تتمتع الصين والدول العربية بتاريخ من التبادل يمتد ألفي عام، حيث كان للتبادلات البشرية والتعاون التجاري بينهما تأثيرٌ كبير. وقد أسهم انتهاء الحرب الباردة، والتطور المستمر للعولمة، والتغيرات الكبرى في التصورات المتبادلة بين الجانبين في دفع التعاون السياحي الصيني-العربي نحو تحقيق تطورات جديدة باستمرار. ومنذ بداية القرن الحادي والعشرين، تعمّق التعاون السياحي الصيني-العربي بالتزامن مع الارتقاء بالتعاون الاستراتيجي بين الجانبين. ونظرًا إلى المستقبل، مع تقوية الإدراك المتبادل، وارتفاع التطلعات بشأن التعاون المشترك، فإن نطاق التعاون السياحي بين الجانبين سيتسع دون شك، وستكون نتائجه أكثر بروزًا، لاسيما في مجالات مثل السياحة الذكية، والحماية الرقمية للتراث الثقافي، والتجارب الغامرة، حيث يُتوقع أن تتوسع آفاق التعاون بشكل أكبر؛ ما يضع أساسًا إنسانيًّا أكثر متانة لبناء مجتمع المستقبل المشترك الصيني-العربي.
أولًا: التاريخ والوضع الراهن للتعاون السياحي الصيني-العربي
أقامت الصين والعالم العربي علاقات مباشرة في وقت مبكر جدًّا، حيث قام عدد من الرحَّالة العرب والصينيين القدماء بتبادل زيارة بلدانهم عبر طريق الحرير البري أو البحري، تاركين وراءهم بعض الوثائق والكتب القديمة المشهورة؛ ومنها كتب «أخبار الصين والهند» في القرن التاسع، و«تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» في القرن الرابع عشر، بالإضافة إلى «سجل الرحلة» (جينغ شينغ جي/经行记) لدو خوان في عهد أسرة تانغ، و«موجز البلدان البحرية» (داوي تشي لوي/岛夷志略) في عهد أسرة يوان.. إلخ[1]. وفي القرن الخامس عشر، قاد البحَّار الصيني تشنغ خه، من عهد أسرة مينغ، أسطولًا ضخمًا في سبع رحلات بحرية إلى المحيط الغربي، ووصل إلى شبه الجزيرة العربية مرات عدة؛ ما أوصل التبادلات بين الجانبين على طريق الحرير القديم إلى ذروتها التاريخية. وفي منتصف القرن التاسع عشر وأواخره، تحولت العديد من دول آسيا وأفريقيا إلى مستعمرات أو شبه مستعمرات غربية؛ ما أثر إلى حد ما على التبادل والتعاون بين الصين والعالم العربي. وبعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، كان العالم العربي يخوض في الفترة نفسها مرحلة النضال من أجل التحرر الوطني والاستقلال. ومن عام 1956 إلى عام 1990، أكملت بكين إقامة العلاقات الدبلوماسية مع جميع الدول العربية البالغ عددها 22، وبدأت العلاقات السياحية الثنائية في التطور تدريجيًّا. أما انتهاء الحرب الباردة، والتطور المستمر للعولمة، والتغيرات الكبرى في التصورات المتبادلة بين الجانبين، فقد دفعت التعاون السياحي بين الجانبين إلى مرحلة جديدة.
منذ بداية القرن الحادي والعشرين، حقق التعاون السياحي بين الصين والدول العربية تطورات جديدة باستمرار. ومنذ انعقاد المؤتمر الوزاري الأول لمنتدى التعاون الصيني- العربي في 2004، يشهد عدد السياح المتبادلين بين الجانبين نموًّا مستقرًّا ومتواصلًا[2]. وفي عام 2013، طرح الرئيس شي جين بينغ مبادرة “الحزام والطريق”، التي لم تنل فقط موافقة متزايدة من الدول العربية، بل وجدت أيضًا صدىً قويًّا مع الاستراتيجيات التنموية ومعظم الاستراتيجيات السياحية لدى تلك الدول[3]؛ ما أعطى دفعة قوية للتعاون السياحي الثنائي. وفي عام 2016، تم اعتماد «وثيقة سياسة الصين تجاه الدول العربية»[4]، التي تشجع بنشاط الأقسام السياحية والشركات السياحية في الجانبين على الترويج المتبادل للموارد والمنتجات السياحية؛ بهدف تعميق التعاون السياحي. ومنذ انعقاد القمة الصينية-العربية الأولى في 2022، وفي إطار ” الإجراءات الثمانية المشتركة”، يعمل الجانبان على تعزيز التعاون بين 500 مؤسسة ثقافية وسياحية، وتدريب 1000 من الكوادر الثقافية والسياحية لمصلحة الدول العربية[5]. وفي مايو 2024، اعتمد المؤتمر الوزاري العاشر لمنتدى التعاون الصيني-العربي «الخطة التنفيذية لمنتدى التعاون الصيني-العربي للفترة 2024-2026» التي تؤكد تعزيز التعاون في مجالات متعددة، بما فيها السياحة.[6]
وقد حققت الصين، حتى الآن، “تغطية شاملة” للإعفاء من التأشيرة تجاه جميع دول مجلس التعاون الخليجي، كما منحت العديد من الدول العربية تسهيلات في إجراءات التأشيرة بدرجات متفاوتة للمواطنين الصينيين؛ مثل توقيع كل من الإمارات العربية المتحدة وقطر اتفاقية للإعفاء المتبادل من التأشيرة مع الصين، وتطبيق سلطنة عُمان سياسة الإعفاء من التأشيرة للمواطنين الصينيين عند الدخول لمدة 14 يومًا، ومنح لبنان تأشيرة مجانية عند الوصول لحاملي جوازات سفر عادية سارية المفعول لأكثر من 6 أشهر. ووفقًا لبيانات تقرير «حجم وحصة وتوقعات سوق السفر الخارجي لدول مجلس التعاون الخليجي»، فقد تجاوز عدد مواطني دول الخليج الذين زاروا الصين للسياحة 150 ألف شخص في 2025، بزيادة سنوية تجاوزت 100%[7]. ويصادف عام 2026 الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين والدول العربية، كما أنه العام الذي تستضيف فيه بكين القمة الصينية-العربية الثانية؛ ما سيدفع بالتعاون السياحي الصيني-العربي نحو تحقيق تطورات جديدة كبيرة.
ثانيًا: السمات البارزة للتعاون السياحي بين الصين والدول العربية
في إطار التعاون الشامل بين الصين والدول العربية، تجاوز التعاون السياحي النطاق الاقتصادي التقليدي ليصبح وسيطًا مهمًّا يقود التعاون الثنائي، ويعزز الثقة المتبادلة بين الجانبين. وعلى مدى السنوات السبعين الماضية، كان التطور المستقر والمستدام للتعاون السياحي الصيني-العربي نتيجةً للجهود المشتركة التي بذلها الجانبان ودفعهما المتواصل لهذا التعاون.
أ- الاهتمام بالتوجيه الرسمي والتخطيط الاستراتيجي من أعلى المستويات: يُعِدّ الجانبان التعاون السياحي جزءًا مهمًّا من التعاون الثنائي. وبالاعتماد على آليات متعددة الأطراف؛ مثل منتدى التعاون الصيني-العربي والقمة الصينية-العربية، بالإضافة إلى آليات التعاون الثنائي بين بكين ودول عربية محددة، فإن الجانبين لم يحددا متطلبات واضحة للتعاون السياحي الثنائي فحسب، بل أقاما أيضاً آليات متنوعة لتعزيز التنمية السياحية. على سبيل المثال، في 30 مايو 2024، أشار الرئيس الصيني شي جين بينغ، في كلمته الافتتاحية للمؤتمر الوزاري العاشر لمنتدى التعاون الصيني-العربي، إلى “السعي لتحقيق زيارة متبادلة قدرها 10 ملايين سائح خلال السنوات الخمس المقبلة”[8]. كما أنشأ الجانبان آليات؛ مثل مؤتمر رجال الأعمال والاستثمار لمنتدى التعاون الصيني-العربي في 2004[9]، ومؤتمر منظمي الرحلات السياحية الصيني-العربي في 2013[10]، ومعرض السياحة بين الصين ودول الخليج العربي في 2025[11]؛ ما وفر منصات تواصل جيدة للتعاون السياحي الصيني-العربي. كما قامت الهيئات السياحية الرسمية في دول عربية مثل السعودية وسلطنة عمان وتونس بإنشاء مكاتب تمثيلية في الصين؛ لدفع التعاون السياحي مع بكين بطريقة محلية. والأكثر بروزًا أن الدول العربية، عند تخطيط استراتيجياتها للتعاون مع الصين، تُدرج تعميق التعاون السياحي كمؤشر مهم، وصولًا إلى تحديد أهداف التعاون بشكل كمي. فمصر، على سبيل المثال، تسعى لاستقبال 3 ملايين سائح صيني سنويًّا بحلول عام 2028[12]، فيما تستهدف السعودية استقبال 5 ملايين سائح صيني بحلول عام 2030[13].
