يضم هذا العدد من النشرة ثلاثة برامج إذاعية وملفًا فكريًا تسلط الضوء على عمق الأزمات الجيوسياسية والتحولات الهيكلية التي يمر بها العالم المعاصر، عبر قراءة متقاطعة لاستكشاف كيف أضحت الملاعب الرياضية وميادين البحث الأكاديمي مرايا عاكسة لأزمة التعددية الدولية، وتراجع حياد المؤسسات العابرة للقوميات، وتصاعد النفوذ الأحادي للقوى الكبرى والمال في توجيه المشهد العالمي والتحولات الكبرى التي يشهدها علم السياسة والنظام الدولي في القرن الحادي والعشرين، موضحًا أن القوة لم تعد تُقاس بالقدرات العسكرية والجغرافيا التقليدية وحدهما، وإنما أصبحت ترتبط أيضًا بالتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والبيانات، والبنية الرقمية، والمناخ، والعواطف الجماعية، والسرديات السياسية.
في المستوى الأول، يأتي مونديال 2026 وسقوط واجهة “حياد الرياضة”؛ ففي تغطية مجريات بطولة كأس العالم 2026، كشفت النقاشات المتخصصة عن محطة مفصلية سميتها “مونديال المكاشفة”؛ حيث أزيلت الأقنعة عن الممارسات والضغوط السياسية، التي كانت تُدار سابقًا خلف الكواليس. لم يعد الهيكل التنظيمي للاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) يمثل سلطة رياضية محايدة تطبق القوانين بتجرد، وإنما أظهر تبعية للنفوذ السياسي والتجاري للدولة المضيفة. وتتجلى أبرز مظاهر هذا التسييس في مظاهر عدة؛ منها التدخل السياسي المباشر في القرارات التأديبية، الذي تمثل في التدخل المباشر للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لدى رئيس الفيفا، جياني إنفانتينو؛ للضغط من أجل إلغاء عقوبة الإيقاف الناتجة عن البطاقة الحمراء للمهاجم الأمريكي، فولارين بالوغون. هذا التجاوز الصريح للوائح اللجان القضائية والتأديبية أسقط مصداقية “الفيفا”، وأكد خضوعه للضغوط الأحادية.
هناك أيضًا ازدواجية المعايير وسياسات التمييز، حيث امتدت الأزمة لتشمل الشؤون التنظيمية واللوجستية؛ بدءًا من التضييق والحظر اللوجستي الذي طال المنتخب الإيراني ومنعه من المشاركة في أراضي الدولة المضيفة، مرورًا بحرمان آلاف المشجعين الأفارقة واللاتينيين من الحصول على التأشيرات، وصولًا إلى الواقعة الصادمة المتمثلة في منع وترحيل الحكم الدولي عمر عبد القادر أرتان (أفضل حكم في أفريقيا) وإبعاده من الأراضي الأمريكية، في ظل صمت تام ومريب من الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف).