الإخوان المسلمون: تجارب التمدد ومقاربات المواجهة – الجزء الثاني
من المؤكد أن الدول الوطنية، بمختلف أشكالها تعرف مدى خطورة جماعة الإخوان المسلمين على أمنها واستقرارها بسبب مشروعها التخريبي القائم على إثارة الفتن، وتوظيف الدين لخدمة أهدافها السياسية، وتجنيد الشباب للعمل ضد مجتمعاتهم ودولهم، إضافة إلى العمل على اختراق مؤسسات الدول التي تنشط بها للسيطرة عليها، وتسخيرها لأهدافها التنظيمية، وفي مقدمتها الوصول إلى الحكم الذي تعده الجماعة ركنا من أركان الدين. كما أن تهدید جماعة الإخوان لم يعد يقتصر على الدول الوطنية في العالمين العربي والإسلامي، وإنما تعداها إلى الدول الأوروبية التي بدأت تدرك مدى التهديد الذي تشكله الجماعة على أمنها واستقرارها وتماسكها الداخلي، وذلك في ظل سعي الجماعة الحثيث للتغلغل في المجتمعات الأوروبية من خلال استراتيجية مدروسة تعتمد فيها على مجموعة متنوعة من الأدوات؛ من بينها الأداة الدينية، والأداة الإعلامية، والمنصات الرقمية، والتطبيقات الإلكترونية، كذلك، تعتمد الجماعة في تمويل أنشطتها هناك على عدد من المصادر؛ بعضها قانوني، وبعضها الآخر غير قانوني كغسل الأموال والاتجار في العملات التي من الصعب تتبعها ومعرفة مصادرها.
أيضًا، أصبحت الجماعة تمثل تهديدا لبعض الدول الإفريقية، التي كانت تعتقد أنها بمنأى عن تلك التهديدات، وهو ما دفع بعضها إلى إعلان حظر الجماعة واعتبارها تنظيما إرهابيا، على غرار كينيا، التي أعلنت حكومتها رسميًا، في سبتمبر 2025 حظر جماعة الإخوان وحزب التحرير واعتبارهما منظمات إرهابية في خطوة وصفت بأنها جزء من سياسة الدولة لتشديد إجراءات مكافحة التطرف والإرهاب داخل البلاد.
ونظرًا لأن تهديدات الجماعة بالنسبة للدول تتخذ أشكالاً متعددة، بالنظر لقدرة الجماعة الكبيرة على التخفي والتلون وانتهاج مبدأ التقية السياسية والدينية، فإن التعامل الدولي مع جماعة الإخوان المسلمين بات يختلف من دولة إلى أخرى، بناء على عدد من المعطيات المهمة مثل الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية والأمنية في كل دولة، ومدى قوة الجماعة وانتشارها وتأثيرها في الشارع، وطبيعة أنشطتها وأهدافها. على سبيل المثال، فإن الطبيعة التنظيمية المعقدة للإخوان المسلمين في أوروبا فرضت نوعًا خاصا من التعامل مع الجماعة على خلاف الدول العربية التي تتمتع فيها الجماعة بنمط تنظيمي غالبًا ما يكون واضحا ومحددا؛ فالإخوان في أوروبا يتشكلون ضمن هيكل تنظيمي متعدد الطبقات والفروع، وينشطون في مجالات مدنية وخيرية ودينية وشبابية ونسائية ورياضية واقتصادية، وتحمل مؤسساتهم أسماء وكيانات ليس لها ارتباط واضح أو مُعلن مع جماعة الإخوان.
وفي حين أن الجماعة في الدول العربية توجد بشكل أكثر وضوحًا، ورغم تعدد مسمياتها وأشكالها، فإنها في الوقت نفسه تؤكد انتماءها الفكري للجماعة، وتتبنى بشكل واضح أهدافها التنظيمية وغاياتها الفكرية. ففي مصر، على سبيل المثال، توحد الجماعة باسمها الحقيقي وتتخذ من مصر مقرًا رئيسيا لها، ويوجد بها مكتب إرشاد الجماعة، الذي يعد بمنزلة أعلى جهاز تنفيذي للجماعة، ويوجه ما يسمى الهيئة التنفيذية العليا للجماعة، أو ما يطلق عليه إعلاميا التنظيم الدولي للإخوان المسلمين. أما في تونس، فتبرز الجماعة على الساحة مرتدية ثوب الحزبية السياسية، رغم أنها كانت قد ظهرت عام 1972، بمسمى «الجماعة الإسلامية» التي تحولت عام 1981 إلى حركة الاتجاه الإسلامي، ثم حولت اسمها إلى حركة النهضة سنة 1988، وعادت الجماعة للمشهد السياسي بقوة بعد إطاحة الرئيس زين العابدين بن علي في 14 يناير/ كانون الثاني 2011، حيث تم الاعتراف القانوني بالحركة حزبا سياسيا، وتصدرت المشهد وباتت من أبرز القوى السياسية في الساحة التونسية.