ب- تجاوز مجرد التفكير في جذب السياح من الجانب الآخر إلى العمل بنشاط على بناء منظومة استقبال سياحي صديقة لسياح الطرف الآخر. من الجانب الصيني، تعمل الحكومة بنشاط على تحسين تسهيلات الدفع في مختلف السيناريوهات السياحية، وتركز على تصميم خطوط ومنتجات سياحية مميزة للسياح العرب، وتسعى جاهدة لتحسين الخدمات مثل المطاعم والطرق واللافتات في المواقع السياحية، وسرد القصص الصينية بشكل جيد، والتعمّق في القيم المشتركة من التاريخ التفاعلي بين الصين والعرب لبناء سردية مشتركة. أيضًا، تقوم الهيئات السياحية الصينية الرسمية والمؤسسات السياحية بالترويج بنشاط لثلاث ميزات سياحية رئيسية لجذب السياح العرب إلى بكين، وهي “السياحة + الثقافة”، و”السياحة + الطيران” و”السياحة + التكنولوجيا”؛ بهدف جذب السياح العرب ذوي القيمة العالية. الجدير بالذكر أن الجانب الصيني لا يقتصر على تعزيز الترويج السياحي عبر الإنترنت للدول العربية والمشاركة في المعارض السياحية التي تقام فيها، بل يركز أيضًا على دعوة مجموعات من المؤثرين العرب من الإمارات وغيرها لزيارة الصين والترويج لها. ومما لا شك فيه أن هذه الإجراءات عززت إلى حد كبير اهتمام السياح العرب بزيارة الصين. من الجانب العربي، تقوم الدول العربية بتحديد شرائح المجتمع الصيني المختلفة بدقة وتعديل سياساتها وفقًا لذلك؛ فمثلًا، تقدم الإمارات برامج سياحية مخصصة وشخصية للسياح الصينيين، وتركز السعودية على التجربة السياحية للصينيين من خلال تحسين اللافتات باللغة الصينية، وزيادة عدد المرشدين السياحيين الناطقين بها، وتعمل بعض الدول العربية على زيادة جذب السياح الصينيين خلال الأعياد الصينية التقليدية مثل عيد الربيع. كما تتزايد جهود التسويق والترويج السياحي العربي في الصين، بل وصل الأمر إلى التعاون مع منصات السفر الإلكترونية مثل «سي تريب» (Ctrip) لدفع طرح المنتجات وتوسيع الترويج في السوق، وربط قنوات التسويق والتوزيع لجذب المزيد من الزوار الصينيين. بالإضافة إلى ذلك، تواصل شركات الطيران العربية توسيع رحلاتها المباشرة إلى الصين، ليس فقط بزيادة ملحوظة في عدد الرحلات المجدولة، ولكن أيضًا بتوسيع شبكة خطوطها باستمرار. وفي يوليو 2023، أصبح مطار الملك خالد الدولي في السعودية أول مطار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يحصل على شهادة “مرحبًا بالصين” السياحية[14].
