الإخوان المسلمون تحت الضغط: الانعكاسات والآفاق

بدرية الريامي 08 أكتوبر 2026
InsightImage

الإخوان المسلمون تحت الضغط: الانعكاسات والآفاق

بدرية الريامي 08 أكتوبر 2026

منذ بداية عام 2026، ازدادت الضغوط القانونية والسياسية على تنظيم الإخوان المسلمين في عدد من الدول الأوروبية، بالتزامن مع استمرار الخلافات الداخلية بين جبهتَي لندن وإسطنبول. وتتفاعل هذه الضغوط مع انقسامات قيادية سابقة داخل الجماعة، بما قد يعمّق آثارها ويزيد صعوبة توحيد القرار التنظيمي. ومن هنا، تنطلق الدراسة في تحديد ما إذا كانت إعادة التموضع للجماعة تُمثّل قدرةً على التكيّف مع الضغوط والحفاظ على النفوذ، أم تعكس تراجع مركزية التنظيم، وتزايد صعوبة إدارة شبكاته ومؤسّساته من خلال مرجعية موحدة.

وتنطلق إشكالية هذه الدراسة من السؤال الآتي: كيف تعيد جماعة الإخوان المسلمين تشكيل بنيتها التنظيمية وأدوات نفوذها في ظل تصاعد الضغوط القانونية والسياسية؟ وتتناول الدراسة هذه الإشكالية عبر أربعة محاور مترابطة تعكس تسلسل التحول من الضغط الخارجي إلى إعادة التشكل الداخلي، ثم إلى تقييم القدرة على التكيّف والاستمرار.

يرصد المحور الأول من الدراسة طبيعة الضغوط القانونية والسياسية التي واجهها التنظيم في عدد من الساحات الدولية، وحدود تأثيرها في حركة القيادات والكيانات ومجالات النشاط. ويحلّل المحور الثاني الكيفية التي انعكست بها هذه الضغوط على إدارة الأصول والمؤسّسات، وتوزيع الموارد، وشبكات التمويل، والنشاط. وأما المحور الثالث فيبحث أثر هذه التحولات في البنية القيادية، من خلال تتبّع الخلافات الداخلية، وتعدُّد مراكز القرار والمرجعيات في الخارج، وما ترتّب على ذلك من تغيُّر في أنماط التنسيق والسيطرة التنظيمية. ويختبر المحور الرابع قدرة التنظيم على التكيّف مع هذه البيئة الجديدة، من خلال تحليل أدوات إعادة التموضع واللامركزية التنظيمية، وحدود ما توفره من مرونة واستمرارية، مقابل ما قد تُفضي إليه من تراجع في مركزية القرار، وصعوبة إدارة الشبكات ضمن مرجعية موحدة، وصولًا إلى استشراف مسارات إعادة التموضع مستقبلًا. 

أولًا: الضغوط القانونية والسياسية:

تشكّل الضغوط القانونية والسياسية الإطار الخارجي الذي تتحرك فيه الجماعة، وهي نقطة الانطلاق لفهم ما طرأ على هيكلها من تحولات. ويتناول هذا المحور نماذج حديثة لهذه الضغوط: تفاوتت بين الحظر القضائي لتجمعات علنية، والعقوبات المالية على أفراد وكيانات، ومشروعات الحظر التشريعي للجماعة ذاتها. وتهدف الدراسة إلى عرض هذه النماذج، وتوضيح طبيعة الإجراءات وأدواتها، وإبراز الاتجاه العام الذي تعكسه؛ تمهيدًا لتحليل أثرها في البنية التنظيمية للجماعة، وشبكات تمويلها في المحاور اللاحقة.

ففي مايو 2026، وبالتحديد في مدينة نانت في فرنسا، أيّدت المحكمة الإدارية قرار محافظة لوار-أتلانتيك ووزارة الداخلية حظر تجمّع” لقاء المسلمين في الغرب” المقرّر عقده في مسجد السلام بمدينة نانت، حيث اعتبر وزير الداخلية أنه كان من المحتمل طرح مواضيع من شأنها المساس بالتماسك الوطني وكرامة الإنسان. ودعا رئيس الوزراء إلى التعامل الحازم مع الإسلام السياسي، ووصف الحكم بأنه خطوة مهمّة لمواجهة ما وصفه بتغلغل جماعة الإخوان. [1]

من جهة أخرى، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، في 23 يوليو، إدراج محمود الأيباري، أحد أبرز قيادات تنظيم الإخوان المسلمين المصري، بالإضافة إلى ثلاثة أعضاء آخرين من التنظيم، وثلاثة كيانات، ضمن قوائمها بتهمة تقديم دعم مادي لحركة حماس، وبحسب الوزارة، حوّلت كلٌّ من “جمعية مدد فلسطين الخيرية” في غزة، و”توجاه بولاه غلوبال” في إندونيسيا، تمويلات مالية إلى الجناح العسكري لحركة حماس، التي تسعى جاهدةً لعرقلة التوصل إلى تسوية سلمية في غزة. بالإضافة إلى شركة ” القاهرة للتجارة العامة” في تركيا المملوكة لخلدون خميس زكريا الدين.  وأشارت الوزارة إلى أن هذه الإجراءات هدفها تعطيل شبكات التمويل المرتبطة بحماس والإخوان؛ عبر حظر المعاملات المالية والأفراد والكيانات المدرجة، وتجميد الأصول. [2]

وعلى الصعيد الأوروبي، برز اتجاه مماثل في النمسا، حيث أنهت الحكومة النمساوية، بتاريخ 28 أغسطس 2026، تعاونها مع منظمة “ديراد Derad “، والمتخصّصة في مكافحة التطرف وإعادة التأهيل حيث كشفت مديرية أمن الدولة والاستخبارات (DSN) أن المنظمة لها علاقة بالفكر الإخواني، وتأثير جماعة الإخوان المسلمين داخل المنظمة.  كما تم تعليق عضوية مؤسِّس المنظمة، موسى الحسن ضياو، في مجلس الاندماج، والمطالبة بتحقيق شامل، حيث سبق أن تم تمويل المنظمة من قِبَل وزارة العدل بمبلغ 1.3 مليون يورو، خُصِّص منه 270 ألف يورو عام 2025. [3]  وفي سبتمبر 2026، أعلنت وزيرة الاندماج النمساوية عن إعداد مشروع لحظر جماعة الإخوان، وحزب الله، وحزب التحرير، وغيرها من التنظيمات في النمسا، حيث أشارت إلى أن هذه الجماعة يمكنها تأسيس جمعيات تابعة لها في النمسا، بالرغم من حظر رموزها؛ الأمر الذي يستدعي تدابير قانونية صارمة. [4]

وشهدت ساحات أخرى في دول متفرّقة دعوات مجتمعية وسياسية، لكنّها لم تتحوّل بعد إلى قرار حكومي. ففي أستراليا، دعا بيان من حزب ” الأسرة أولًا” الحكومة إلى حظر تنظيم الإخوان المسلمين، والتحقيق في شبكاته والجهات المرتبطة به. وطالب لايل شيلتون، المدير الوطني للحزب المرشح لعضوية المجلس التشريعي الحكومة، بتكليف جهاز الاستخبارات الأسترالية بفحص الجماعة وتقييم انطباق المعايير القانونية لحظرها بناءً على تحركات مشبوهة، حيث جاءت هذه المطالبة تأييدًا لمقترح طرحه المؤرخ البريطاني أندرو روبرتس، الذي طالب بحظر جماعة الاخوان، والجمعيات الخيرية، والمنصات الإعلامية، والمنظمات غير الحكومية والشبكات التابعة للجماعة. كما طالب بتشديد الرقابة على المناهج الدراسية في المدارس الإسلامية؛ لضمان عدم احتوائها على أي مضمون معادٍ للسامية، وتشديد الرقابة على تمويلاتهم. [5]

وفي إيطاليا، يعمل حزب ” الرابطة” الإيطالي على أنشطة المؤسّسات الدينية والتمويل الخارجي للجماعة لطرحها أمام البرلمان؛ بهدف إنشاء سجل للكيانات الدينية التي لا ترتبط باتفاق رسمي مع الدولة، وإخضاعها قانونيًّا لنشر بياناتها المالية، وذلك بالتزامن مع التحركات الأوروبية لتشديد الرقابة على تنظيم الإخوان وشبكاته.[6] وتتضح هذه الدعوات في عدد من الدول، على الرغم من عدم تحوّلها بعد إلى قرار حكومي، في امتداد النقاش حول الجماعة إلى ساحات لم تتخذ فيها أي إجراء رسمي حتى الآن؛ ما يوحي باحتمال اتساع دائرة الضغوط جغرافيًّا في المرحلة المقبلة.

