئة تقديرات دورية لفجوة التكيف. وفي تقرير فجوة التكيف لعام 2025، قدّر البرنامج احتياجات تمويل التكيف في البلدان النامية عام 2035 بما بين 310 و365 مليار دولار سنويًّا، مقابل 26 مليار دولار فقط من التدفقات العامة الدولية في عام 2023؛ أي إن الاحتياجات تعادل ما بين 12 و14 ضعف التدفقات الحالية[5]. وتؤدي هذه الأرقام وظيفة ضرورية في كشف حجم العجز، لكنها تمنح الجهات التي تختار المؤشرات والمنهجيات تأثيرًا في تعريف ما يُعدّ خطرًا، وأولوية، ونتيجة قابلة للتمويل.
ثانيًا- يتحول التأطير إلى أجندة مؤسسية. فقد أُنشئت آلية الأمم المتحدة للأمن المناخي عام 2018 بمشاركة إدارة الشؤون السياسية وبناء السلام وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة؛ بهدف تعزيز قدرة المنظمة على تحليل الروابط بين تغير المناخ والسلام والأمن والاستجابة لها بصورة منهجية[6]. وتوسع هذا المسار في أفريقيا عبر مستشارين وبرامج وشراكات مع الاتحاد الأفريقي والمنظمات ما دون الإقليمية. وتتمثّل أهميته في نقل المناخ من هامش العمل البيئي إلى صميم الوقاية وبناء السلام. لكن الخطر يظهر عندما تُستخدَم صفة “أمنية” لتقديم حلول عامة لا تميز بين أسباب العنف، أو تجعل ندرة الموارد تفسيرًا بديلًا عن ضعف الحوكمة والإقصاء السياسي واقتصاد الحرب.
ثالثًا- تتحول الأولوية إلى قواعد لتوزيع المال والخبرة. فالجهات الدولية لا تحدِّد فقط مقدار التمويل، بل تقرّر ما إذا كان سيقدَّم في صورة منح أو قروض، ومن يحق له إدارة الأموال، وما المؤشرات المطلوبة، وهل تُقاس النتيجة بسرعة الاستجابة أم بتغير طويل الأجل في قدرة المجتمعات. وهنا، تقع المفاضلة الأساسية: التمويل الموجّه إلى الإنذار المبكر والمساعدات العاجلة قد ينقذ أرواحًا ويمنع اتساع الأزمة، لكنه لا يعوّض الاستثمار المستمر في المياه والزراعة والصحة والحكم المحلّي. كذلك، قد تزيد القروض من أعباء دول محدودة الحيز المالي، حتى حين تكون المشروعات مصنَّفة باعتبارها دعمًا للمرونة المناخية.
وتَظهر قوة التصنيف أيضًا في مفهوم “قابلية التمويل”. فقد تكون احتياجات قرية معرّضة للجفاف واضحة لسكانها، لكنها لا تتحول إلى مشروع دولي ما لم تُترجَم إلى دراسة جدوى، ومؤشرات أداء، وضمانات مالية وبيئية، ونظام للمشتريات والمتابعة. هذه المتطلبات تحمي المال العام وتحدّ من الفساد، لكنها تمنح أفضلية للحكومات والمؤسّسات الأقدر إداريًّا، لا للأشد تعرّضًا للمشكلات البيئية بالضرورة. وهكذا قد تتسع فجوة داخل القارة بين دول قادرة على إعداد محافظ مشروعات، وأخرى هشّة تتراكم لديها المخاطر من دون قدرة مماثلة على الوصول إلى الصناديق.
ومن المهم كذلك التمييز بين تمويل المناخ وتمويل الأمن. فإذا أدرج مشروع للشرطة أو مراقبة الحدود تحت عنوان الحد من الهجرة المناخية، فقد ترتفع الموارد المخصّصة للضبط من دون أن تتحسّن قدرة الأسر على الصمود. وفي المقابل، يمكن لاستثمار في بيانات الطقس أو إدارة المياه أو التأمين الزراعي أن يحقق أثرًا أمنيًّا وقائيًّا من دون أن يحمل تسمية أمنية. لذلك، يجب تتبّع الغرض الفعلي للإنفاق ونتيجته، لا الاكتفاء بالعنوان الذي يوضع عليه.