ج- مشاركة غير مسبوقة لرأس المال الخاص والشركات الخاصة في التعاون السياحي الصيني-العربي؛ فقد أصبح رأس المال الخاص والشركات الخاصة بشكل متزايد مشاركًا قويًّا ومحركًا للتعاون السياحي بين الجانبين. من الجانب العربي، بعد إعلان بكين الإعفاء الكامل من التأشيرة لمواطني دول مجلس التعاون الخليجي، أطلقت شركة «كانو» (Kanoo) السياحية أربعة خطوط جديدة لـ”الرحلة إلى الصين”، وبدأت الترويج لرحلات متنوعة ومخصصة لمواطني الإمارات والبحرين والسعودية[15]، كما ركزت مجموعة الريس للسياحة على منطقة “خليج قوانغدونغ-هونغ كونغ-ماكاو الكبرى”، وقدمت منتجات سياحية راقية لخدمة هذه المنطقة. من الجانب الصيني، لا تقتصر العديد من الشركات السياحية الصينية على الاستثمار المبتكر في الدول العربية فحسب، بل تسعى أيضًا إلى رفع مستوى التعاون ونقل مقارها الرئيسية إليها. ففي أبريل 2023، وقّعت مجموعة هايتشانغ للحدائق المائية الصينية (Haichang/海昌海洋公园) مذكرة تفاهم مع وزارة الاستثمار السعودية لدفع مشروع إنشاء حديقة بحرية في السعودية بوصفها بلدًا صحراويًّا[16]. وفي أكتوبر 2025، أعلنت مجموعة «أوروي» (Aoray/奥瑞传媒) الإعلامية الصينية استثمار مليارَي ريال سعودي (نحو 533 مليون دولار أمريكي) في المملكة[17]، وستقوم بإنشاء مقر إقليمي لها هناك، والاستثمار في قطاعات السينما والسياحة والموضة. في هذا الصدد، صرح وزير السياحة السعودي، أحمد الخطيب، بأن الشركات الصينية لعبت دورًا مهمًّا في بناء المشاريع السياحية والفندقية في السعودية، وهي شريك مهم للمملكة في بناء “السعودية الجديدة”.
د- يزداد عمق الدمج بين السياحة والذكاء الاصطناعي بشكل واضح، ويتميز بتنوع سيناريوهات التطبيق التكنولوجي وتعدد مستويات التعاون؛ إذ تعمل القوى الإنتاجية الجديدة (وهي مفهوم صيني يشير إلى الإنتاجية المدفوعة بالابتكار التكنولوجي) باستمرار على تمكين التعاون السياحي الصيني-العربي؛ ما أدى إلى زيادة ملحوظة في التطبيقات التكاملية في المجالات ذات الصلة بـ”السياحة والذكاء الاصطناعي” بين بكين والدول العربية. ومن اللافت للانتباه بشكل خاص أن الجانبين ينتقلان تدريجيًّا من التبادلات الأكاديمية والاستفادة المتبادلة من النظريات إلى التعاون التطبيقي العملي؛ ما يشير إلى أن التعاون السياحي الصيني-العربي أصبح في طليعة العصر، بل ويقود اتجاهات التعاون السياحي الدولي. وبالمقارنة، فإن الدول العربية تركز نسبيًّا على التكنولوجيا والسوق الصينية، فيما تركز بكين على رأس المال والسوق العربية. ومنذ عام 2026، ازدادت الدراسات أو المشاريع التعاونية المتعلقة بـ”السياحة والذكاء الاصطناعي” بين بكين والدول العربية بشكل ملحوظ وحققت تأثيرًا كبيرًا. ففي يناير 2026، أطلقت شركة «أبولو غو» (Apollo Go/萝卜快跑)، بالتعاون مع شركة “أوتوغو” الإماراتية للنقل بالمركبات الذاتية القيادة، عملية تشغيل تجاري كامل للسيارات الذاتية القيادة بالكامل في أبوظبي، حيث يمكن للسكان المحليين والسياح استدعاء السيارات الذاتية القيادة بالكامل عبر تطبيق “أوتوغو”[18]. وفي فبراير 2026، طورت شركة سي شيانغ وو شيان (Sixiang Wuxian/思享无限) للتكنولوجيا الثقافية المحدودة مشروع منصة «AI Vista» ثنائية المحركات لنشر الثقافة الصينية في الخارج[19]، انطلاقًا من دبي؛ بهدف التوسع إلى السعودية ودول شرق أوسطية أخرى لتعزيز انتشار الثقافة الصينية. وفي فبراير 2026 أيضًا، زار الشيخ سلطان بن أحمد بن سلطان القاسمي، نائب حاكم الشارقة، رئيس مجلس الشارقة للإعلام، شنغهاي لدفع التعاون بين الإمارة وشنغهاي في مجال إنتاج الأفلام المعتمدة على الذكاء الاصطناعي[20]. فضلًا عن ذلك، فإن السعودية تسعى إلى الاستفادة من التكنولوجيا الرقمية الصينية؛ لتعزيز حماية التراث الثقافي والتنمية السياحية، خدمةً لـ«رؤية 2030».
