أكدت دراسة بحثية جديدة أصدرها «تريندز للبحوث والاستشارات»، أن التحول الرقمي أعاد تشكيل بيئة التطرف والراديكالية، محذرة من أن وسائل التواصل الاجتماعي والخوارزميات وغرف الصدى، إلى جانب الألعاب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي التوليدي، باتت توفر بيئة تساعد على تضخيم الأفكار المتطرفة وتسريع انتشارها وتوسيع فرص الاستقطاب والتجنيد.

وأوضحت الدراسة، التي أعدتها مريم الجنيبي، الباحثة في قطاع دراسات الإرهاب والتطرف في “تريندز للبحوث والاستشارات” أن الدعاية المتطرفة انتقلت خلال أقل من عقدين من المنشورات والأشرطة والخطب المسجلة إلى فضاء رقمي تفاعلي، يتيح للجهات المتطرفة قياس استجابة الجمهور وتعديل خطابها وفقاً لمستويات التفاعل. ولم يعد هذا النمط مقتصراً على التنظيمات الجهادية، بل امتد إلى التطرف اليميني والجماعات المعادية للمرأة وشبكات نظريات المؤامرة العابرة للحدود.
وأشارت الدراسة إلى أن الخوارزميات لا تصنع المتطرف من فراغ، لكنها قد تسرّع مساراً بدأ أصلاً بفعل عوامل اجتماعية ونفسية وسياسية، من خلال تكرار المحتوى الاستقطابي وتقليص فرص التعرض لوجهات نظر مخالفة، فيما تعزز غرف الصدى الشعور بالانتماء والاستقطاب.
وبينت الدراسة أن صناعة الهوية الرقمية تمثل حلقة أساسية في هذا المسار، إذ يمكن أن تتحول الأفكار من محتوى يتعرض له الفرد إلى هوية جماعية يدافع عنها، قبل أن ينتقل التواصل من المنصات المفتوحة إلى المحادثات الخاصة والتطبيقات المشفرة، بما يتيح بناء علاقات مباشرة مع الأفراد الأكثر استعداداً للتأثر.
وحذرت الدراسة من تنامي أهمية الألعاب الإلكترونية ومنصات الدردشة والبث المباشر بوصفها ساحات ناشئة للاستقطاب، مستشهدة بدراسة «Gaming the System» التي شملت 1,128 لاعباً في خمس دول، وأظهرت أن 51% من المشاركين واجهوا خطاباً أو سردية متطرفة أثناء ممارسة الألعاب متعددة اللاعبين، مع تعرض اللاعبين دون الثامنة عشرة بدرجة أكبر لبعض أنماط الخطاب المتطرف.
كما تناولت الدراسة التحديات الناشئة المرتبطة بـالذكاء الاصطناعي التوليدي، مشيرة إلى قدرته على تسهيل إنتاج وتخصيص المحتوى الدعائي المتطرف، مع رصد استخدام صور مولّدة بالذكاء الاصطناعي في حملات مرتبطة بالتطرف ونظريات المؤامرة، مؤكدة في الوقت نفسه أن استغلال هذه التقنيات من جانب الجماعات المتطرفة لا يزال في مراحل تجريبية نسبياً.
وأكدت الدراسة أن الانتقال من التعرض للمحتوى المتطرف إلى تبني الأفكار المتشددة أو العنف ليس مساراً حتمياً، بل يمر بمراحل محتملة تبدأ بالتعرض والتكرار، ثم الانتماء والتعبئة، وقد تصل في حالات محدودة إلى التصعيد والعنف. واستشهدت في هذا السياق بدراسات مؤسسة RAND Europe ومعهد العدالة الوطني الأمريكي، التي تؤكد أن الإنترنت لا تمثل عادة العامل الوحيد أو الحاسم في مسار التطرف.
ودعت الدراسة إلى تبني مقاربة متكاملة لمواجهة التطرف الرقمي، تشمل تعزيز الشفافية والمساءلة في أنظمة التوصية، ورفع مستوى الوعي والمهارات الإعلامية والرقمية لدى الشباب، وتطوير أدوات لرصد الخطاب المتطرف في بيئات الألعاب والمحادثات الصوتية، إلى جانب اعتماد مبدأ «الأمان بالتصميم» والإشراف البشري في تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وخلصت الدراسة إلى أن المنصات الرقمية لا تخلق التطرف من الصفر، لكنها قادرة على تضخيم جذوره وتسريع نموه، وأن التحدي الأكثر تعقيداً يتمثل في قدرتها على تحويل المحتوى المتطرف إلى علاقة اجتماعية وهوية جماعية وشبكة انتماء، الأمر الذي يجعل مواجهة الظاهرة مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل الأبعاد الوقائية والاجتماعية والتقنية والقانونية.