الساحل وحوض بحيرة تشاد بين الوقاية والاستقرار
يوضّح الساحل وحوض بحيرة تشاد كيف يمكن للأمننة أن تُنتِج مكاسب ومخاطر في آنٍ واحد. فالمنطقة تواجه تداخلًا بين الجفاف والفيضانات وتدهور الأراضي، والتنافس على الماء والمراعي، والنزوح، وضعف الخدمات، وانتشار الجماعات المسلحة. لكن المناخ لا “يصنع” الصراع منفردًا؛ بل يغير الحوافز والفرص داخل بيئة سياسية واجتماعية قائمة. وتجاهل هذه الوسائط قد يحول التحليل المناخي إلى حتمية بيئية تُعفي المؤسسات والسياسات من المسؤولية.
وفي أكتوبر 2025، أصدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بالشراكة مع لجنة حوض بحيرة تشاد وسلطة ليبتاكو-غورما؛ وهي هيئة إقليمية تنموية وأمنية تضم دول مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وتغطي المنطقة الحدودية المشتركة بينهم، ومفوضية الاتحاد الأفريقي وجهات أخرى، تقريرًا عن المناخ والسلام والأمن في سياقات الاستقرار في الساحل، استند إلى مناقشات شارك فيها أكثر من 250 من أصحاب المصلحة. وأكد التقرير أن مقاربة المناخ والسلام والأمن يمكن أن تكمل جهود الاستقرار عندما تربط المخاطر المناخية بالنزوح وسبل العيش والتماسك الاجتماعي، وتبني حلولًا متكاملة بدلًا من فصل الأمن عن التنمية[7]. كما استهدفت برامج إقليمية أخرى توحيد بيانات الكوارث، وإدماج المخاطر في الأطر التنظيمية والموازنات، ودعم التعافي القادر على الصمود[8].
وهنا، تظهر فائدة التأطير الأمني (الأمننة) في ثلاث نقاط: رفع كلفة تجاهل المخاطر المناخية أمام صانع القرار؛ إدماج المعلومات المناخية في الإنذار المبكر ومنع النزاعات؛ وجمع مؤسّسات البيئة والتنمية والسلام حول إطار مشترك. ومع ذلك، تظل الفائدة مشروطة بعدم تحويل الرعاة والمزارعين والنازحين إلى “مصادر تهديد”، وبعدم اختزال السياسة في حماية الحدود أو تثبيت الاستقرار السياسي. فالاستجابة الأكثر استدامة هي التي توسّع الوصول العادل إلى الماء والأرض والخدمات، وتعزز آليات التسوية المحلية، وتوافر بدائل لسبل العيش، وتربط الإنذار المبكر بقدرة حقيقية على العمل.
ويتطلب هذا التوازن تحليلًا مكانيًّا أدقّ. فالنزاع بين الرعاة والمزارعين لا يُفسَّر بمجرد انخفاض المطر؛ إذ تؤثر فيه مسارات التنقل، وملكية الأرض، وحدود الإدارة المحلية، وأسعار الماشية والحبوب، وانتشار السلاح، وقدرة المحاكم والوساطات التقليدية. وقد تؤدي سياسات التكيّف نفسها إلى نزاع إذا أُنشئ سدّ أو حزام زراعي أو منطقة محمية من دون تشاور أو تعويض. ومن ثم، يجب أن تتضمن برامج الأمن المناخي تقييمًا لأثر التدخل في توزيع الموارد، لا تقييمًا للمخاطر التي يواجهها المشروع فقط.
كما يجب تجنّب تعميم تجربة الساحل على القارة. ففي الدول الجزرية والساحلية، قد تتمثّل الأولوية في ارتفاع مستوى البحر وتآكل السواحل والتأمين على الكوارث. وفي القرن الأفريقي، تتداخل موجات الجفاف والفيضانات مع النزوح والصراع. وفي دول الجنوب الأفريقي، تؤثر تقلّبات الطاقة والمياه في الصناعة والمدن. وهذا التفاوت يعني أن القيمة التحليلية لمفهوم الأمننة ترتفع حين يستخدم لتحديد آليات محلية، وتنخفض حين يتحول إلى وصف شامل لكل علاقة بين المناخ وعدم الاستقرار.
التمويل المحلّي في كينيا بوصفه مسارًا بديلًا
تُقدّم كينيا مثالًا مضادًّا لفكرة أن البيروقراطية الدولية تقود حتمًا إلى المركزية. فبرنامج تمويل العمل المناخي بقيادة محلية، الذي يدعمه البنك الدولي والحكومة الكينية وشركاء ثنائيون، ينقل الموارد وصنع القرار إلى المقاطعات والمجتمعات. ووفق بيانات البنك الدولي، يستهدف البرنامج جميع المقاطعات السبع والأربعين، ويوجّه 90% من موارده إلى الحكومات المحلية والمجتمعات، ويستخدم تقييمات تشاركية للمخاطر لربط المعرفة المحلية بالبيانات العلمية[9].
وتكمن أهمية هذا النموذج في أنه يعيد توزيع السلطة، لا المال فقط. فالمجتمعات تشارك في تشخيص المخاطر واختيار الاستثمارات في المياه والزراعة والبنية التحتية والبيئة، بينما تُحفَّز المقاطعات على إنشاء وحدات مناخية وتخصيص موارد من موازناتها. وقد ارتفع عدد المقاطعات المستوفية للشروط المؤسسية من تسع إلى 45 خلال عامين من التنفيذ، وأسهمت المقاطعات بأكثر من 23 مليون دولار من مواردها في السنة الأولى، بحسب البنك الدولي[10]. وهذه النتائج لا تنفي دور البيروقراطية الدولية؛ بل تكشف أن قواعدها يمكن تصميمها لتدعم اللامركزية والمساءلة بدلًا من أن تحلّ محلّ الفاعلين المحليّين.
غير أن قابلية نقل التجربة ليست تلقائية. فهي تتطلب حكومات محلّية ذات اختصاصات واضحة، ونظمًا مالية قابلة للتتبّع، وقدرة على إدارة المنح، وآليات تمنع استحواذ النخب المحلية. ولذلك، لا ينبغي تقديم “المحلية” بوصفها علاجًا رمزيًّا للمركزية الدولية. فالمعيار الحقيقي هو مقدار السلطة والموارد التي تنتقل، ومن يشارك فعليًّا، وهل تصل المنافع إلى النساء والشباب والفئات المهمّشة، وهل تستطيع المؤسّسات المحلية الاستمرار بعد انتهاء التمويل الخارجي.
وتُقدّم التجربة درسًا إضافيًّا بشأن دور المركز الوطني. فالتمويل المحلّي الناجح لا يعني تجاوز الدولة، بل بناء منظومة تربط المعايير الوطنية بالتخطيط المحلّي والتحويلات المالية والمساءلة. ويقلّل هذا التصميم من تشتّت المشروعات الصغيرة ومن اعتماد كلّ مجتمع على مانح منفصل. كما يتيح مقارنة أداء المقاطعات والتعلم بينها، بشرط ألا تتحول مؤشرات الأداء إلى عبء بيروقراطي يدفع الوحدات الأضعف إلى خارج المنافسة. ولذلك، ينبغي الجمع بين الحوافز وبناء القدرات، وتقديم دعم إضافي للمناطق التي تعاني ضعفًا مؤسسيًّا، أو مخاطر أعلى.
من باكو إلى بيليم وصعود الوكالة الأفريقية
كشف تمويل المناخ عن الفجوة بين الاعتراف بالخطر والاستجابة المادية له. ففي مؤتمر الأطراف التاسع والعشرين في باكو، عام 2024، اتفقت الأطراف على هدف لا يقلّ عن 300 مليار دولار سنويًّا بحلول 2035 لمساندة البلدان النامية، مع الدعوة إلى توسيع التمويل من المصادر العامة والخاصة إلى 1.3 تريليون دولار سنويًّا بحلول العام نفسه[11]. ورفَع الاتفاق الرقم السابق، لكنه أبقى أسئلة حاسمة بلا حسم كامل: نسبة المنح إلى القروض، وسهولة الوصول، وتوزيع التمويل بين التخفيف والتكيف، وقدرة الدول الأكثر هشاشة على إعداد المشروعات واستيفاء المتطلبات المعقدة.
وفي مؤتمر بيليم بالبرازيل عام 2025، اعتمدت الأطراف 56 قرارًا توافقيًا، منها 24 قرارًا ضمن حزمة بيليم السياسية، وشملت التكيف والتمويل والانتقال العادل والتكنولوجيا ومشاركة الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية. ودعا المسار السياسي إلى مضاعفة تمويل التكيف ثلاث مرات بحلول 2035، وهي إشارة مهمة لكنها لا تغلق فجوة التمويل التي وثقها برنامج الأمم المتحدة للبيئة[12]. ويبيّن ذلك أن الأمننة تنجح غالبًا في رفع الاهتمام أسرع من قدرتها على تغيير التدفقات المالية الفعلية.
في المقابل، لم تَعُد أفريقيا مجرد متلقٍّ للخطاب الدولي. فقد جمع مؤتمر القمة الأفريقي الثاني للمناخ في أديس أبابا، خلال 8–10 سبتمبر 2025، الدول الأفريقية والمؤسسات الإقليمية والدولية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمجتمعات المحلية. وربط إعلان أديس أبابا بين أولويات المناخ وأجندة 2063 والتنمية المستدامة، بما يعكس محاولة لإعادة صياغة القضية من منظور الاستثمار والعدالة والملكية الأفريقية[13]. وتكمن أهمية هذا التحول في نقل السؤال من “كيف نحمي العالم من مخاطر أفريقيا المناخية؟” إلى “كيف تحصل أفريقيا على الحيّز المالي والتكنولوجيا والقدرة المؤسسية لبناء تنمية خضراء قادرة على الصمود؟”.
ومع ذلك، لا تكفي الوكالة الخطابية ما لم تتحول إلى قدرة تفاوضية وتنفيذية. فالدول الأفريقية تحتاج إلى مشروعات إقليمية قابلة للتمويل، ومنصات موحدة للبيانات، وموقف أكثر تماسكًا بشأن جودة التمويل، وآليات قارية لمراقبة ما يصل فعليًّا إلى التكيف والمستوى المحلّي. كما ينبغي أن تشارك الوزارات المعنية بالتخطيط والمالية والحكم المحلّي في صياغة الأجندة، حتى لا يبقى المناخ ملفًّا تفاوضيًّا منفصلًا عن الموازنات الوطنية.
وتتعلق جودة التمويل بأربعة أبعاد، وهي: الكفاية، وإمكانية الوصول، وشروط التمويل، والتوزيع. فقد يرتفع الرقم الإجمالي بينما تظل إجراءات الاعتماد طويلة الأمد، أو تذهب الحصة الأكبر إلى مشروعات خفض الانبعاثات ذات العائد التجاري بدلًا من التكيف، أو تصل الأموال في صورة قروض تزيد خدمة الدين، أو تتركز في دول وقطاعات أكثر قدرة على إعداد المشروعات. ومن هنا، تحتاج المطالب الأفريقية إلى تجاوز المطالبة برقم عالمي أكبر، لتشمل أهدافًا فرعية للمنح والتكيف والدول الهشّة والعمل المحلّي، مع نشر بيانات تسمح بمراجعة التنفيذ.
ومن زاوية الأمننة، تبرز مفارقة أخرى: كلّما صورت التقارير أفريقيا بوصفها بؤرة مخاطر عالمية، أمكن تعبئة اهتمام دولي أكبر؛ لكن الصورة نفسها قد ترفع كلفة رأس المال والتأمين، وتضعف الاستثمار الذي تحتاج إليه القارة. ولهذا، ينبغي أن يجمع الخطاب الأفريقي بين عرض الخسائر بدقة وإبراز القدرة والفرص، مثل الطاقة المتجدّدة والزراعة الذكية مناخيًّا والابتكار المحلّي. والمطلوب ليس إنكار الهشاشة، بل منع تحولها إلى هُوية دائمة للقارة في الأسواق والمؤسّسات الدولية.
متى تخدم الأمننة التنمية، ومتى تزاحمها
لا تدعم الأدلة حكمًا مطلقًا بأن أمننة المناخ مفيدة أو ضارّة. فهي تخدم التنمية عندما توسّع نطاق الوقاية، وتربط بيانات الطقس بالقرار، وتحمي البنية التحتية وسبل العيش، وتفتح التمويل أمام مؤسّسات قادرة على التنفيذ، وتتعامل مع المجتمعات باعتبارها شركاء. وفي هذه الحالة، تصبح لغة الأمن وسيلة لتصحيح قصر الأفق السياسي، وإظهار كلفة عدم التحرّك.
وتزاحم الأمننة التنمية عندما تقدّم المناخ سببًا مباشرًا للهجرة أو العنف من دون تحليل الوسائط السياسية؛ أو حين توجّه الموارد إلى ضبط الحدود والاستجابة الطارئة على حساب الماء والغذاء والصحة والتعليم؛ أو تجعل سرعة الصرف أهم من الملكية المحلية؛ أو تمنح خبراء دوليّين سلطة تعريف الأولويات من دون مساءلة؛ أو تزيد الديون على دول لم تسهم تاريخيًّا إلا بنصيب محدود في الانبعاثات الضارة. كما تنشأ مشكلة عندما تصبح كلمة “المرونة” غطاءً لمطالبة المجتمعات بالتكيف مع هشاشة كان يمكن تقليلها عبر إصلاحات في توزيع الأرض والخدمات والتمثيل السياسي.
ولذلك، تقترح هذه الورقة أربعة اختبارات لأي برنامج يرفع شعار الأمن المناخي، وهي: الأول، اختبار السببية؛ أي إثبات المسارات التي تربط الخطر المناخي بالنتيجة الأمنية بدلًا من الاكتفاء بالاقتران. الثاني، اختبار الإضافية؛ أي بيان ما الذي يضيفه الإطار الأمني إلى سياسة التنمية أو إدارة الكوارث. الثالث، اختبار التوزيع؛ أي تحديد من يملك القرار ومن يتحمّل الكلفة ومن يحصل على الموارد. الرابع، اختبار الاستدامة؛ أي قياس قدرة البرنامج على خفض الهشاشة بعد انتهاء التمويل أو حالة الطوارئ.
خاتمة
أعادت البيروقراطيات الدولية تشكيل التعامل مع تغيّر المناخ في أفريقيا، لكنها لم تفعل ذلك من خلال الخطاب وحده. فقد حوّلت المعرفة إلى مؤشرات، والمؤشرات إلى أجندات، والأجندات إلى شروط تمويل وتصميمات برامج. وقد أدى ذلك إلى إدماج المناخ في الوقاية وبناء السلام والإنذار المبكر، ولكنه كشف أيضًا خطر اختزال قضايا التنمية والعدالة في إدارة مخاطر قصيرة المدى. وتوضح حالات الساحل وحوض بحيرة تشاد وكينيا ومسار المفاوضات الدولية أن النتيجة تتغير بحسب توزيع السلطة والموارد ومدى حضور الفاعلين الأفارقة والمحليين.
