اتفاق الإطار الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة: مضامينه، آفاقه، تحدياته

InsightImage

اتفاق الإطار الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة: مضامينه، آفاقه، تحدياته

في خطوة دبلوماسية بارزة، وُقِّع الاتفاق الإطاري الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، بصفتها راعيًا وضامنًا، في واشنطن بتاريخ 26 يونيو 2026. وجاء الاتفاق، الذي توسط فيه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، ثمرة أربعة أيام من المفاوضات المكثفة بين الجانبين، بهدف وضع حد للصراع الممتد بين لبنان وإسرائيل وفتح مسار تفاوضي يقود إلى اتفاقية سلام شاملة. ويُعد هذا الاتفاق محاولة لتجاوز عقود من التوتر والمواجهات العسكرية عبر إرساء إطار سياسي وأمني يهدف إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي ومعالجة القضايا العالقة بين الطرفين.[1]

ورغم الزخم الدبلوماسي الذي رافق توقيعه، فإن الاتفاق يواجه تحديات جوهرية قد تعرقل تنفيذه أو تُضعف فاعليته، بما في ذلك تعقيدات المشهد الأمني، وتباين أولويات الأطراف المعنية، واحتمال غياب الثقة المتبادلة اللازمة لإنجاحه. كما أن هشاشة البيئة الإقليمية، وإمكانية تصاعد التوترات الميدانية قد تُضعف فرصَ الالتزام المرحلي ببنود الاتفاق، بل ربما تفتح الباب أمام سيناريوهات فشل أو تعثر جزئي في التنفيذ.

ويرتكز الاتفاق على هدف استراتيجي يتمثل في الانتقال من مرحلة إدارة الصراع إلى بناء سلام مستدام، بما يحول دون تجدد المواجهات العسكرية ويضمن استعادة لبنان سيادته الكاملة على أراضيه، بالتوازي مع توفير الضمانات الأمنية للحدود الشمالية لإسرائيل. ولتحقيق ذلك، يعتمد الاتفاق مبدأ التنفيذ المرحلي والمتبادل للالتزامات الأمنية والسياسية، بما يعكس طبيعة القضايا المعقدة التي يتناولها وأهمية بناء الثقة تدريجيًّا بين الأطراف المعنية. وفي هذا السياق، وصف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الاتفاق بأنه “خطوة أولى نحو تسوية طويلة الأمد”، مؤكدًا أنه يمثل إنجازًا دبلوماسيًّا مهمًّا يمكن أن يمهد الطريق لاستقرار أكثر رسوخًا في المنطقة[2].

مضامين الاتفاق الإطاري الثلاثي

يقوم الاتفاق الإطاري الثلاثي على مبدأ “السيادة مقابل الأمن” Sovereignty for Security؛ بما يعني استعادة لبنان سيادته الكاملة على أراضيه مقابل توفير ضمانات أمنية لإسرائيل. ويعكس هذا المبدأ محاولة لتحقيق توازن بين متطلبات السيادة اللبنانية والاعتبارات الأمنية الإسرائيلية، من خلال مجموعة من الالتزامات الأمنية والسياسية المتبادلة. وتشمل أبرز مضامين الاتفاق ما يلي:

1. نزع سلاح حزب الله وبسط سلطة الدولة اللبنانية

يشكل نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية في مختلف أنحاء لبنان الركيزة الأساسية للاتفاق. وينص على حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وإسناد المسؤولية الأمنية الكاملة إلى الجيش اللبناني باعتباره الجهة الشرعية الوحيدة المخولة بحفظ الأمن والدفاع عن البلاد. ويعكس هذا البند توجهًا دوليًّا ومحليًّا لتعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية وترسيخ سيادتها، من خلال الحد من نفوذ الجماعات المسلحة غير الحكومية التي مثلت، على مدى سنوات، أحد أبرز التحديات أمام استقرار الدولة وسيادتها.

2. الانسحاب الإسرائيلي التدريجي

يربط الاتفاق استكمال الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان بالتحقق من تنفيذ التزامات نزع سلاح حزب الله وترسيخ احتكار الدولة اللبنانية للسلاح. وبالتوازي مع ذلك، ينتشر الجيش اللبناني تدريجيًّا في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية. وقد أُعلن عن منطقتين “تجريبيتين” تقعان خارج ما يُعرف بـ”خط مضادات الدروع” الإسرائيلي، يتولى فيهما الجيش اللبناني ملء الفراغ الأمني عقب الانسحاب الإسرائيلي. وتشمل هاتان المنطقتان منطقة جنوب نهر الليطاني وأخرى شماله، على أن تُمثلا نموذجًا أوليًّا لتطبيق الاتفاق قبل توسيع نطاق تنفيذه.

ولاحقًا، أفادت تقارير بأن القوات الإسرائيلية أجّلت انسحابها من “المناطق التجريبية” إلى حين قيامها، بالتنسيق مع القوات المسلحة اللبنانية، بإنشاء آلية تنسيق مشتركة، وبدء الأخيرة جهود نزع سلاح حزب الله في تلك المناطق[3].

3. الدعم الأمريكي وإعادة الإعمار

يتضمن الاتفاق التزامًا أمريكيًّا بحشد الدعم الدولي لإعادة إعمار لبنان، مع وضع آليات تضمن عدم وصول أموال إعادة الإعمار إلى الجماعات المسلحة غير الحكومية. كما يهدف إلى تهيئة الظروف لعودة النازحين اللبنانيين، وتعزيز مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، في إطار الالتزام بالقرارات الدولية ذات الصلة. وفي هذا السياق، تعهدت الولايات المتحدة بتقديم مساعدات إنسانية عاجلة بقيمة 100 مليون دولار، إضافة إلى 30 مليون دولار لدعم الجيش اللبناني، بما يعكس دورها كراعٍ وضامن رئيسي لتنفيذ الاتفاق.

4. مجموعة التنسيق العسكرية الثلاثية

ينص الاتفاق على إنشاء مجموعة تنسيق عسكرية ثلاثية تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، بهدف الإشراف على تنفيذ بنوده ومعالجة أي خروقات قد تطرأ خلال مراحل التطبيق. وتتولى هذه المجموعة تنسيق عمليات الانتشار والانسحاب الميداني، ومتابعة تنفيذ الالتزامات الأمنية، بما يوفر آلية دائمة للمراقبة والتحقق وتعزيز الثقة بين الأطراف.

وفي محاولة لمعالجة فجوة الثقة بين الأطراف، أفادت تقارير بأن القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) تعتزم نشر قوات برية في كل من إسرائيل ولبنان لمراقبة تنفيذ الاتفاق الإطاري الثلاثي. ومن المتوقع أن يسهم هذا الانتشار في تسريع رصد خروقات وقف إطلاق النار والتحقق منها ميدانيًّا بالتنسيق مع الجيش اللبناني والقوات الإسرائيلية، بما يعزز قدرة الولايات المتحدة على مراقبة تنفيذ الاتفاق والضغط على الطرفين للالتزام بتعهداتهما. كما يُرجح أن يقلل هذا الوجود العسكري من قدرة إيران على التأثير في آليات التحقق والسردية المرتبطة بالخروقات، لاسيما في ظل إنشاء “خلية خفض التصعيد” التي تضم الولايات المتحدة وإيران وقطر ولبنان لإدارة الوضع الأمني في لبنان. ومع ذلك، لم تُعلن واشنطن عن حجم هذا الانتشار أو نطاقه الزمني والجغرافي، الأمر الذي يترك تساؤلات مفتوحة بشأن مدى فاعلية هذه الآلية في ضمان تنفيذ الاتفاق.[4]

5. الملحق الأمني

يُحدد الملحق الأمني للاتفاق الإطاري الثلاثي الآليات التنفيذية لانتشار القوات المسلحة اللبنانية في المناطق التي ستنسحب منها القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان. ويتضمن آلية من أربع مراحل لتفكيك الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة (قوات حزب الله تحديدًا) في “المناطق التجريبية” في جنوب لبنان، بمشاركة القوات الإسرائيلية والقوات المسلحة اللبنانية. ويشبه نموذج الملحق الخاص بنزع سلاح هذه الجماعات في المناطق التجريبية إلى حدّ كبير استراتيجية مكافحة التمرد المعروفة بـ “التطهير–الإمساك–البنّاء”.[5]