ثالثًا: آفاق التعاون السياحي بين الصين والدول العربية
تجاوز التعاون السياحي الصيني-العربي النطاق التقليدي ليصبح مسارًا مهمًّا لتنفيذ مبادرة الحضارة العالمية، وبناء المجتمع الصيني-العربي المشترك للمستقبل. واستشرافًا للمستقبل، ومع تزايد الاعتراف المتبادل، وارتفاع التطلعات للتعاون المشترك بين الجانبين، فإن آفاق التعاون السياحي الثنائي واسعة، وستبني بلا شك نمطًا تعاونيًّا سياحيًّا ثنائيًا أكبر وأشمل، وتنتج تأثيرًا بشريًّا أكبر وأعمق
أ- الاهتمام المتبادل بسوق السياحة للطرف الآخر وتعميق التعاون السياحي يمثلان اتجاهًا بارزًا؛ فلم تعد السياحة جانبًا ثانويًّا في التعاون الاستراتيجي الصيني-العربي، وإنما أصبحت أحد المحركات المهمة التي تدعم هذا التعاون. وفي عام 2026، ستستضيف بكين القمة الصينية-العربية الثانية، وكذلك القمة الثانية بين الصين ومجلس التعاون لدول الخليج العربية [21]؛ ما سيعزز بلا شك التعاون السياحي الصيني-العربي بشكل كبير. وبصفتها أكبر سوق للسياحة الخارجية في العالم، فقد سجّلت الصين 167.92 مليون رحلة خارجية لمواطنيها في عام 2025؛ منها 161.66 مليون رحلة للسياحة الخاصة؛ ما يمثل دون شك سوقًا سياحية ضخمة للدول العربية[22]. ومن الطبيعي أن يصبح جذب الزوار الصينيين وزيادة الإيرادات السياحية من الصين خيارًا حتميًّا للدول العربية. بالنسبة لبكين، فإن السوق السياحية للدول العربية كبيرة جدًّا أيضًا؛ فوفقًا للتوقعات السوقية، فإنه من المتوقع أن يرتفع إجمالي إنفاق السفر الخارجي لدول مجلس التعاون الخليجي من 70.46 مليار دولار أمريكي في 2024 إلى 138.06 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2033.[23] إن جذب المزيد من الزوار من الدول العربية لا يوسّع الإيرادات السياحية فحسب، وإنما يعمل أيضًا على تعزيز فهم المواطنين في الدول العربية للصين، وتقديرهم للاشتراكية ذات الخصائص الصينية. بالإضافة إلى ذلك، فإنه يمكن أن يعزز بشكل مستمر فعالية سرد القصص للعالم العربي، وتحسين كفاءة الانتشار إلى العالم العربي، وكذلك تعزيز مكانة الخطاب الدولي بشكل أكبر.
ب- تحسين تجزئة السوق السياحية الثنائية الاتجاه، وتعزيز بناء نظام الاستضافة السياحية إجراءان عمليان؛ فلن تعتمد تجزئة السوق السياحية في المستقبل على تقسيمات بسيطة، مثل الرحلات الجماعية أو السياحة المستقلة، بل ستقوم على تحديد دقيق بناءً على غرض الرحلة ومستوى الإنفاق ودوائر الاهتمام. على سبيل المثال، قد يتركز استهداف الدول العربية للسياح الصينيين على فئات، مثل سياح الرفاهية الفاخرة، وسياح الأعمال، وسياح السياحة المتخصصة، والسياح الموسميين الباحثين عن تجارب جديدة. وفي مايو 2026، ستُعقد “قمة السياح الصينيين” في أبوظبي[24]؛ ما سيسهم في تعزيز التعاون السياحي بين الإمارات والصين. فيما تميل بكين إلى تقديم خدمات سياحية “شاملة” للسياح العرب، ووضع برامج سياحية مخصصة مثل رجال الأعمال، والسياحة، والعائلة، وغيرها من السياحة الموضوعية المخصصة لزوار الدول العربية. وقد يتم أيضًا النظر في توسيع سياسة الإعفاء من التأشيرة من جانب واحد لتشمل المزيد من الدول العربية، وزيادة تبسيط إجراءات طلب التأشيرة، مع العمل في الوقت نفسه على تعزيز تسهيلات الدفع، وتوفير المزيد من اللافتات باللغة العربية؛ لتحسين تجربة السياح العرب في أثناء وجودهم بالصين.