وعليه، تبرز أربعة خيارات مترابطة، وهي: أولًا، ينبغي للاتحاد الأفريقي والتجمعات الإقليمية اعتماد بروتوكول مشترك لتقييم المخاطر المناخية والأمنية يمنع التفسيرات الحتمية، ويفصل بين أثر المناخ وأثر الحوكمة والصراع والاقتصاد السياسي. ثانيًا، يتعين على صناديق المناخ وبنوك التنمية نشر بيانات قابلة للمقارنة عن المنح والقروض والمستفيدين والمستوى الذي تدار عنده الأموال، مع تخصيص نافذة واضحة للتمويل المحلّي المباشر. ثالثًا، يجب ربط نظم الإنذار المبكر بتمويل مسبق وإجراءات محدّدة ومسؤوليات مؤسسية؛ لأن التحذير الذي لا تتبَعه قدرة على التحرك لا يخفض الخطر. رابعًا، ينبغي قياس نجاح برامج الأمن المناخي بمؤشرات تنموية، وهي: استقرار الدخل، وعدالة الوصول إلى الماء والأرض، وقدرة المؤسسات المحلية، وانخفاض النزوح القسري والنزاعات المرتبطة بالموارد، لا بعدد التقارير والاجتماعات فقط.
والخلاصة، أن المطلوب ليس نزع الصفة الأمنية عن تغيّر المناخ، ولا إطلاقها بلا ضوابط، بل إخضاعها للسياسة العامة والمساءلة. وحين تكون الأولويات أفريقية الصياغة، والقرارات موزعة بين المستويات، والتمويل ميسّرًا، والتحليل حسّاسًا للسياق، يمكن للأمننة أن تصبح جسرًا بين الوقاية والتنمية. أما إذا بقي تعريف الخطر والمال والخبرة متركزًا في الخارج، فإنها قد تعيد إنتاج الهشاشة التي تزعم معالجتها.
[1] World Meteorological Organization (WMO), State of the Climate in Africa 2025 (Geneva: World Meteorological Organization, June 18, 2026), https://wmo.int/resources/publication-series/state-of-climate-africa/state-of-climate-africa-2025.
[2] Barry Buzan, Ole Wæver, and Jaap de Wilde, Security: A New Framework for Analysis (Boulder, CO: Lynne Rienner, 1998).
[3] Ole Wæver, “Securitization and Desecuritization,” in On Security, ed. Ronnie D. Lipschutz (New York: Columbia University Press, 1995).
[4] Michael N. Barnett and Martha Finnemore, Rules for the World: International Organizations in Global Politics (Ithaca, NY: Cornell University Press, 2004).
[5] United Nations Environment Programme (UNEP), Adaptation Gap Report 2025: Running on Empty (Nairobi: United Nations Environment Programme, 2025), https://www.unep.org/resources/adaptation-gap-report-2025.
[6] United Nations Climate Security Mechanism, “Climate Security Mechanism,” established October 2018, https://dppa.un.org/sites/default/files/csm_toolbox-1-briefing_note.pdf.
[7] United Nations Development Programme (UNDP), Climate, Peace and Security in Stabilization Contexts in the Sahel (New York: United Nations Development Programme, 2025), https://www.undp.org/africa/waca/publications/climate-peace-and-security-stabilization-contexts-sahel.
[8] United Nations Development Programme (UNDP), “The Sahel Resilience Project,” accessed September 13, 2026, https://www.undp.org/africa/sahel-resilience-project.
[9] World Bank, “Thematic Pillars,” SSI4ALL, accessed September 13, 2026, https://www.worldbank.org/en/programs/ssi4all/priority-themes.
[10] World Bank, “Scaling Up Locally Led Climate Action to Enable Community Resilience and Equitable Climate Transitions,” Results Brief, November 19, 2024, World Bank.
[11] United Nations Framework Convention on Climate Change (UNFCCC), “COP29 UN Climate Conference Agrees to Triple Finance to Developing Countries, Protecting Lives and Livelihoods,” November 24, 2024, UNFCCC.
[12] United Nations Framework Convention on Climate Change (UNFCCC), “Belém Political Package,” COP30, November 22, 2025, UNFCCC, “Belém Political Package”.
[13] African Union, African Leaders’ Addis Ababa Declaration on Climate Change and Call to Action, Second Africa Climate Summit (ACS2), Addis Ababa, Ethiopia, September 8–10, 2025, published November 18, 2025, African Union.