وينصّ الملحق على أن تؤسس إسرائيل ولبنان “مجموعة التنسيق العسكري من أجل لبنان”(MCG4L) للتحقق من التقدم المحرز في عملية نزع السلاح في جنوب لبنان، وللعمل بوصفها قناة تواصل غير مباشرة بين القوات الإسرائيلية والقوات المسلحة اللبنانية. وذكرت مصادر إسرائيلية أن الولايات المتحدة ستدقّق أسماء عناصر القوات المسلحة اللبنانية المشاركين في مجموعة التنسيق العسكري، لضمان عدم حصول حزب الله على معلومات حساسة، وأن المجموعة ستعمل بوصفها “مركز قيادة افتراضي” مشترك بين القوات الإسرائيلية ونظيرتها اللبنانية.[6]

السياق الإقليمي: مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية

لا يمكن قراءة الاتفاق الإطاري الثلاثي بمعزل عن التطورات الإقليمية الأوسع، وفي مقدمتها مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية (MOU) الموقعة في 17 يونيو 2026 [7]. فقد جاءت هذه المذكرة ثمرة جولة مكثفة من المفاوضات بين واشنطن وطهران، وتضمنت أربعة عشر بندًا، كان أبرزها النص على “الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان”[8]. ويعكس هذا البند سعي الطرفين إلى احتواء التصعيد الإقليمي وربط مسارات التهدئة في مختلف ساحات النزاع.

وأثارت المذكرة تساؤلات بشأن انعكاساتها على الاتفاق الإطاري الثلاثي، لاسيما بعد إعلان إيران أن الاتفاق يتعارض مع البند المتعلق بلبنان في مذكرة التفاهم الموقعة مع الولايات المتحدة. وترى طهران أن الاتفاق الثلاثي يهدف إلى تقليص نفوذها في لبنان وإعادة تشكيل التوازنات الأمنية والسياسية فيه، وهو ما يفسر موقفها الرافض له. كما تربط إيران بين الملف اللبناني ومسار مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، وتطالب بانسحاب كامل للقوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية استنادًا إلى مذكرة التفاهم، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًّا للتوصل إلى أي اتفاق نهائي بين الطرفين.

وفي السياق ذاته، تضمنت مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية بنودًا تتعلق بإعادة إعمار إيران بما لا يقل عن 300 مليار دولار، ورفع العقوبات الأمريكية والدولية المفروضة عليها، إلى جانب ترتيبات خاصة بالبرنامج النووي الإيراني وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز. وتؤكد هذه المعطيات أن مستقبل الاتفاق الإطاري الثلاثي لا يتوقف على التفاهمات اللبنانية-الإسرائيلية فحسب، بل يرتبط أيضًا بمآلات المفاوضات الأمريكية-الإيرانية، وما قد تسفر عنه من تفاهمات أو خلافات تؤثر في المشهد الإقليمي بأكمله.

المواقف والردود على الاتفاق

أثار توقيع الاتفاق الإطاري الثلاثي تباينًا واسعًا في المواقف على المستويين اللبناني والإقليمي، بما يعكس تعقيدات المشهدين السياسي والأمني، وتباين الرؤى بشأن مستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل، ودور السلاح غير الشرعي في المعادلة الداخلية اللبنانية.

‌1. المواقف اللبنانية

المؤيدون

رحّب كل من الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بالاتفاق، واعتبراه خطوة مهمة نحو استعادة سيادة الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية. ويرى مؤيدو الاتفاق أنه يمثل فرصة لإنهاء حالة المواجهة المستمرة مع إسرائيل، ويفتح المجال أمام تعزيز الاستقرارَين السياسي والأمني، بما يهيئ الظروف لإعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد اللبناني.

المعارضون

حزب الله: رفض حزب الله الاتفاق رفضًا قاطعًا، ولاسيما البنود المتعلقة بنزع سلاحه وربط استكمال الانسحاب الإسرائيلي بتنفيذ هذا الالتزام. ووصف الأمين العام للحزب، نعيم قاسم، الاتفاق بأنه “سقطة مريعة” للحكومة اللبنانية، معتبرًا أنه وُقِّع تحت وطأة الإكراه العسكري الإسرائيلي، وينتهك السيادة اللبنانية والإرادة الشعبية وأحكام الدستور. كما حذّر الحزب من أن المضي في تنفيذ الاتفاق قد يؤدي إلى اندلاع مواجهات داخلية أو حرب أهلية.

نبيه بري: وجّه رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، انتقادات حادة للاتفاق، معتبرًا أنه قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات الداخلية وإثارة مواجهات سياسية وأمنية، وأعرب عن اعتقاده بأن الاتفاق لن يجد طريقه إلى التنفيذ[9].

حركة أمل: أعلنت حركة أمل رفضها للاتفاق، واعتبرته اتفاقًا غير متوازن، محذرة من تداعياته المحتملة على الوحدة الوطنية والاستقرار الداخلي.

ويعكس هذا التباين في المواقف انقسامًا عميقًا داخل الساحة اللبنانية بين مشروع يدعو إلى حصرية السلاح بيد الدولة وتعزيز مؤسساتها، وآخر يتمسك بالإبقاء على سلاح المقاومة باعتباره جزءًا من منظومة الردع في مواجهة إسرائيل.

2. المواقف الإسرائيلية

المؤيدون

اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الاتفاق إنجازًا استراتيجيًّا لإسرائيل، مؤكدًا أنه يبعث برسالة واضحة إلى إيران مفادها أن نفوذها في لبنان لن يكون مقبولًا في المرحلة المقبلة. كما شددت الحكومة الإسرائيلية على أن استكمال الانسحاب من جنوب لبنان سيظل مشروطًا بالتحقق الفعلي من نزع سلاح حزب الله، مع المطالبة بضمانات أمنية طويلة الأمد تحُول دون إعادة بناء قدراته العسكرية.[10]

المعارضون

في المقابل، واجه الاتفاق انتقادات داخل إسرائيل أيضًا. فقد وصف وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الاتفاق بأنه “خطأ فادح”، معتبرًا أنه يقدم تنازلات لا تحقق الأمن الإسرائيلي بالشكل المطلوب. كما أعرب يائير غولان، زعيم حزب الديمقراطيين المعارض، عن تشككه في قدرة الاتفاق على تحقيق هدفه الرئيسي، مشيرًا إلى أن الجماعات المسلحة لا تتخلى عن سلاحها بمجرد النص على ذلك في اتفاق سياسي، الأمر الذي يثير، من وجهة نظره، شكوكًا حول جدوى الاتفاق وإمكانية تنفيذه على أرض الواقع.

التحديات والمخاطر التي تواجه تنفيذ الاتفاق

يواجه الاتفاق الإطاري الثلاثي مجموعة معقدة من التحديات والمخاطر التي قد تعرقل تنفيذه أو تحدّ من فرص نجاحه، سواء على المستوى اللبناني الداخلي أو في السياق الإقليمي الأوسع؛ ومنها:

الانقسام السياسي والطائفي في لبنان

يمثل الانقسام الحاد حول شرعية الاتفاق أحد أبرز التحديات التي تواجه تنفيذه. فرفضُ حزب الله وحركة أمل، وهما من أبرز القوى السياسية والعسكرية في البلاد، يهدد بإفشال البنود المتعلقة بحصرية السلاح وبسط سلطة الدولة. كما أن التحذيرات من احتمال اندلاع مواجهات داخلية في حال المضي في تنفيذ الاتفاق تزيد من حساسية المشهد وتعقيده.

ولا يقتصر هذا الانقسام على النخب السياسية، بل يمتد إلى الشارع اللبناني؛ ما يجعل فرض بنود الاتفاق بالقوة خيارًا شديد الخطورة قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الأمنية والاجتماعية. ويزداد الأمر تعقيدًا بسبب الطبيعة الطائفية للنظام السياسي اللبناني، حيث تتداخل الولاءات السياسية مع الانتماءات الطائفية، الأمر الذي يصعّب التوصل إلى إجماع وطني حول قضايا مصيرية مثل السلاح والسيادة.

قدرة الجيش اللبناني على فرض السيطرة

تُثار تساؤلات جدية حول قدرة الجيش اللبناني على بسط السيطرة الأمنية الكاملة على الجنوب والمناطق الحساسة، وعلى تنفيذ مهمة نزع سلاح حزب الله. فعلى الرغم من الدعم الدولي الموعود، فإن الجيش اللبناني لا يزال يواجه تحديات تتعلق بالتمويل والتجهيز والتدريب، فضلًا عن قيود هيكلية تراكمت على مدى عقود.

وتزداد صعوبة المهمة بالنظر إلى امتلاك حزب الله ترسانة عسكرية كبيرة وخبرة قتالية واسعة؛ ما يجعل أي مواجهة مباشرة معه محفوفة بمخاطر داخلية جسيمة. كما أن فرض السيطرة بالقوة قد يؤدي إلى إضعاف المؤسسة العسكرية نفسها وفتح الباب أمام مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.

معضلة الثقة والتنفيذ المتدرج

يعتمد نجاح الاتفاق على تنفيذ متزامن ومتوازن للالتزامات الأمنية والسياسية من جميع الأطراف، إلا أن كل طرف يربط تنفيذ التزاماته بقيام الطرف الآخر بالخطوة الأولى؛ ما يخلق معضلة ثقة تعيق التطبيق العملي.

فإسرائيل تشترط التحقق من نزع سلاح حزب الله قبل استكمال الانسحاب، في حين يطالب لبنان بانسحاب إسرائيلي غير مشروط. ويؤدي غياب آلية واضحة وموثوق بها للتحقق من التزامات الأطراف إلى تغذية الشكوك المتبادلة، ما يجعل الاتفاق عرضة للجمود أو التفسيرات المتضاربة.

الدور الإيراني المستمر

يبقى الدور الإيراني عاملًا مؤثرًا في مستقبل الاتفاق، إذ تعتبر طهران حزب الله حليفًا استراتيجيًّا وأداة رئيسية ضمن نفوذها الإقليمي. ومن المرجح أن تستمر في تقديم الدعم المالي والسياسي والعسكري للحزب، خاصة في ظل التفاهمات المتعلقة برفع العقوبات وتحرير الأصول الإيرانية.

هذا الدعم قد يحد من فرص نجاح جهود نزع السلاح ويعزز موقف القوى الرافضة للاتفاق. كما أن ارتباط الملف اللبناني بالمفاوضات الأمريكية-الإيرانية يجعل لبنان جزءًا من معادلة إقليمية أوسع تتجاوز حدوده الداخلية.

استمرار التهديدات الأمنية الإسرائيلية

على الرغم من توقيع الاتفاق، فلاتزال العمليات العسكرية والضربات الجوية الإسرائيلية في جنوب لبنان تشكل مصدر توتر دائم، وقد تستدعي ردود فعل من جانب حزب الله أو مجموعات مرتبطة به. ويقوض استمرار هذه العمليات جهود التهدئة وبناء الثقة، ويحافظ على حالة من عدم اليقين الأمني.

ويعزز هذا التقدير ما أكده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 30 يونيو 2026، حين شدد على أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب من جنوب لبنان قبل التحقق من نزع سلاح حزب الله بصورة كاملة، وأوعز إلى الجيش الإسرائيلي بمواصلة التحرك ضد ما وصفه بتهديدات الحزب في جنوب لبنان. ويعكس هذا الموقف استمرار ربط إسرائيل تنفيذ التزاماتها الأمنية بتحقيق تقدم ملموس في ملف نزع السلاح، الأمر الذي قد يطيل أمد تنفيذ الاتفاق ويزيد من احتمالات الاحتكاك الميداني.[11]

التحديات الاقتصادية والاجتماعية في لبنان

إلى جانب التحديات الأمنية والسياسية، يواجه لبنان أزمة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة تُعد من أبرز العوامل التي قد تؤثر في تنفيذ الاتفاق واستدامته. فعلى الرغم من أهمية الوعود المتعلقة بإعادة الإعمار وتقديم الدعم الدولي، فإنها لن تكون كافية ما لم تُعالج الأسباب البنيوية للأزمة، وفي مقدمتها الفساد، وسوء الإدارة، وتعثر الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية.

ومن ثم، فإن نجاح الاتفاق لا يرتبط بالترتيبات الأمنية والسياسية فحسب، بل يتطلب أيضًا إطلاق برنامج شامل للتعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة، يعزز ثقة المواطنين بالدولة ويحسن أوضاعهم المعيشية. فاستمرار التدهور الاقتصادي قد يوفر بيئة مواتية لتصاعد الاضطرابات الاجتماعية وتعزيز نفوذ الفاعلين غير الحكوميين، بما يهدد المكاسب الأمنية المرجوة. كما ينبغي أن يركز الدعم الدولي على تعزيز القدرات المؤسسية، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة الرشيدة، بما يضمن توجيه المساعدات إلى مستحقيها وتحقيق أثر تنموي مستدام.

غياب التوافق الدولي الشامل

على الرغم من اضطلاع الولايات المتحدة بدور الراعي والضامن للاتفاق، فإن غياب توافق دولي واسع بشأن آليات تنفيذه ومراقبة الالتزام ببنوده قد يشكل أحد أبرز التحديات أمام نجاحه. فاختلاف مصالح القوى الدولية الفاعلة، وفي مقدمتها روسيا والصين، قد يحد من فاعلية أي جهود دولية موحدة لدعم الاتفاق أو ممارسة الضغوط اللازمة لضمان تنفيذه.

وفي هذا السياق، يظل توفير غطاء دولي أوسع، يستند إلى قرارات مجلس الأمن وآليات رقابة دولية فعالة، عنصرًا مهمًا لتعزيز فرص نجاح الاتفاق. غير أن تحقيق مثل هذا التوافق يظل رهينًا بطبيعة التوازنات الدولية الراهنة، وما تشهده من تنافس جيوسياسي قد ينعكس على مستوى الدعم الدولي المقدم لمسار تنفيذ الاتفاق.

الآفاق المستقبلية

على الرغم من التحديات الكبيرة التي تحيط بالاتفاق الإطاري الثلاثي، فإن مستقبله سيظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بمسار التفاهمات الأمريكية-الإيرانية، وبقدرة الأطراف المعنية على تجاوز الخلافات الأمنية والسياسية والإقليمية. وفي هذا الإطار، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار الاتفاق:

يقوم السيناريو الأول على التوصل إلى اتفاق دائم بين الولايات المتحدة وإيران، وهو السيناريو الذي تواصل واشنطن الدفع باتجاهه، انطلاقًا من إدراك الطرفين أن استمرار المواجهة يهدد أمن الطاقة العالمي، ويزيد من مخاطر تعطيل الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر. غير أن تحقق هذا السيناريو يظل مرهونًا بتجاوز الخلافات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، والتفاهم حول الملفات الإقليمية وآليات تنفيذ الالتزامات. ومن المتوقع أن يتضمن أي اتفاق شامل وقف إيران لعمليات التخصيب المرتفع لليورانيوم ونقل مخزونها إلى الخارج، مقابل رفع العقوبات وتطبيع العلاقات تدريجيًّا، إلى جانب تفاهمات إقليمية مع دول الخليج تضمن الحفاظ على مصالحها الأمنية في محيط مضيق هرمز.

أما السيناريو الثاني فيتمثل في تجدد الصراع نتيجة تعثر المفاوضات الأمريكية-الإيرانية واستمرار الخلافات حول البرنامج النووي والعقوبات. كما قد يؤدي استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان إلى تقويض التفاهمات القائمة، بما قد يستدعي ردودًا من إيران أو حلفائها في المنطقة. ويزداد هذا السيناريو ترجيحًا إذا استمرت طهران في ربط تقدم المفاوضات بانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية ووقف عملياتها ضد حزب الله، وهو ما قد يؤدي إلى إطالة أمد المفاوضات وتعقيدها. كما تشير الخبرة التاريخية إلى أن غياب معالجة الأسباب البنيوية للصراع يجعل المنطقة عرضة لدورات متكررة من التصعيد وعدم الاستقرار.

ويُعد السيناريو الثالث، والمتمثل في تجميد الصراع ضمن معادلة ردع متبادل، الأكثر ترجيحًا على المدى المتوسط. ففي هذا السيناريو، تتراجع احتمالات اندلاع حرب واسعة دون الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، بينما تستمر الولايات المتحدة في سياسة الضغوط والعقوبات، وتحافظ إيران على استراتيجية الردع وإظهار قدرتها على الرد العسكري. وفي المقابل، تبقى بؤر التوتر قائمة ضمن سقف محسوب يمنع الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة، مع استمرار الجهود الدبلوماسية والوساطات الإقليمية لإدارة الأزمة واحتواء التصعيد. ويعني ذلك استمرار حالة اللاحرب واللاسلم، حيث تتواصل الضغوط السياسية والاقتصادية، والعمليات العسكرية المحدودة، والتهديدات المتبادلة، دون التوصل إلى تسوية نهائية.

وبوجه عام، فإن مستقبل الاتفاق سيظل رهينًا بمدى توافر الإرادة السياسية لدى الأطراف المعنية، وقدرتها على بناء الثقة المتبادلة، إلى جانب استمرار الدعم الدولي وتوفير آليات فعالة للمتابعة والتنفيذ. وبينما يمثل التوصل إلى تسوية شاملة الخيار الأكثر استقرارًا، فإن المؤشرات الحالية ترجح استمرار حالة الاحتواء المتبادل وإدارة الصراع، أكثر من ترجيح الوصول إلى سلام نهائي أو العودة إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.

الخلاصة

يمثل الاتفاق الإطاري الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة محاولة لاحتواء أحد أكثر الصراعات تعقيدًا في المنطقة وتهيئة أرضية للاستقرار. ورغم ما يوفره الاتفاق من إطار سياسي واعد، فإن تنفيذه يظل رهينًا بتحديات أمنية وسياسية وإقليمية متشابكة، تجعل مساره طويل الأمد ونتائجه غير مضمونة. كما يرتبط مستقبل الاتفاق بقدرة الأطراف على بناء الثقة المتبادلة، ومعالجة الانقسامات الداخلية، وتنفيذ الالتزامات بصورة متزامنة، فضلًا عن تأثره بمآلات المفاوضات الأمريكية-الإيرانية وما قد تفضي إليه من تحولات في البيئة الإقليمية. وفي هذا السياق، فإن تحقيق سلام مستدام يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وتوافقًا داخليًّا وإقليميًّا، إلى جانب دعم دولي متواصل وآليات فعالة للمتابعة والتحقق من تنفيذ الالتزامات. ومن دون توافر هذه المقومات، قد يبقى الاتفاق إطارًا نظريًّا محدود الأثر، فيما تستمر المنطقة في مواجهة دوامة التوتر وعدم الاستقرار.


[1] Le Monde. (2026, June 27). Lebanon and Israel sign framework agreement in Washington for ‘lasting peace and security’. https://www.lemonde.fr/en/international/article/2026/06/27/lebanon-and-israel-sign-framework-agreement-in-washington-for-lasting-peace-and-security_6754926_4.html

[2] The Jerusalem Post. (2026, June 26). US-Israel-Lebanon sign trilateral framework agreement aimed at dismantling Hezbollah. Retrieved from https://www.jpost.com/international/article-900621

[3] Institute for the Study of War and Critical Threats Project, “Iran Update Special Report, July 1, 2026,” Understanding War, July 1, 2026, https://understandingwar.org/research/middle-east/iran-update-special-report-july-1-2026/

[4] Sammy Westfall and Karen DeYoung, “Trump Says U.S. and Iran Will Meet to Negotiate after Days of Strikes,” Washington Post, June 29, 2026, https://www.washingtonpost.com/world/2026/06/29/trump-says-us-iran-will-meet-negotiate-after-days-strikes/

[5] Institute for the Study of War, “Iran Update Special Report.”

[6] Institute for the Study of War, “Iran Update Special Report.”

[7] CNN. (2026, June 17). US releases official agreement with Iran. Read the 14-point text. https://www.cnn.com/2026/06/17/middleeast/us-iran-war-mou-text-intl

[8]

[9] Newscord. (2026, June 29). Nabih Berri Condemns US-Brokered Lebanon-Israel Framework Agreement, Says It Will Not Pass. https://newscord.org/article/nabih-berri-condemns-us-brokered-lebanon-israel-framework-agreement-says-it-will–Story_20260629_HezbollahsallyslamsLbf0c4297

[10] بي بي سي عربي، لبنان وإسرائيل يوقعان اتفاقًا إطاريًّا برعاية أمريكية، وحزب الله يصفه بأنه “مذلة وعار وتنازل عن السيادة”، 27 يونيو 2026: https://www.bbc.com/arabic/articles/crm0xmkz32zo

[11] Minister of Israel (@IsraeliPM_heb), “Text of the tweet,” X, June ?, 2026, https://x.com/IsraeliPM_heb/status/2071974716844187714