ج- تعميق التعاون في مجالَي السياحة والذكاء الاصطناعي هو دعم قوي لتعزيز التعاون السياحي الثنائي الاتجاه، ورفع جودته وكفاءته باستمرار، ومن الضروري تقوية التمكين التكنولوجي لتقديم خدمات شخصية وعالية الجودة بشكل أفضل. وسيعمل الجانبان الصيني والعربي على توسيع مساحة التعاون السياحي بشكل أكبر في مجالات مثل السياحة الذكية، والحماية الرقمية للتراث الثقافي، وتجارب الانغماس التفاعلي، خاصةً دفع التعاون السياحي الثنائي نحو التوجهات الذكية والخضراء والمندمجة لعكس خصائص مثل الدفع التكنولوجي واتخاذ القرارات العلمية والمراعاة البيئية، وتحقيق التنمية المنسقة بين السياحة والمجالات الأخرى، والاستفادة الكاملة من المعدات الرقمية المتطورة والخبرات التقنية الصينية لدفع التعاون في مجالات متعددة، مثل التنقيب الأثري المشترك، والمعارض الرقمية، وتدريب الكفاءات، والبناء المشترك للمنصات لتعميق التبادل الحضاري والتنمية السياحية المشتركة، وتجاوز القيود التقليدية للسياحة بشكل أكبر، والمساعدة على الارتقاء بتجارب السفر للسياح الصينيين والعرب من حيث الحواس والإدراك والمشاعر، والانتقال من المشاهدة السلبية إلى “الاستكشاف الغامر”، ومن الزيارة العابرة إلى الاندماج العميق؛ لإعادة تشكيل الاتجاه المستقبلي للتعاون السياحي الصيني-العربي باستمرار.
[1] وزارة الخارجية لجمهورية الصين الشعبية: «تقرير التعاون الصيني-العربي في العصر الجديد»، 2022/12/1، https://www.mfa.gov.cn/web/ziliao_674904/zcwj_674915/202212/t20221201_10983991.shtml، 2026/3/20.
[2] وزارة الخارجية لجمهورية الصين الشعبية: «لي تشاو شينغ يحضر الاجتماع الوزاري الأول لمنتدى التعاون الصيني-العربي»، 2004/9/14، https://www.mfa.gov.cn/web/gjhdq_676201/gjhdqzz_681964/lhg_682830/zwbd_682850/200409/t20040914_9387168.shtml، 2026/3/20.
[3] وزارة الخارجية لجمهورية الصين الشعبية: «تقرير التعاون الصيني-العربي في العصر الجديد»، 2022/12/1، https://www.mfa.gov.cn/web/ziliao_674904/zcwj_674915/202212/t20221201_10983991.shtml، 2026/3/20.
[4] وزارة الخارجية لجمهورية الصين الشعبية: «وثيقة سياسة الصين تجاه الدول العربية (النص الكامل)»، 2016/1/13، https://www.mfa.gov.cn/web/zyxw/201601/t20160113_336300.shtml، 2026/3/20.
[5] «شي جين بينغ يطرح “الإجراءات الثمانية للعمل المشترك” للتعاون العملي الصيني-العربي في القمة الأولى بين الصين والدول العربية»، 2022/12/10، https://www.mfa.gov.cn/wjdt_674879/gjldrhd_674881/202212/t20221210_10988453.shtml، 2026/3/20.
[6] وزارة الخارجية لجمهورية الصين الشعبية: «الاجتماع الوزاري العاشر لمنتدى التعاون الصيني-العربي يعتمد سلسلة من الوثائق النهائية»، 2024/5/30، https://www.fmprc.gov.cn/wjb_673085/zzjg_673183/xws_674681/xgxw_674683/202405/t20240530_11349852.shtml، 2026/3/20.
[7] «في عام 2025، زاد عدد الوافدين إلى الصين من دول الخليج بنسبة 100%»، 2026/1/19، https://uaeccc.org/in-2025-the-number-of-arrivals-in-china-from-gulf-countries-increased-by-100/، 2026/3/20.
[8] وزارة الخارجية لجمهورية الصين الشعبية: «الكلمة الرئيسية لشي جين بينغ في افتتاح الاجتماع الوزاري العاشر لمنتدى التعاون الصيني-العربي (النص الكامل)»، 2024/5/30، https://www.fmprc.gov.cn/zyxw/202405/t20240530_11314451.shtml، 2026/3/20.