وفي 7 أكتوبر 2026، شهد البرلمان الأوروبي، في ستراسبورغ، جلسة نقاشية خُصِّصت لبحث سبل مواجهة ما يُعرَف بـ«التغلغل الإسلاموي» ونفوذ شبكات جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا، في إطار مبادرة سياسية تدعو إلى بلورة استراتيجية أوروبية مشتركة للتعامل مع أنشطة الجماعة وتأثيراتها المؤسّسية والمالية. وتمحورت المناقشات حول ثلاثة ملفات رئيسية: أولها، التصنيف الإرهابي، من خلال مقترحات تدعو إلى إدراج جماعة الإخوان المسلمين على القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية؛ وثانيها، التمويل والشفافية المالية، عبر المطالبة بتعليق الدعم والمنح الأوروبية المقدَّمة للكيانات التي يثبت ارتباطها بالجماعة، وتتبّع مصادر التمويل الخارجي، وفحص التدفقات المالية؛ وثالثها، الرقابة والمتابعة المؤسّسية، من خلال مقترحات لرصد الشبكات المرتبطة بالجماعة، وتعزيز الرقابة على الجمعيات والمؤسّسات التعليمية، ومراجعة هياكل إصدار شهادات «الحلال»، إلى جانب تشديد إجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.[7]

وكشفت المناقشات عن تباين في مواقف الكتل السياسية الأوروبية بشأن طبيعة التهديدات المرتبطة بالجماعة والأدوات المناسبة للتعامل معها؛ ففي حين دفع حزب الشعب الأوروبي وبعض قوى اليمين المحافظ نحو تبنّي إجراءات أكثر تشدُّدًا، أبدت مجموعة «تجديد أوروبا» انفتاحًا مشروطًا على تعزيز التنسيق وتبادل المعلومات، بينما حذّرت كتل اشتراكية وخضراء ويسارية من مخاطر التوسع في المقاربة الأمنية والخلط بين الأنشطة الدينية والمدنية المشروعة والممارسات المخالفة للقانون.

وفي 8 أكتوبر 2026، اعتمد البرلمان الأوروبي القرار المتعلق بالحاجة إلى استراتيجية أوروبية لمواجهة «التغلغل الإسلاموي» ونفوذ شبكات جماعة الإخوان المسلمين، في خطوة تعكس تنامي التأييد البرلماني لتطوير مقاربة أوروبية أكثر تنسيقًا للتعامل مع أنشطة الجماعة، وتأثيراتها المؤسسية والمالية. ويشكّل اعتماد القرار تطورًا سياسيًّا في مسار التعامل الأوروبي مع الجماعة، من خلال الانتقال من المبادرات الوطنية المتفرقة إلى تبنّي موقف على مستوى البرلمان الأوروبي، بما قد يعزّز الضغوط السياسية باتجاه تشديد الرقابة على التمويل والشبكات المرتبطة بها. ومع ذلك، فإن اعتماد القرار لا يعني تصنيف الجماعة تنظيمًا إرهابيًّا أو فرض تدابير تقييدية ملزمة بصورة تلقائية؛ إذ يظل تنفيذ أي إجراءات لاحقة مرهونًا بمضمون النصّ المعتمَد، واختصاصات مؤسّسات الاتحاد الأوروبي، واستيفاء المتطلبات القانونية اللازمة.

وتكشف هذه التطورات عن اتساع أدوات الضغط على الجماعة والكيانات المرتبطة بها، مع اختلاف مستويات إلزامها وآثارها المباشرة؛ فالعقوبات المالية والقرارات القضائية تترتب عليها قيود تنفيذية محدّدة، بينما تؤثر المبادرات التشريعية والقرارات البرلمانية السياسية في اتجاه النقاش وتوقعات الفاعلين. ويضيف التحرك داخل البرلمان الأوروبي بُعدًا يتعلق بإمكان تعزيز التنسيق بين الدول في متابعة التمويل والعلاقات المؤسّسية العابرة للحدود. ومن ثم، لا يتوقف تقدير الضغط على عدد المبادرات، بل يشمل طبيعتها القانونية، ونطاق تطبيقها، ومدى تكاملها، وقدرتها على الانتقال من الموقف السياسي إلى التنفيذ.

ثانيًا: إعادة ترتيب الأصول والمؤسّسات والتحوّل في شبكات التمويل

يتضح أول أنماط إعادة الترتيب للكيانات المرتبطة بالتنظيم، وتغيير هويتها القانونية، من خلال تبنّي أسماء بديلة أو حتى نقل ملكيات إلى جهات جديدة؛ وذلك للهروب من دائرة التصنيف والحظر. ويتجلّى ذلك في البيان الصادر عن وزارة الخزانة الأمريكية الذي يفيد بأن حركة حماس أنشأت مؤسّسة “توجاه بولاه غلوبال Tujah Bulah Global ” ومقرّها إندونيسيا، تعمل تحت اسم مستعار وهو “سفن سبايكس غلوبال Seven Spikes Global” وذلك بغرض جمع التبرعات، وتوفير الإيرادات للجناح العسكري للحركة. [8]

وفي هذا السياق، وبالتزامن مع الضغوط الدولية، أشار موقع العين الإخبارية إلى تحركات الجماعة لإعادة توزيع ملكية إدارة كياناتها، حيث توسَّع دور” مجلس مسلمي أوروبا“، الذي كان يُعرف سابقًا باسم ” اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا” لإدارة عدد من الملفات في أوروبا والخاصة بكيانات الجماعة، وبإشراف قيادات غير مصرية. [9]

كما تعكس الكيانات المدرجة في بيان وزارة الخزانة الأمريكية انتقالًا للتنظيم من المؤسّسات الظاهرة والرسمية للجماعة إلى هيكل أصغر وأقل رصدًا، حيث توزعت بين شركة تجارية في تركيا، وجمعية خيرية في غزة، وكيان في إندونيسيا وصفه البيان بالواجهة الخيرية. وتستند الخزانة في توصيفها إلى أن هذه الكيانات تستخدم شبكات مصرفية غير رسمية، والواجهات الخيرية لنقل الأموال. [10]

وينكشف حدود هذا التحول أمام الرصد المالي في عدد من النقاط يمكن حصرها في التالي: أولًا، قد ينتج عن تجميد وإدراج الأصول الخاضعة للقوانين الأمريكية تعرُّض المؤسّسات المالية الأمريكية أو الأجنبية، أو حتى الأفراد، لعقوبات ثانوية. [11] ولكنّه يعتمد على مدى الارتباط وطبيعة العلاقة بين كيانات التنظيم والنظام المالي الأمريكي، حيث تُعدّ درجة الارتباط ضعيفة، خصوصًا في شبكات التحويل غير الرسمية.  ثانيًا، أشار بيان الوزارة إلى أن التنسيق الذي تم مع عدد من الأجهزة الأمنية الأمريكية أسفر عن الكشف المتزايد عن العقد الرئيسية في الشبكة المالية السرّية لحركة حماس.[12] وفي الحالة النمساوية أكدت وزيرة الاندماج، في مقابلة لها، أن قيادات التنظيمات المحظورة مازال بإمكانها تأسيس جمعيات وكيانات أخرى. [13]

ويطرح التوجه الأوروبي نحو متابعة التمويل والارتباطات المؤسّسية سؤالًا بشأن حدود فاعلية تغيير الأسماء القانونية أو نقل الملكيات. فإذا تطورت الرقابة لتشمل المستفيدين الفعليين، ومصادر الموارد، واستمرار علاقات الإدارة والتوجيه، فقد لا يكفي التغيير الشكلي لتقليل التعرّض للتدقيق. وفي المقابل، قد تدفع هذه البيئة الكيانات المعنية إلى توسيع استقلالها القانوني والإداري الفعلي، بما قد يزيد المسافة بينها وبين مراكز القيادة التقليدية. ويظل هذا مسارًا محتملًا يتطلب التحقق من تطور الممارسات الرقابية واستجابات المؤسسات، ولا يُمثّل نتيجة مثبَتة لاعتماد القرار البرلماني.

وفي هذا السياق، يتّضح أن العقوبات التي فُرِضت على الكيانات التابعة والمرتبطة بتنظيم الإخوان المسلمين رفعت كلفة الحركة المالية للجماعة، ولكنها لم تحسم قدرتها على إعادة التشكل؛ وهو ما يثير تساؤلًا داخليًّا: من يمتلك سلطة إدارة هذه الأصول وإعادة توزيعها؟

ثالثًا: الخلافات القيادية وتعدُّد مراكز القرار في الخارج:

بعيدًا عن مبدأ السمع والطاعة الذي قام عليه انضباط التنظيم لعقود، برزت خلافات وتوتر بين قيادات التنظيم الدولي، وتصاعدت التصريحات المتبادلة بين جبهتَي لندن وإسطنبول، ليصبح الصراع علنيًّا وأكثر حدة وصخبًا، على تولي القيادة بعد وفاة إبراهيم منير، مرشد الجماعة في لندن، حيث أكدت جبهة لندن أن الممثل الشرعي الوحيد للتنظيم هو صلاح عبد الحق.  فيما نصّب محمود حسين، المقيم في إسطنبول، نفسَه، عبر كلمة مسجلة، مرشدًا للتنظيم، واصفًا قرارات جبهة لندن بأنها انقلاب غير شرعي. [14]

وكان إبراهيم منير، القائم بأعمال المرشد عن جبهة لندن، قد شكّل هيئة عليا بديلًا عن مكتب الإرشاد، بعد أن حلّ المكتب الإداري لشؤون التنظيم في تركيا. ونتج عن تفاقم الأزمة بعد تأسيس جبهة لندن مجلسُ شورى جديد، وتنحية ستة أعضاء من مجلس شورى إسطنبول، من بينهم محمود حسين. وعلى الجانب الآخر جغرافيًّا، قام مجلس شورى إسطنبول، وتحت رئاسة مصطفى طلبة، بإنشاء “اللجنة القائمة بأعمال مجلس الشورى العام“، الذي أقرّ بإعفاء إبراهيم منير من منصبه. وعلى أثر ذلك، نشرت جبهة لندن بيانًا أشارت فيه إلى عدم الاعتراف بقرارات جبهة إسطنبول أو بما يسمّى مجلس الشورى العام، وإعفاء مصطفى طلبة من منصبه. وأشار التقرير كذلك إلى أن الخلاف شمل أيضًا إدارة أصول التنظيم وأمواله. [15]

وفي هذا السياق، نتج عن إقالة كلّ طرف لقيادات الطرف الآخر، وعدم الاعتراف بقرارات مؤسّساته، إضعاف مركز القرار داخل التنظيم. [16] وتجلى ذلك بوضوح، في صراع الجبهتين حول من يُمثّل الشرعية، فجبهة إسطنبول تنظر إلى مجلس الشورى العام بأنه المرجعية الأعلى التي تستمد منها الشرعية، أما جبهة لندن، فترتكز في شرعيتها على موقع نائب المرشد العام. [17] ويكشف هذا الاضطراب غير المستقر على القيادة أن الصراع لا يرتكز على شخص معيّن بقدر ما يعكس الخلاف على من يمتلك الحق في القيادة والتمثيل.

وفي ضوء ذلك، لجأ كلٌّ من الطرفين إلى هياكل تنظيمية نتج عنها الازدواجية؛ فمن جهة، قام إبراهيم منير بحلّ المكتب الإداري في تركيا وتشكيل بديل عن مكتب الإرشاد العام في لندن، ومن جهة أخرى، أسّست جبهة إسطنبول مجلس شورى؛ الأمر الذي نتج عنه ازدواجية العمل، وتفعيل مكاتب موازية، وإعادة توزيع الاختصاصات. [18]

وباختبار الفرضية، تشير المعطيات إلى أن تعدُّد مراكز القيادة كان أحد الأسباب التي أسهمت في إضعاف التنظيم، وذلك عبر ازدواجية المرجعية، وغياب الموقف الموحد، إضافةً إلى الخلافات على الأصول والأموال. وبالرغم من ذلك، فإن تعدّد مراكز القيادة قد يمثّل احتمالية توزيع المخاطر؛ ما يصعّب استهداف الشبكة عبر مركز واحد.

وقد يضيف اتساع الرقابة المحتملة على العلاقات المالية والمؤسّسية بُعدًا جديدًا إلى الخلاف على إدارة الأصول؛ إذ يمكن أن تزداد أهمية المسؤولين المحليّين، الذين يملكون الصلاحيات القانونية والإدارية داخل المؤسّسات، مقارنةً بالقيادات التي تستند سلطتها إلى المرجعية التنظيمية. وإذا اتّسعت استقلالية هؤلاء في إدارة الموارد والامتثال للقواعد المحلية، فقد يتراجع نطاق التوجيه المركزي، أو تتصاعد المنازعات بشأنه. غير أن إثبات هذا التحول يتطلب شواهد على تغير الصلاحيات وآليات اتخاذ القرار، ولا يكفي الاستناد إلى تصاعد الضغوط وحده.

رابعًا: التكيّف التنظيمي وحدود القدرة على الاستمرار: مستقبل إعادة التموضع وردود الأفعال:

لا تعكس الضغوط السياسية والقانونية على المؤسّسات والكيانات المرتبطة بتنظيم الإخوان المسلمين تَفكُّكها، ولكنها تفتح المجال حول تساؤل مهمّ يتعلق بإعادة تشكيل بنيتها التنظيمية، وأدوات عملها، وقدرتها على التكييف. وقد أثبتت جميع القيود والضغوطات التي فُرِضت على التنظيم ومؤسّساته العلنية، وهياكله المركزية عبر السنوات الماضية أنها أضعفتها، ولكن لم تقضِ عليها بعد، حيث اعتمد التنظيم على الشبكات المرنة، وأصبح أقل مركزية ممّا كان عليه، وأكثر استخدامًا للفضاء الرقمي.[19]

ومع تزايد الضغوط خلال عام 2026، برزت مؤشرات التحول اللامركزي، ففي يناير، صنّفت الولايات المتحدة الأمريكية فروع تنظيم الإخوان المسلمين المصري والأردني، بالإضافة إلى تصنيف جماعة الإخوان المسلمين فرع لبنان، منظمات إرهابية أجنبية، وإدراجها على قائمة الإرهابيين على المستوى العالمي (SDGT)، كما صُنِّف زعيم الجماعة، محمد فوزي تقوش، إرهابيًّا عالميًّا. [20] وفي يوليو، أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية قياديًّا في التنظيم وأفراد كيانات مرتبطة بالجماعة في قوائمها؛ بسبب مشاركتها في تمويل حركة حماس. [21] وبذلك، طالت الإجراءات أفرادًا وفروعًا وكيانات مختلفة في عدد من الدول، ولم تنحصر في مؤسّسة مركزية واحدة، وهو ما يعكس حقيقة الطابع اللامركزي الذي يعتمده التنظيم.

ولا تقتصر إعادة التموضع على تفادي العقوبات المدرَجة فقط، بل شملت بعدًا وظيفيًّا يتصل بأدوات النفوذ، لا بالحفاظ على البنية التنظيمية فقط. وتجلّى ذلك، في توسّع دور “مجلس مسلمي أوروبا”؛ إذ أدار عددًا من الملفات المرتبطة بكيانات إخوانية في أوروبا، وذلك من خلال أفرعه المحلية، وتحت إشراف قيادات غير مصرية؛[22] وهو ما يتيح للجماعة العمل في نطاق أوسع، وعبر أفرع مستقلة عدة معترَف بها قانونيًّا، وبصورة مدنية وأقل عرضة للتصنيف المباشر.

وفي هذا السياق، أشار تقرير نشره “اليوم السابع”، أن الإعلام يشكّل إحدى أبرز أدوات تحرّك الجماعة في الخارج، وذلك من خلال منصات إعلامية تستهدف التأثير على الرأي العام، وإدارة الفعاليات والمؤتمرات، وتمنح الجماعة مساحة للحركة بعيدًا عن قيود النشاط التنظيمي المباشر.  وكشف التقرير أن استمرارية تشغيل المنصات الإعلامية مرتبطة بالتمويل الذي يتيح تشغيل المنصات وإنتاج المحتوى بانتظام؛.[23] وعليه، يتّضح أن إعادة التموضع لا تنتهي بتقليل التعرّض القانوني، بل تُعيد تشكيل الهياكل كأدوات نفوذ إعلامية وسياسية موازية للعمل التنظيمي المباشر.

وتكشف هذه التطورات عن مسارين محتملين لتحرّك الجماعة: يتمحور المسار الأول حول استمرار التشظّي التنظيمي؛ أي أن الجماعة تبقى موزّعة بين شبكات ومراكز وقيادات مختلفة وتستمر على ذلك، من دون التركيز على القيادة المركزية؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى استمرار الصراع في أزمة القيادة، وصعوبة إعادة بناء مرجعية موحدة لتُنهي نتائج الانقسامات السابقة. واتضح ذلك في جبهة لندن، واستمرارية صلاح عبد الحق في تقديم نفسه بصفته القائم بأعمال المرشد العام، مع تمسّك جبهة إسطنبول بمحمود حسين، ورفضها الاعتراف بشرعية الطرف الأول.

أما المسار الثاني، فيتمحور حول الانتقال التدريجي من التنظيم المركزي إلى هيكل شبكي أكثر مرونة. وهذا ما أشار إليه تقرير على موقع “حفريات” باحتمالية تحوّل الجماعة من تنظيم مركزي إلى شبكة غير مركزية خفيّة، تُدار بالشبهات المالية، والمنصات الرقمية.[24] وهذا يشير إلى أن التنظيم يحاول الحفاظ على بعض أدواته في الدول الخاضعة لقوانين أشد صرامة.

وتتوقف فاعلية التكيّف الشبكي أيضًا على مستوى التنسيق بين الجهات التي تمارس الرقابة. ففي بيئة تتفاوت فيها القواعد وآليات المتابعة بين الدول، قد تستفيد الشبكات من توزيع نشاطها ومواردها بين ساحات متعدّدة. أما إذا تطور التوجّه الأوروبي إلى تبادل أكثر انتظامًا للمعلومات وتتبّع للعلاقات المالية والإدارية العابرة للحدود، فقد تضيق بعض مساحات المناورة التي يتيحها هذا التفاوت. وعندئذٍ، تصبح اللامركزية مفاضلة بين استمرار الروابط التي تتيح تعبئة الموارد والتنسيق، وبين توسيع الاستقلال المحلّي الذي قد يقلّل التعرّض لبعض المخاطر لكنّه يُضعِف وحدة القرار. ولذلك، لا تتحدد قدرة الشبكات على الاستمرار بمرونتها الداخلية وحدها، بل بقدرة المؤسّسات الرقابية على متابعة علاقاتها أيضًا.

ومن هنا، يتّضح أن الهيكل المركزي التقليدي لم يَعُد التحدي الأساسي للجماعة، ولكن التحدي الأكبر يتضح في قدرتها على الاحتفاظ باستمرار نفوذها عبر مؤسّساتها ومصادر أموالها ومواردها؛ إذ إن الضغوط الحالية التي تواجه الجماعة تؤدي إلى إضعاف المركزية وإعادة توزيع النشاط أكثر من إعادة بناء تنظيم دولي موحد. وبذلك، فإن تحول التنظيم إلى شبكات موزعة قد يأتي مقابل إضعاف القدرة على التوجيه والقرار المشترك. وعليه، يظل مستقبل الجماعة ما بين استمرار التشظّي من جهة، وإعادة التموضع في شبكات مستقلّة متعدّدة، وأكثر مرونة من جهة أخرى.

الخاتمة

تشير نتائج الدراسة إلى أن الضغوط القانونية والسياسية على تنظيم الإخوان المسلمين في عدد من البلدان أسهمت، بالتفاعل مع الانقسامات القيادية السابقة بين جبهتَي لندن وإسطنبول، في إعادة تشكيل بنيته التنظيمية وكياناته، دون الإفضاء إلى إنهاء قدراته.

وإلى جانب ذلك، كشفت الدراسة أن هذه الضغوط لم يقتصر أثرها على الجانب التنظيمي فقط، بل شملت كيانات وشبكات تمويل مرتبطة بالجماعة دفعتهم إلى البحث عن مساحات عمل أكثر مرونة.  ويشير ذلك، إلى تحوّل تدريجي من الاعتماد على هيكلية تنظيمية مركزية واضحة، إلى شبكات أكثر استقلالًا وأكثر مرونة، قادرة على التكيّف بدرجات متفاوتة مع اختلاف البيئات القانونية والسياسية في تلك الدول.

وبذلك، تكشف الدراسة عن مفارقة أساسية في مسار إعادة التموضع التنظيمي: فقد يصبح التنظيم أكثر قدرة على البقاء والاستمرار عبر توزيع شبكاته ومراكز نشاطه وتقليل اعتماده على مركز قيادي واحد، لكنّه في المقابل يصبح أقل قدرة على الحفاظ على صورته كتنظيم مركزي موحد. فزيادة المرونة وتوزيع المخاطر قد تمنحان الشبكات قدرة أكبر على التكيف مع الضغوط القانونية والسياسية، إلا أن ذلك يأتي على حساب وحدة القرار، وتماسك المرجعية، والقدرة على إدارة الموارد والأصول وتوجيه الفروع ضمن استراتيجية مشتركة. ومن ثم، فإن الاستمرارية التنظيمية لا تعني بالضرورة استعادة القوة؛ بل قد تتحقق من خلال تحوّل في طبيعة التنظيم نفسه، من بنية مركزية موحدة إلى شبكة أكثر مرونة، ولكن أيضًا أكثر تشظيًّا، وأقل قابلية للضبط من مركز واحد.

وتظل هذه المفارقة مرتبطة بطبيعة البيئة الخارجية؛ فبقدر ما تستفيد الشبكات الموزّعة من تفاوت السياسات الوطنية، قد يحدّ تنامي التنسيق العابر للحدود من بعض مزايا هذا التوزع. ويبرُز التحرك البرلماني الأوروبي بوصفه مؤشرًا سياسيًّا إلى هذا الاحتمال، دون أن يُثبت تحقّقه تنفيذيًّا. وعليه، فإن تقدير مستقبل الجماعة يقتضي متابعة مسارَين متفاعلين: تطور استقلال شبكاتها عن القيادة المركزية، وتطور قدرة السلطات على رصد العلاقات التي تضمَن استمرار التنسيق بينها.

المراجع:

  1. اليوم السابع، فرنسا تتخذ إجراءات قانونية ضد تنظيم الإخوان الإرهابي، 23 مايو 2026، https://shorturl.at/6RDzS
  2. US Department of the treasury, Treasury Disrupts Muslim Brotherhood and Hamas Financial Networks, July 23, 2026, https://shorturl.at/8SPlt
  3. ORF News, Government ends cooperation with Derad, August 28, 2026, https://orf.at/stories/3440477/
  4. DERSTANDARD, Political Islam: Bauer wants to ban the Muslim Brotherhood, September 5, 2026, https://shorturl.at/lr4j7
  5. سكاي نيوز عربية، حزب أسترالي يدعو الحكومة لحظر تنظيم الإخوان، 18 سبتمبر 2026، https://shorturl.at/QLojv
  6. سكاي نيوز عربية، “ساعة الحظر”.. أوروبا توسع التحرك القانوني ضد الإخوان، 11 سبتمبر 2026، https://shorturl.at/bYuWr
  7. العين الإخباري، التمويل والتصنيف والملاحقة.. جلسة عاصفة ضد الإخوان في برلمان أوروبا،7أكتوبر2026، https://shorturl.at/YqUIN
  8. US Department of the treasury, Treasury Disrupts Muslim Brotherhood and Hamas Financial Networks, July 23, 2026, https://shorturl.at/8SPlt
  9. العين الإخبارية، أين ذهبت أصول الإخوان تحت ضغط الحظر؟، «العين الإخبارية» تكشف عن مسارات نقلها، 17سبتمبر2026، https://shorturl.at/A9QAG
  10. US Department of the treasury, Treasury Disrupts Muslim Brotherhood and Hamas Financial Networks, July 23, 2026, https://shorturl.at/8SPlt
  11. US Department of the treasury, Treasury Disrupts Muslim Brotherhood and Hamas Financial Networks, July 23, 2026, https://shorturl.at/8SPlt
  12. DERSTANDARD, Political Islam: Bauer wants to ban the Muslim Brotherhood, September 5, 2026, https://shorturl.at/lr4j7
  13. رجب المرشدي، أموال الإخوان الحرام و«الفريضة الغائبة» في محاسبة القيادات، بوابة روز اليوسف، 27 سبتمبر2026، https://shorturl.at/vxOd8
  14. Waleed Abdul Rahman, Two New Brotherhood Administrations, Leaderships Provoke Egypt’s Political Circles, Asharq Al-Awsat, November 19, 2022, https://shorturl.at/SD6MN
  15. Waleed Abdul Rahman, Two New Brotherhood Administrations, Leaderships Provoke Egypt’s Political Circles, Asharq Al-Awsat, November 19, 2022, https://shorturl.at/SD6MN
  16. وليد عبدالرحمن، “بيعة المرشد”… فصل جديد في صراع “إخوان الخارج” الانقسامات تتفاقم بعد عزل «جبهة لندن» لرجل “مجموعة إسطنبول“، الشرق الأوسط، 3فبراير2022، https://shorturl.at/n3sXj
  17. Waleed Abdul Rahman, Two New Brotherhood Administrations, Leaderships Provoke Egypt’s Political Circles, Asharq Al-Awsat, November 19, 2022, https://shorturl.at/SD6MN
  18. سامح فايز، هل نجحت العقوبات الدولية في إضعاف جماعة الإخوان؟، موقع حفريات، 30يوليو2026، https://shorturl.at/N8mrc
  19. وام، أمريكا تصنف “الإخوان المسلمين ” في مصر ولبنان والأردن على قائمة الإرهاب العالمي، 13يناير2026، https://shorturl.at/9yKzG
  20. US Department of the treasury, Treasury Disrupts Muslim Brotherhood and Hamas Financial Networks, July 23, 2026, https://shorturl.at/8SPlt
  21. العين الإخبارية، أين ذهبت أصول الإخوان تحت ضغط الحظر؟، «العين الإخبارية» تكشف عن مسارات نقلها، 17سبتمبر2026، https://shorturl.at/A9QAG
  22. هشام عبدالجليل، تمويلات ضخمة تحرك ماكينة الإخوان الإرهابية في الخارج.. من أين تأتى الملايين، ومن يدفع فاتورة المنصات الإعلامية والمؤتمرات والواجهات السياسية؟.. وخريطة أموال تكشف كيف يتحول التمويل إلى إعلام وتحركات سياسية خبيثة، اليوم السابع، 9سبتمبر2026، https://shorturl.at/DU6sR
  23. موقع حفريات، هكذا تحول الإخوان من تنظيم مركزي إلى شبكة خفية، 9 سبتمبر2026، https://shorturl.at/GiOvL