صناعة السرديات الحركية والجهادية في الفضاء الرقمي: الإغلاق السردي والتعبئة ومقاربات المواجهة
يشهد العالم المعاصر تحوّلاً عميقًا في طبيعة التهديدات الأمنية، حيث لم يعد العنف يفهم بوصفه فعلًا ماديًا منفصلا ، بل بوصفه نتيجة لمسار طويل من إعادة تشكيل الإدراك والمعنى. ففي البيئة الرقمية، تتقدم المعركة الرمزية على الفعل الميداني؛ إذ تُعاد صياغة الوقائع داخل سرديات متماسكة تمنح الأحداث دلالة كلية، وتُعيد تعريف الهوية، وتُحدد موقع الفرد داخل قصة صراعية كبرى. ومن ثم، فإن تحليل الإرهاب لم يعد يكتمل عبر تتبع العمليات أو تفكيك التنظيمات فحسب، وإنما يقتضي مساءلة البنية التي تُنتج الاقتناع قبل أن تنتج الفعل.
لقد أظهرت التحولات الرقمية أن إنتاج المعنى لم يعد حكرًا على المؤسسات التقليدية أو النخب الفكرية، بل أصبح موزعا داخل فضاء شبكي مفتوح تحكمه خوارزميات تفضل المحتوى الاستقطابي وتكافئ الشحنة العاطفية العالية. في هذا السياق، تجد السرديات المتطرفة بيئة خصبة لإعادة إنتاج نفسها؛ فهي تقدم تفسيرًا مبسطا لعالم معقد، وتعيد ترتيب الأحداث ضمن حبكة واضحة، وتُقدّم هوية جمعية صلبة في مواجهة عدو مُصوّر بوصفه تهديدا دائما. ومع تكرار هذه العناصر داخل دوائر رقمية متجانسة، تتشكل منظومة إدراكية مغلقة تُعيد تفسير كل جديد وفق منطقها الخاص.
غير أن الإشكال لا يكمن في وجود سرديات متطرفة فحسب، بل في غياب إطار تحليلي عربي متكامل يفسر بنيتها الداخلية، ويكشف آليات اشتغالها. فقد انصرف كثير من الدراسات إلى تحليل المضامين الأيديولوجية، أو رصد أنماط التجنيد أو تفكيك الخطاب البلاغي، دون الانتقال إلى مستوى أعمق يتناول السردية بوصفها بنية قصصية مكتملة العناصر، تُنتج قوة رمزية قادرة على فرض تعريف معين للواقع وإقصاء البدائل. كما أن أدوات القياس والرصد بقيت في معظمها جزئية أو وصفية؛ ما حدّ من إمكانية بناء مقاربات استباقية قائمة على تحليل منهجي منضبط.
ينطلق هذا الكتاب من محاولة لإعادة ترتيب زاوية النظر ؛ فبدلاً من البدء بالسؤال: «لماذا ينخرط الأفراد في التطرف؟» فإنه يقترح سؤالاً أسبق: «كيف يُعاد تشكيل الواقع داخل سردية تجعل الانخراط ممكنًا ومبررا؟». بهذا، فإن التحليل ينتقل من مستوى الفاعل إلى مستوى البنية، ومن دراسة الحدث إلى دراسة الحبكة، ومن مواجهة المحتوى إلى تفكيك المنظومة المنتجة له.