نشأت جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928 بوصفها أحد إرهاصات الارتباك الذي شهده العالم الإسلامي في أعقاب إلغاء الخلافة العثمانية عام 1924، وتجربة الحرب العالمية الأولى. وقد أثارت هذه التحولات جدالات فكرية وسياسية حول سؤال الهوية: أي دور سياسي ممكن للإسلام؟ وما مكانة المؤسسات الدينية داخل المجتمعات الحديثة ؟ ومن منظور اجتماعي وفكري مثلت جماعة الإخوان ظاهرة جديدة في العالم الإسلامي؛ إذ اجتمعت في مشروعها الأول عناصر دينية واجتماعية وسياسية بشكل غير مسبوق. ولم تكن وظيفتها المعلنة الدعوة إلى إصلاح الفرد والمجتمع، حسب رؤيتها للمنهج الإسلامي فقط، بل إلى إحداث تغيير كامل في مؤسسات الدولة والمجتمع. هذا الازدواج بين الدعوة الاجتماعية والسياسية هو ما أعطى تلك الجماعة المكانة في مجتمعاتها الأصلية، ولاسيما في مصر، ومن ثُمَّ تمددت منها إلى بلدان عربية وإسلامية أخرى.

كان للفراغ الرمزي الذي مثله سقوط الخلافة التركية تأثيره في الجماعة في نشأتها، ومشروعها، وتمددها، وحجم القبول الذي حظيت به في نشأتها الأولى، خاصة مع الفراغ الديني الذي اتسمت به تلك السنوات؛ وهو ما سهل تمدد الجماعة. لم تكن الجماعة منظمة سرية في العقود الأولى من تأسيسها فقط، بل كانت أيضًا مشروعًا يسعى إلى إعادة بناء المجتمع على مبادئ إسلامية متكاملة. كانت أنشطتها تمتد من حلقات التعليم والتربية إلى العمل الاجتماعي والخيري. ومع ذلك، اندمجت التنظيمات الإخوانية في العمل السياسي بسرعة؛ سواء عبر المشاركة في النقابات والاتحادات المهنية، أو النشاط الانتخابي في بعض البلدان؛ وهو ما جعلها واحدة من أهم الفاعلين في الساحة السياسية.

أهمية الجماعة لا تتوقف على انتشارها الجغرافي فقط، وإنما تمتد إلى العمق الاجتماعي والثقافي داخل المجتمعات. وفي أغلب الأوقات، كانت جماعة الإخوان بمثابة بديل للمؤسسات التقليدية في مجالات التعليم والخدمات الاجتماعية؛ وهو ما سمح لها باكتساب قاعدة شعبية واسعة في أوساط الطبقات المتوسطة والفقيرة. وقد أثرت هذه الخدمات في إمكانية تحالف الجماعة مع قطاعات واسعة من المجتمع، وجعلتها لاعبا لا يمكن تجاهله في المشهد الاجتماعي والسياسي.