لــم تعــد التحــوالت الكبــرى فــي العــالم تحــدث فــي مســارات منفصلــة. فالتكنولوجــيا تعيــد تشــكيل األمــن، واألمــن يعيــد تعريــف االقتصــاد، والمنــاخ يفــرض نفســه علــى الغــذاء والميــاه، فيمــا تتقــدم العلــوم والفضــاء والــذكاء االصطناعــي والرقائــق اإللكترونيــة إلــى قلــب المنافســة بيــن الــدول والمجتمعــات. وهــذا العــدد الثاني عشــر يأتــي فــي لحظــة تبــدو فيهــا الحــدود بيــن هــذه الملفــات أكثــر تــداخاًل مــن أي وقــت مضــى.
فـي هــذا العــدد، نبــدأ مــن واحــدة مــن أكثــر القضايــا إثــارة للقلــق فــي المشــهد األمنــي المعاصــر: قــدرة الجماعــات المســلحة علــى الوصــول إلــى تقنيــات كانــت فــي الماضــي حكــًرًا علــى الــدول والجيــوش. نبحــث فــي كيفيــة تكيــف الجهــات العنيفــة مــع التقنيــات الجغرافيــة الحديثــة، وفــي احتمــال أن تســتفيد الجماعــات اإلرهابيــة مــن التطــور المتســارع فــي الطائــرات المســّيّرة الــذي غي ـّر طبيعــة الحــروب الحديثــة. وبينمــا تتطــور األدوات الميدانيــة، يتســع ميــدان الصــراع ليشــمل الفضــاء الرقمــي، حيــث تكشــف الهجمــات التــي اســتهدفت أنظمــة الميــاه فــي الواليــات المتحــدة عــن هشاشــة البنيــة التحتيــة المدنيــة أمــام التهديــدات الســيبرانيــة.
لكــن األمــن فــي هــذا العــدد ال ُيُ قــرأ مــن زاويــة التهديــدات التقليديــة وحدهــا. فمــقال »فوريــن بوليســي« حــول »نهايــة العالــم كمــا نعرفــه« يفتــح نقاًشًــا أوســع حــول التحــوالت الجيوسياســية والتكنولوجيــة التــي قــد تعيــد تشــكيل النظــام الدولــي، بينمــا تأخذنــا »ســاينتيفيك أمريــكان« إلــى ســباق مختلــف علــى مــورد اســتراتيجي هــو التنغســتن، فــي قضيــة تكشــف كيــف أصبحــت المعــادن والمــوارد الطبيعيــة جــزًءًا مــن المنافســة الصناعيــة والعســكريــة.
وفــي الجانــب العلمــي، يقــدم العــدد نافــذة علــى حــدود المعرفــة اإلنســانية. مــن اكتشــافات »نيتشــر« إلــى رصــد »نوتيلــوس« لثقــب أســود متجــول يلتهــم نجًمًــا، نــرى كيــف يســتمر العلــم فــي دفــع حــدود مــا نعرفــه عــن األرض والكــون.
أمــا عالــم األعمــال والتكنولوجيــا، فيحضــر بقــوة أيًضًــا. فـ»هارفــارد بزنــس ريفيــو« يناقــش »مصيــدة التوافــق الزائــف«، مســلًطًا الضــوء علــى مشــكلة يمكــن أن تواجــه المؤسســات عندمــا يبــدو أن الجميــع متفقــون بينمــا تخفــي االجتماعــات والقــرارات اختالفــات جوهريــة. وفــي قطــاع أشــباه المــوصالت، تكشــف »إم آي تــي تكنولوجــي ريفيــو« عــن آلــة تبلــغ قيمتهــا 400 مليــون دوالر تقــف فــي قلــب مســتقبل صناعــة الرقائــق، فــي وقــت أصبحــت فيــه القــدرة علــى تصنيــع الشــرائح المتقدمــة عنصــًرًا أساســًّّيا فــي القــوة االقتصــاديــة واالســتراتيجية.
ويأخذنــا ملــف العــدد إلــى قضيــة مختلفــة فــي ظاهرهــا، لكنهــا ترتبــط بــكل مــا ســبق: الميــاه. »بريطانيــا العطشــى… كيــف تحــولت أزمــة الميــاه إلــى تحــ ٍّّد لألمــن الغذائــي واالقتصــادي؟« هــو ملفنــا الرئيســي، الــذي يتتبــع كيــف انتقــل الجفــاف مــن كونــه ظاهــرة مناخيــة إلــى قضيــة تمــس الزراعــة والبيئــة والبنيــة التحتيــة واالقتصــاد واألمــن الغذائــي.
ومــن خــالل مجموعــة مــن المصــادر المتخصصــة والصحــف والمؤسســات الرســميــة، نبحــث فــي تأثيــر نقــص الميــاه علــى المزارعيــن، ومســتقبل شــركات الميــاه، وحمايــة األنهــار والميــاه الجوفيــة، واالســتثمارات المطلــوبة، ومخاطــر االعتمــاد علــى الــواردات الغذائيــة، وصــوااًل إلــى الســؤال األهــم: هــل تســتطيع بريطــانيا بنــاء منظومــة مائيــة قــادرة علــى الصــمود أمــام منــاخ أكثــر تقلبــًا؟
يجمــع هــذا العــدد، فــي النهايــة، بيــن موضوعــات قــد تبــدو متباعــدة للوهلــة األولــى، لكنهــا تشــترك فــي حقيقــة واحــدة: العالــم يدخــل مرحلــة تصبــح فيهــا القــدرة علــى التكيــف أهــم مــن القــدرة علــى التنبــؤ.
مــن الطائــرات المســّيّرة إلــى الهجمــات الســيبرانيــة، ومــن الرقائــق إلــى المعــادن االســتراتيجية، ومــن الــذكاء اإلداري إلــى صعــود الصيــن، ومــن الثقــوب الســوداء إلــى أزمــة الميــاه، تكشــف مــواد العــدد أن التحديــات المقبلــة لــن تأتــي منفــردة، ولــن تبقــى محصــورة داخــل قطــاع واحــد.
إنهــا تحــوالت مترابطــة، ومــن يريــد فهــم العالــم الجديــد عليــه أن يقــرأ هــذه الروابــط، ال األحــداث منفــردة.