هندسة القوة الوطنية في عصر التنافس المتعدد المجالات
ظل مفهوم القوة أحد أكثر المفاهيم حضورًا وتعقيدًا في العلاقات الدولية والفكر الاستراتيجي؛ فمنذ المراحل الأولى لتطور الدولة الحديثة، ارتبطت مكانة الدول بقدرتها على حماية مصالحها، والتأثير في سلوك الآخرين، وتوفير مقومات الأمن والاستقرار، وفرض أو تشكيل الظروف التي تساعدها على تحقيق أهدافها الوطنية. لكن مصادر هذه القدرة وأدوات ممارستها لم تكن ثابتة، بل تطورت باستمرار تبعا للتحولات في التكنولوجيا والاقتصاد وطبيعة النظام الدولي وأنماط الحرب والمنافسة.
وقد هيمنت لسنوات طويلة، تصورات ربطت القوة بحجم القوات المسلحة، وعدد السكان، والموقع الجغرافي، والموارد الطبيعية، ثم اتسع المفهوم تدريجيا ليشمل الاقتصاد والدبلوماسية، والمعلومات، والقيم والثقافة والقدرة على الإقناع والتأثير. وأسهمت مفاهيم مثل القوة الناعمة والقوة الذكية، في توسيع النقاش من القوة القائمة أساسًا على الإكراه إلى أشكال من القوة تقوم على الجاذبية والتأثير، والقدرة على المزج بين أدوات متعددة لتحقيق الأهداف .)Nye 2004; Nye )2011( الاستراتيجية
وفي سياق الحاجة إلى تنظيم أدوات الدولة وتبسيطها أمام المخطط وصانع القرار، برز نموذج DIME الذي يجمع الأدوات الدبلوماسية، والمعلوماتية، والعسكرية، والاقتصادية. وقد اكتسب النموذج انتشارا واسعا لما يتمتع به من وضوح وسهولة استخدام، وظل حاضرا في الأدبيات والعقائد الاستراتيجية حتى الوقت الراهن. وتؤكد وثائق عسكرية أمريكية رسمية استمرار الاستخدام هذا النموذج إطارا لوصف أدوات القوة الوطنية، مع الاعتراف في الوقت نفسه بوجود وسائل أخرى تمارسها الدولة.
لقد تغيرت البيئة التي أسهمت في نجاح DIME بصورة عميقة؛ فالدولة الحديثة تعمل اليوم داخل منظومة دولية شديدة الترابط تعتمد فيها على البيانات والشبكات الرقمية ومراكز الحوسبة، وسلاسل الإمداد، والممرات البحرية والجوية، والأسواق المالية، والبنية الفضائية والمعايير التكنولوجية، والشركات الخاصة العالمية. وأصبح التأثير الاستراتيجي قابلا للممارسة عبرتجميد أصول، أو حجب تقنيات أو خوارزمية أو هجوم سيبراني أو إغلاق ممر بحري أو فرض معيار تنظيمي، إلى جانب الأدوات السياسية والعسكرية التقليدية.
وقد دفعت هذه التحولات إلى ظهور نماذج أوسع فطرح نموذج DIME-FIL التمويل والاستخبارات وإنفاذ القانون بصفتها أدوات يجب أن يكون لها حضور مستقل في التخطيط فيما قدم نموذج MIDFIELD تصورًا يشمل العسكر والمعلومات والدبلوماسية والتمويل والاستخبارات والاقتصاد والقانون والتنمية. وقد أشارت الأدبيات العسكرية الأمريكية صراحة إلى أن DIME قد يكون أضيق من أن يحيط بمجمل الخيارات المتاحة لصانع الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين.