يعكس استمرار النشاط الإرهابي لتنظيم داعش في غرب أفريقيا تصاعدًا ملحوظًا في مستوى التهديد الذي يُمثّله التنظيم، في ظل مواصلته تنفيذ هجمات تستهدف المدنيين والقوات العسكرية والأمنية على حدٍّ سواء، ولاسيّما في نيجيريا والكاميرون والنيجر، حيث لم تَعُد هذه الهجمات تقتصر على الأنماط التقليدية للعمليات الإرهابية، وإنّما شهدت تطورًا في طبيعتها وتكتيكاتها، بما يعكس سعي التنظيم إلى تعزيز قدراته العملياتية، وتوسيع نطاق نشاطه الجغرافي.
وفي هذا الإطار، كان تنظيم داعش قد أعلن، عبر مجلّته الأسبوعية «النبأ»، في عددها رقم (559) الصادر في 5 أغسطس 2026، وتحت عنوان «حصاد الجهاد في غرب أفريقيا»، عن تنفيذ 72 هجومًا في الدول الثلاث سالفة الذكر، خلال أقل من 50 يومًا، أسفرت، وفق رواية التنظيم، عن مقتل وإصابة 110 أشخاص، من بينهم عناصر في الجيش والشرطة وميليشيات موالية للحكومات، وكان من بين أبرز هذه العمليات الهجوم على ثكنة للجيش النيجيري في ولاية بورنو، الذي أسفر عن وقوع قتلى وجرحى في صفوف القوات الحكومية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في ضوء ما تشير إليه المعطيات التي تكشف عن تنامي القدرات التنظيمية والعملياتية للتنظيم في غرب أفريقيا، سواء من خلال تطوير أساليب الهجوم، أو توظيف وسائل تقنية حديثة، أو الاستفادة من البيئة الجغرافية والأمنية في منطقة حوض بحيرة تشاد، فضلًا عن قدرته على استقطاب عناصر جديدة والحصول على الأسلحة والمعدات العسكرية. ويطرح هذا التصاعد تساؤلات حول العوامل التي مكّنت التنظيم من الحفاظ على قدرته على العمل وإعادة إنتاج نشاطه، رغم الضغوط العسكرية والأمنية المتواصلة التي تستهدف وجوده.
ولا تقتصر دلالات هذا التصاعد على البعد الأمني الداخلي لدول المنطقة، وإنّما تمتد إلى البعد الإقليمي، في ظل سعي تنظيم داعش لترسيخ وجوده في غرب أفريقيا، وتحويل المنطقة إلى مجال نفوذ حيوي ضمن استراتيجيته الأوسع، بالتوازي مع التنافس القائم بينه وبين تنظيم القاعدة على توسيع دوائر النفوذ والحضور الجهادي في القارة الأفريقية، ومن ثم فإن دراسة تطورات التنظيم وقدراته وتكتيكاته والعوامل التي تساعده على الاستمرار تكتسب أهمية في فهم طبيعة التهديد، الذي بات يُمثّله داعش في غرب أفريقيا، وتقدير التداعيات المحتملة لاستمرار هذا التصاعد على أمن دول المنطقة واستقرارها.
أولًا: تنظيم إرهابيٌّ غير تقليدي
برز حضور تنظيم داعش في نيجيريا خاصة، وفي منطقة غرب أفريقيا بشكل عام، عقب مبايعة جماعة «بوكو حرام» لتنظيم داعش عام 2014، وما ترتب على ذلك من إعادة تشكيل المشهد التنظيمي للجماعات الإرهابية في المنطقة، وفي أعقاب المبايعة، تولى «أبو بكر شيكاو» قيادة داعش في نيجيريا، قبل أن تطرأ تحولات داخلية أدت إلى الإطاحة به لمصلحة «أبو مصعب البرناوي»، الذي سعى إلى تقديم نفسه باعتباره نموذجًا مختلفًا عن سلفه، حيث تعهد بعدم استهداف الأسواق والمساجد التي يرتادها المسلمون السنّة في شمال نيجيريا؛ في محاولة لتقديم نفسه وتنظيمه بوصفهما أكثر ارتباطًا بالسكان المحليّين.
وعلى الرغم من تمتُّع تنظيم «ولاية غرب أفريقيا» بنفوذ ملحوظ في شمال نيجيريا، فإن مقتل زعيم «بوكو حرام»، أبو بكر شيكاو، في يونيو 2021، شكّل نقطة تحول مهمة في مسار التنظيم وتطور قدراته العسكرية والتنظيمية، حيث آلت إليه نسبة كبيرة من المقاتلين والأسلحة والموارد التي كانت بحوزة جماعة شيكاو، كما اكتسب التنظيم مزيدًا من القوة عقب مبايعة عدد من المجموعات الموالية لزعيمه السابق؛ ما أدى إلى تعزيز قاعدة التنظيم البشرية والعسكرية، فقد كان الصراع بين تنظيم «ولاية غرب أفريقيا» والمجموعات الموالية لأبو بكر شيكاو يستنزف جزءًا كبيرًا من قدرات التنظيم وموارده البشرية والعسكرية والتنظيمية، ويحدّ من قدرته على توجيه إمكانياته نحو توسيع نطاق نشاطه[1].
وبالتالي، فإن انتهاء هذا الصراع أتاح للتنظيم فرصة لإعادة ترتيب أولوياته، وتكريس قدر أكبر من موارده لتعزيز حضوره الميداني وتوسيع نطاق نفوذه الجغرافي، فضلًا عن تطوير قدرته على التخطيط وتنفيذ العمليات الإرهابية داخل نيجيريا وخارجها، ويكشف هذا التطور عن قدرة تنظيمية واضحة على استثمار التحولات الداخلية وإعادة توظيف الموارد البشرية والعسكرية المتاحة، الأمر الذي يخدم أهدافه الاستراتيجية.
وعلى الرغم من عدم توافر تقارير دقيقة تحدّد بصورة قاطعة حجم القوة البشرية لتنظيم «ولاية غرب أفريقيا»، فإن بعض التقديرات تشير إلى أن عدد مقاتليه يتراوح بين أربعة وخمسة آلاف مقاتل، ويمنح هذا الحجم البشري التنظيم قدرة نسبية على التوسع والانتشار في مناطق جديدة، ولاسيّما في منطقة بحيرة تشاد، التي تُمثّل بيئة جغرافية وأمنية مناسبة لنشاط الجماعات المسلحة والإرهابية، بالنظر إلى اتساع مساحتها وتشابك الحدود بين الدول المطلّة عليها، فضلًا عن صعوبة إحكام السيطرة الأمنية على بعض مناطقها[2].
ولم تكن الطفرة التي شهدتها قدرات تنظيم “داعش-ولاية غرب أفريقيا” ناتجة عن عوامل داخلية فحسب، وإنّما ارتبطت بتنامي علاقاته مع الشبكة العالمية للمجموعات الداعشية أيضًا، حيث أشارت بعض التقارير إلى ظهور عناصر أجنبية في صفوف التنظيم، فضلًا عن وجود مدربين قدّموا خبرات في مجالات مثل استخدام الطائرات المُسيّرة، والقتال الليلي، وتطوير أساليب الكمائن والهجمات على المواقع العسكرية، ويعكس ذلك تنامي الارتباط العملياتي بين ولاية غرب أفريقيا والشبكة العابرة للحدود لتنظيم داعش، وهو ما يتيح له الاستفادة من الخبرات والتجارب المتراكمة في ساحات صراع أخرى، وفي الوقت نفسه، تمكّن التنظيم من الحفاظ على وجوده في عدد من المناطق الريفية بولاية بورنو، مستفيدًا من قدرته على إدارة الموارد، وبناء أشكال من السيطرة المحلية[3].
ومن ناحية أخرى تشير التقارير إلى اعتماد التنظيم على فرض الإتاوات والضرائب في بعض المناطق الواقعة تحت نفوذه، إلى جانب تطوير هياكل تتولى إدارة جوانب مرتبطة بالموارد والأمن وتسوية النزاعات، وقد ساعدت هذه الآليات على توفير موارد مالية وبشرية تعزز قدرته على الاستمرار، ويمنحه قدرًا من الاستقلالية في مواجهة الضغوط العسكرية.
وعلى المستوى الجغرافي، تشير بعض المعطيات إلى سعي داعش لتوسيع نطاق نفوذه داخل ولاية بورنو والاحتفاظ بشبكات خارج معاقله التقليدية، فضلًا عن استقطاب عناصر من مناطق أخرى في نيجيريا، وهو ما يكشف عن توجّه نحو توسيع القاعدة البشرية والجغرافية للتنظيم، وعدم حصر نشاطه في منطقة حوض بحيرة تشاد؛ ما أسهم في تطور القدرات العسكرية والتقنية، وتنامي الخبرات العابرة للحدود، وتوافر الموارد المالية والبشرية، في تعزيز قدرة داعش-ولاية غرب أفريقيا على الصمود وإعادة إنتاج نشاطه، كما وفّرت هذه العوامل للتنظيم مقومات أكبر للتوسع خارج مناطق نفوذه التقليدية؛ ما يعزّز حضوره في غرب أفريقيا، ويمتد تأثيره إلى منطقة الساحل الأفريقي.
ثانيًا: ملامح تصاعد التهديدات الأمنية
شهد تنظيم ولاية غرب أفريقيا تحوّلًا لافتًا في تكتيكاته القتالية؛ ما يعكس تصاعد قدراته العملياتية وتنامي مستوى التهديد الذي يمثّله للقوات الحكومية، ولاسيّما في منطقة حوض بحيرة تشاد، ويتمثّل أبرز مظاهر هذا التحول في توظيف الطائرات المُسيّرة، التي انتقل التنظيم من استخدامها لأغراض الاستطلاع ورصد تحركات القوات وتوثيق عملياته الدعائية إلى تطويرها كوسائل هجومية، وجدير بالذكر أن التنظيم بدأ استخدام المُسيّرات منذ عام 2022 في جمع المعلومات وتصوير الأهداف العسكرية، قبل أن يشهد هذا الاستخدام تطورًا نوعيًّا في ديسمبر 2024، عندما نفّذ هجومًا باستخدام أربع مُسيّرات مسلحة محملة بقنابل يدوية استهدف قاعدة متقدّمة للجيش النيجيري في واجيروكو بمنطقة دامبوا شمال شرقي البلاد، وقد أسفر هذا الهجوم عن إصابة خمسة جنود[4].
ويمثّل هذا التطور مؤشرًا على قدرة التنظيم على توظيف التكنولوجيا الحديثة في تطوير أساليبه القتالية، بما يمنحه مزايا تكتيكية تتعلق بالمفاجأة، وتقليل المخاطر التي يتعرّض لها مقاتلوه، واستهداف القوات الحكومية من مسافات آمنة نسبيًّا، كما يزيد استخدام المُسيّرات من صعوبة التنبؤ بهجمات التنظيم والتصدي لها، ويضيف بعدًا جديدًا إلى التحديات الأمنية التي تواجهها دول غرب أفريقيا جراء هجمات داعش، وهو ما يعكس انتقال التنظيم تدريجيًّا من أساليب القتال التقليدية إلى أنماط أكثر تطورًا ومرونة.
وفي السياق ذاته، يجب لفت الانتباه إلى أن مقاتلي تنظيم «ولاية غرب أفريقيا» يتميزون بقدر ملحوظ من المهارة التنظيمية والخبرة في تنفيذ العمليات الإرهابية، وهي خبرة تراكمت لديهم نتيجة مشاركتهم السابقة في صفوف جماعة «بوكو حرام»، أو اكتسبوها بعد انضمامهم إلى تنظيم داعش ومبايعتهم له، وانعكست هذه الخبرات بصورة واضحة على طبيعة العمليات التي ينفّذها التنظيم، ولاسيّما قدرته على التخطيط لهجمات خاطفة وسريعة، واستغلال نقاط الضعف في الانتشار الأمني، ثم الانسحاب من مناطق العمليات قبل وصول التعزيزات الأمنية[5].
ويعتمد “داعش” أيضًا في جانب مهمّ من عملياته على عنصرَي الحركة والمرونة الميدانية، فضلًا عن العمل في مجموعات صغيرة تتكون في كثير من الأحيان من بضع عشرات من المقاتلين، حيث يساعد هذا النمط العملياتي التنظيم على تقليل فرص اكتشاف عناصره، والقدرة على التحرك بسرعة في المناطق ذات الطبيعة الجغرافية المعقدة، كما يتيح له تنفيذ عمليات متزامنة أو متقاربة جغرافيًّا باستخدام وحدات صغيرة، الأمر الذي يصعّب على القوات الحكومية توقّع اتجاهات الهجوم أو تحديد مركز الثقل العملياتي للتنظيم؛ وبالتالي، فإن محدودية حجم المجموعة المقاتلة لا تعني بالضرورة ضعف القدرة العملياتية، وإنّما قد تُمثّل جزءًا من استراتيجية تعتمد على اللامركزية النسبية والمرونة وسرعة الحركة[6].
وينشط تنظيم «ولاية غرب أفريقيا» بشكل رئيسي في نطاق جغرافي واسع يمتد لأكثر من 100 ميل بين ولايتَي بورنو ويوبي في شمال شرق نيجيريا، وتوفر هذه المساحة الجغرافية للتنظيم مجالًا للحركة وإعادة الانتشار، كما تساعده طبيعة المنطقة الحدودية والمناطق الريفية على استغلال صعوبة فرض سيطرة أمنية متكاملة عليها، كما تُعدّ غابة سامبيسا، الشاسعة والممتدة على مساحات واسعة من ولاية بورنو، المعقل التاريخي والملجأ الحصين لداعش وغيره من التنظيمات الإرهابية، ونظرًا إلى وعورتها، فقد شكلت الغابة لسنوات قاعدة خلفية ومراكز تدريب ومخازن أسلحة يصعب على الطيران الحربي رصدها بالكامل؛ ما يجعل عمليات التطهير البرّي المتواصلة التي يشنّها الجيش خيارًا حتميًّا لتفكيك بنية هذه التنظيمات، ولكنها تنطوي على مخاطرة كبيرة[7].
ثالثًا: أسباب استمرار تهديدات داعش في غرب أفريقيا
تتعدّد العوامل التي يستغلّها تنظيم داعش لتعزيز حضوره واستمرار تهديداته الأمنية في نيجيريا ودول غرب أفريقيا، مستفيدًا من طبيعة البيئة الجغرافية والأمنية والاجتماعية التي ينشط فيها. ويمكن تحديد أبرز هذه العوامل فيما يلي:
1. التمركز في منطقة بحيرة تشاد: تُمثّل منطقة بحيرة تشاد، التي تمتد أراضيها بين أربع دول أفريقية متجاورة، وهي: نيجيريا والنيجر وتشاد والكاميرون، بيئة ملائمة لنشاط التنظيمات المسلحة، وفي مقدّمتها داعش؛ نظرًا إلى طبيعتها الجغرافية المعقدة، التي تتكون من مسطحات مائية ومستنقعات وجزر صغيرة ومناطق وعِرَة يصعُب إحكام السيطرة الأمنية عليها، وهو ما أتاح لتنظيم ولاية غرب أفريقيا هامشًا واسعًا للحركة والانتشار والوصول إلى أراضي الدول الأربع، كما يُعدّ المثلث الحدودي بين النيجر ونيجيريا وتشاد، الواقع على الشاطئ الشمالي لبحيرة تشاد، من أكثر المناطق تعرّضًا للهجمات الإرهابية، ومن أبرز هذه الهجمات الهجوم الذي وقع في مارس 2020 وأسفر عن مقتل نحو 100 جندي تشادي، وهو ما دفع الرئيس التشادي آنذاك، إدريس ديبي، إلى إطلاق عملية عسكرية قادها بنفسه تحت اسم «غضبة بوما»؛ بهدف مواجهة الجماعات الإرهابية والقضاء على وجودها في المنطقة، إلا أن العملية لم تنجح في إنهاء التهديد بصورة نهائية .[8]
وفي إطار مواجهة هذا التهديد، أنشأت الدول المطلّة على بحيرة تشاد، إلى جانب بنين، في عام 2015، قوة متعدّدة الجنسيات لمكافحة الجماعات المسلحة، عُرِفت باسم «القوة المشتركة متعدّدة الجنسيات»، واتخذت من العاصمة التشادية نجامينا مقرًّا لقيادتها، وعلى الرغم من هذه الجهود، فإن البيئة الجغرافية للمنطقة ظلت توفر للتنظيمات المسلحة فرصًا للحركة، وإعادة الانتشار، وتجاوز الإجراءات الأمنية[9].
2. تطوير التكتيكات الهجومية: غالبًا ما تعتمد الجماعات الإرهابية في شمال شرق نيجيريا، على غرار جماعة «بوكو حرام»، على مجموعة من التكتيكات التقليدية، من أبرزها الكمائن، وهجمات الكرّ والفرّ، والعبوات الناسفة المحلية الصنع، رغم قدرة هذه الأساليب على إيقاع خسائر بشرية ومادية وإثارة حالة من عدم الاستقرار والخوف بين السكان، فإنها كانت أقل فاعلية في تهديد القواعد العسكرية المحصّنة بصورة مباشرة، إلا أن داعش أظهر خلال الفترة الأخيرة قدرة أكبر على تطوير تكتيكاته وتوظيف وسائل وتقنيات جديدة، مثل الحصول على معدات للرؤية الليلية؛ ما أتاح لعناصره تنفيذ عمليات أكثر تنسيقًا خلال ساعات الليل، مستفيدًا من انخفاض مستوى الرصد والاستجابة الجوية في بعض الفترات، كما اتّجه إلى توظيف الطائرات المُسيّرة التجارية وتعديل استخدامها لأغراض هجومية، من خلال تحميل بعضها بمواد متفجرة صغيرة وإطلاقها من مسافات بعيدة نسبيًّا لاستهداف مواقع القوات الأمنية والعسكرية.
إلى جانب ذلك، شهدت وسائل الحركة والتنقل الميداني للمقاتلين تطورًا ملحوظًا، مع تزايد الاعتماد على الدراجات النارية بدلًا من الاقتصار على استخدام المركبات العسكرية أو شاحنات الدفع الرباعي، وتوفر الدراجات النارية مزايا عملياتية متعدّدة، من بينها سهولة الحركة وصعوبة اكتشافها واستهدافها، فضلًا عن ملاءمتها لطبيعة التضاريس المعقدة في منطقة حوض بحيرة تشاد، بما تتضمنه من قرى ومناطق ريفية وأهوار وممرات يصعُب على المركبات الكبيرة التحرك عَبْرها[10]. وتشير هذه التطورات مجتمعةً إلى انتقال تدريجي في نمط العمليات الهجومية لتنظيم داعش من الاعتماد بصورة أساسية على الهجمات التقليدية إلى توظيف مزيج من التكتيكات والوسائل التقنية والمرونة الميدانية.
3. استغلال الهشاشة الحدودية: استفاد التنظيم من هشاشة الحدود بين نيجيريا والدول المجاورة، ولاسيّما اتساع المناطق الحدودية وصعوبة مراقبتها بصورة مستمرة، فضلًا عن محدودية الإمكانيات العسكرية والأمنية لبعض الدول المعنية. وقد ساعدت هذه الظروفُ التنظيمَ على التحرك عبر الحدود والتسلّل إلى أراضي الدول المجاورة وتنفيذ هجمات ثم العودة إلى مناطق نفوذه. وفي الإطار ذاته، تكتسب الحدود بين نيجيريا والكاميرون أهمية خاصة في نشاط التنظيم؛ إذ شهدت مناطق حدودية عدة هجمات نفّذتها عناصر تابعة لولاية غرب أفريقيا، كما حرص التنظيم على إبراز بعض هذه العمليات في إصداراته الدعائية، وهو ما يعكس أهمية النشاط العابر للحدود في استراتيجيته العملياتية، على غرار إعلان التنظيم، في يوليو 2026، أن مقاتليه هاجموا ثكنة للجيش الكاميروني في بلدة سامي بمنطقة ماروا مستخدمين الأسلحة الرشاشة، وأسفر الهجوم عن مقتل أحد عناصر القوة المستهدفة وإحراق إحدى الآليات.
ووفق رواية التنظيم، يأتي هذا الهجوم ضمن سلسلة من العمليات التي أعلن تنفيذها في أقصى شمال البلاد، وهي ثامن عملية يعلنها في 2026. وتشير البيانات التي نشرها داعش خلال عام 2026 إلى استمرار وتيرة الهجمات ضد الجيش الكاميروني، مع تركيز واضح على مناطق ماروا وداراك القريبتين من الحدود مع نيجيريا؛ فعلى سبيل المثال، أعلن التنظيم، في 4 يونيو 2026، مهاجمة قوة للجيش الكاميروني في قرية “أفاد” بمنطقة ماروا، وقال إن الهجوم أدى إلى فرار القوة وإحراق آليتها والاستيلاء على دراجتين ناريتين، وقبل ذلك، في 7 مايو 2026، أعلن قصف معسكر للجيش الكاميروني قرب بلدة بارغارام، بعد أقل من ثلاثة أسابيع من إعلانه، في 21 إبريل 2026، استهداف المعسكر نفسه، بما يعكس اعتماد التنظيم على تكرار استهداف المواقع العسكرية الثابتة لإرهاق القوات الحكومية.[11]
4. مواصلة الاستقطاب والتجنيد: يمتلك تنظيم ولاية غرب أفريقيا قاعدة بشرية كبيرة نسبيًّا مقارنة بعدد من التنظيمات المسلحة الأخرى في المنطقة، ولا تقتصر الموارد البشرية للتنظيم على العناصر لمنخرطة فعليًّا في صفوفه، وإنّما تمتد إلى قاعدة أوسع من المتعاطفين والمناصرين الذين يمكن استقطابهم وتجنيدهم، بما يوفر للتنظيم قدرة مستمرة على تعويض خسائره البشرية والحفاظ على مستوى مقبول من قدرته العملياتية، ويستفيد التنظيم في عمليات الاستقطاب من جملة من الظروف الاقتصادية والاجتماعية والأمنية السائدة في المناطق التي ينشط فيها، وفي مقدّمتها ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وضعف فرص العمل، وتراجع الخدمات الأساسية، فضلًا عن محدودية حضور مؤسّسات الدولة في بعض المناطق النائية والحدودية، وتوفر هذه الظروف بيئة يمكن للتنظيم استغلالها لتقديم نفسه لبعض الفئات؛ باعتباره مصدرًا للدخل والحماية والانتماء، مستفيدًا من هشاشة الأوضاع المعيشية والاجتماعية للسكان.
كما تشير بعض التقارير إلى لجوء “داعش” إلى تجنيد الأطفال واستغلالهم في بعض الأنشطة المرتبطة بعملياته، ولاسيّما في مناطق النزاع الممتدة حول حوض بحيرة تشاد، ويُمثّل هذا النمط من التجنيد أحد أخطر مظاهر استغلال التنظيم للفئات الأكثر هشاشة، فضلًا عن كونه وسيلة لتوسيع قاعدة موارده البشرية في البيئات التي تشهد اضطرابات أمنية مستمرة، ويضاف إلى ذلك ما يوفره التنظيم لبعض المنضمّين إليه من موارد مالية وحماية ومزايا مادية واجتماعية؛ ما قد يشكّل عامل جذب إضافيًّا، خصوصًا بين الشباب الذين يعيشون في بيئات تتسم بالفقر والتهميش وضعف الحضور المؤسّسي للدولة، ومن ثم، فإن قدرة داعش على استقطاب عناصر جديدة وتجديد موارده البشرية تُمثّل أحد العوامل الأساسية التي تفسّر قدرته على الصمود أمام العمليات العسكرية والأمنية، وتعويض جانب من خسائره، والحفاظ على قدرته على تنفيذ العمليات وتوسيع نطاق نشاطه[12].
5. تنوُّع مصادر التسليح: تُمثّل القدرة على الحصول على الأسلحة والمعدات العسكرية أحد العوامل الرئيسية التي أسهمت في تعزيز القدرات العملياتية لتنظيم ولاية غرب أفريقيا؛ إذ يعتمد التنظيم على مصادر متعدّدة لتأمين احتياجاته من الأسلحة والذخائر، مستفيدًا بصورة خاصة من البيئة الأمنية المضطربة في شمال شرق نيجيريا، ومن قدرته على استغلال نتائج العمليات العسكرية التي يخوضها ضد القوات الحكومية، ويأتي الاستيلاء على الأسلحة والمعدات العسكرية خلال مهاجمة المواقع التابعة للجيش النيجيري في مقدّمة مصادر التسليح التي يعتمد عليها “داعش”، فعقب السيطرة المؤقتة على بعض المواقع العسكرية أو انسحاب القوات الحكومية منها، يتمكّن مقاتلو التنظيم الإرهابي في بعض الحالات من الاستيلاء على كميات من الأسلحة والذخائر والمعدات، وإعادة توظيفها في عمليات لاحقة، ولا يُمثّل هذا الأسلوب مجرد وسيلة للحصول على الأسلحة، وإنّما يوفر للتنظيم قدرة على تعويض جزء من خسائره، وتعزيز مخزونه العسكري دون الاعتماد الكامل على مصادر خارجية، على غرار ما كشف عنه التنظيم في مجلته الأسبوعية «النبأ» في عددها رقم 295 الصادر في 15 يوليو 2021، أن عناصره نفّذت هجومًا على ثكنة تابعة للجيش النيجيري في منطقة لاسا بولاية بورنو، تمكّنت خلاله من الاستيلاء على عدد من المعدات العسكرية.
هذا بالإضافة إلى التعاون مع تجار ومهربي الأسلحة في دول المنطقة، وهو ما يوفر للتنظيم مصدرًا إضافيًّا للحصول على الأسلحة والذخائر؛ وبالتالي، تكشف قدرة داعش على تنويع مصادر التسليح عن المرونة في إدارة الموارد العسكرية والحفاظ على قدرته القتالية وتعويض خسائره، خصوصًا في ظل استمرار العمليات العسكرية ضده؛ وبالتالي، فإن الاستيلاء على المعدات العسكرية وإعادة استخدامها، إلى جانب مصادر التسليح الأخرى، يُمثّل أحد العوامل التي تفسّر قدرة “داعش” على الاستمرار في نشاطه المسلّح، رغم الضغوط الأمنية والعسكرية المتواصلة.[13]
الخاتمة
في ضوء ما سبق، يتّضح أن تصاعد تهديد تنظيم داعش-ولاية غرب أفريقيا لا يرتبط بزيادة وتيرة الهجمات فحسب، وإنّما يعكس تحولًا أوسع في قدراته التنظيمية والعسكرية والعملياتية، فقد تمكّن التنظيم الإرهابي، مستفيدًا من التحولات التي شهدتها بنية الجماعات المسلحة في المنطقة، من تعزيز قاعدته البشرية والعسكرية، وتطوير قدرته على استقطاب عناصر جديدة وتعويض خسائره، فضلًا عن تنويع مصادر حصوله على الأسلحة والمعدات وإعادة توظيف ما يستولي عليه خلال الهجمات على المواقع العسكرية، كما أسهمت البيئة الجغرافية والأمنية في منطقة حوض بحيرة تشاد في توفير مساحة ملائمة لحركة فرع داعش وإعادة انتشاره، بينما عززت قدرته على استخدام مجموعات صغيرة وسريعة الحركة، وتطوير تكتيكاته الهجومية وتوظيف الطائرات المُسيّرة، من قدرته على تجاوز جانب من أساليب المواجهة التقليدية.
وتشير هذه المعطيات مجتمعةً إلى أن الجماعة المسلحة باتت يُمثّل تهديدًا أمنيًّا يتجاوز الحدود النيجيرية، في ظل قدرته على تنفيذ عمليات في دول الجوار، كما أن استمرار مواصلة نشاطه على تجديد موارده البشرية والعسكرية وتطوير أدواته القتالية يمنحه قدرًا من المرونة يمكنه من التكيف مع الضغوط الأمنية والعسكرية وإعادة إنتاج نشاطه؛ وبالتالي، فإن احتواء التهديد الذي يُمثّله التنظيم يتطلب مقاربة أمنية وإقليمية متكاملة لا تقتصر على العمليات العسكرية، وإنّما تمتد إلى تعزيز الرقابة على الحدود، وتجفيف مصادر التسليح والتمويل، ومعالجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يستغلها التنظيم في عمليات الاستقطاب والتجنيد، ويظل نجاح هذه الجهود مرتبطًا بمدى قدرة دول المنطقة على تنسيق استجاباتها الأمنية، وتعزيز حضور مؤسسات الدولة في المناطق الهشة، والحيلولة دون تحوّل منطقة حوض بحيرة تشاد إلى مجال أكثر استقرارًا لنشاط التنظيم وتوسّعه الإقليمي.
[1] نيجيريا: تنظيم “الدولة الإسلامية” يؤكد مقتل زعيم “بوكو حرام”، أبو بكر شيكاو، موقع فرانس 24، بتاريخ 7 يونيو 2021، على الرابط: https://short-url.cc/1vJ6o
[2] دلالات ومآلات تنامي نفوذ “داعش” في غرب أفريقيا، موقع العين الإخباري، بتاريخ 4 أغسطس 2019، على الرابط: https://2u.pw/GGSjDA
[3] الفوضى تعمّ “داعش”-غرب أفريقيا بعد مقتل المينوكي، موقع إندبندنت عربية، بتاريخ 21 يوليو 2026، على الرابط: https://2u.pw/Q6ZyQv
[4] مُسيَّرات داعش تقلِب موازين المعركة في غرب أفريقيا، موقع صحيفة العرب، بتاريخ 2 إبريل 2025، على الرابط: https://2u.pw/qLk5fi
[5] هجمات جديدة بتشاد وتراجع أداء قوات مكافحة الإرهاب المشتركة، موقع الجزيرة نت، بتاريخ 21 أغسطس 2025، على الرابط: https://2u.pw/bcv707
[6] داعش غرب أفريقيا يستهدف القواعد العسكرية في منطقة بحيرة تشاد، موقع Africa Defense Forum، بتاريخ 12 أغسطس 2025، على الرابط: https://2u.pw/k5PT9b
[7] الجيش النيجيري يدمر معسكرات تابعة لـ”داعش”، موقع صحيفة الشرق الأوسط، بتاريخ 12 يونيو 2026، على الرابط: https://2u.pw/Fnxfqu
[8] جيش تشاد يعلن مقتل 26 من جنوده في هجوم لجماعة بوكو حرام، موقع الجزيرة نت، بتاريخ 6 أغسطس 2021، على الرابط: https://2u.pw/R0fLsN
[9] القوة المشتركة متعددة الجنسية تؤكد مقتل 20 إرهابيًّا في بحيرة تشاد، موقع صحيفة الشرق الأوسط، بتاريخ 1 مايو 2022، على الرابط: https://2u.pw/fWpMRl
[10] معارك منسية: صعود خلافة داعش في بحيرة تشاد، موقع مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، بتاريخ 17 أغسطس 2025، على الرابط: https://2u.pw/raa3je
[11] الكاميرون.. جبهة جديدة لتعزيز نفوذ داعش في غرب أفريقيا، موقع زاد التباين، بتاريخ 30 يوليو 2026، على الرابط: https://2u.pw/UgVYcv
[12] أطفال في ساحات القتال.. “داعش غرب أفريقيا” يوظف القُصّر لإعادة إنتاج الإرهاب في نيجيريا، موقع حفريات، بتاريخ 18 مارس 2026، على الرابط: https://2u.pw/8Oh3Ge
[13] الإرهابيون في نيجيريا يستكثرون من المُسيَّرات المسلحة المتوفرة للجميع، موقع frica Defense Forum، بتاريخ 10 مارس 2026، على الرابط: https://2u.pw/q4KEj0