[9] «منتدى التعاون الصيني-العربي»، 2025/11، https://www.mfa.gov.cn/web/gjhdq_676201/gjhdqzz_681964/zalt_682806/jbqk_682808/، 2026/3/20.
[10] «مؤتمر منظمي الرحلات الصيني-العربي سيبني منصة جديدة للترويج لموارد السياحة الثقافية»، 2023/9/11، https://www.gov.cn/yaowen/liebiao/202309/content_6903323.htm، 2026/3/20.
[11] «نجاح انعقاد معرض الصين ودول مجلس التعاون الخليجي للسياحة 2025»، 2025/9/28، http://www.chinaarabcf.org/zagx/rwjl/202509/t20250928_11718671.htm، 2026/3/20.
[12] «مقابلة حصرية: نأمل استقبال 3 ملايين سائح صيني سنويًّا بحلول 2028 – مقابلة مع وزير السياحة والآثار المصري أحمد عيسى»، 2023/11/28، http://www.chinatoday.com.cn/chinafrica/202311/t20231128_800350134.html، 2026/3/20.
[13] «مقابلة حصرية: الصين شريك مهم لتطوير السياحة في السعودية – مقابلة مع وزير السياحة السعودي أحمد الخطيب»، 2025/11/10، http://www.xinhuanet.com/world/20251110/9489d108ed3e42999f967fce248a2ec9/c.html، 2026/3/20.
[14] «مطارات السعودية تحصل على اعتماد “مرحبًا بالصين”، وتعميق الروابط الاقتصادية بين الصين والسعودية»، 2023/7/31، http://www.cankaoxiaoxi.com/، 2026/3/20.
[15] «نظرة على الشرق الأوسط: الجاذبية الثقافية ودعم الإعفاء من التأشيرة يجعلان الصين وجهة مفضلة جديدة لسياح الخليج»، 2025/7/9، https://content-static.cctvnews.cctv.com/snow-book/index.html?item_id=15113195137137768535، 2026/3/20.
[16] «حديقة هايتشانغ البحرية توقّع مذكرة تعاون مع وزارة الاستثمار السعودية»، 2023/4/12، https://www.bjnews.com.cn/detail/1681309086169523.html، 2026/3/20.
[17] «السعودية تعلن استثمارات ثقافية تقارب مليار دولار، وشركات صينية تشارك في بناء مركز إقليمي للترفيه والسياحة»، 2025/10/3، https://finance.sina.cn/2025-10-03/detail-infsqpat9382724.d.html، 2026/3/20.
[18] «إطلاق خدمة التنقل ذاتي القيادة بالكامل من أبولو غو في أبوظبي»، 2026/1/18، https://www.cnstock.com/commonDetail/620941، 2026/3/20.
[19] «إدراج مشروع شركة سي شيانغ وو شيان ضمن قائمة مشاريع الحزام والطريق الرئيسية وارتفاع سعر السهم بنسبة 16.67% خلال 5 أيام»، 2026/2/27، http://www.eeo.com.cn/2026/0227/802677.shtml، 2026/3/20.
[20] «وفد إعلامي من الشارقة يزور محطة إذاعة وتلفزيون شنغهاي»، 2026/2/12، https://www.smg.cn/review/202602/0167121.html، 2026/3/20.
[21] وزارة الخارجية لجمهورية الصين الشعبية: «البيان الصحفي المشترك لاجتماع وزيري خارجية الصين والإمارات»، 2025/12/15، https://www.fmprc.gov.cn/wjbzhd/202512/t20251215_11772592.shtml، 2026/3/20.
[22] «النشرة الإحصائية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية في الصين لعام 2025»، 2026/2/28، https://www.stats.gov.cn/sj/zxfb/202602/t20260228_1962662.html، 2026/3/20.
[23] «من المتوقع أن يصل سوق السياحة الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي إلى 138.06 مليار دولار بحلول 2033»، 2025/12/27، https://www.omanobserver.om/article/1181710/oman/tourism/gcc-outbound-tourism-market-to-hit-13806-billion-by-2033، 2026/3/20.
[24] «قمة زوار الصين 2026 أبوظبي»، https://cvs.i2i-china.com/cvs-2026-abu-dhabi/، 2026/3/21.